الدكتور حسن مرهج: حرب اليمن والسياق السعودي.. أرامكو نقطة التحولات

الدكتور حسن مرهج

للوهلة الاولى بدت السعودية غير مكترثة عقب استهداف العصب الاقتصادي للمملكة السعودية المُتمثل بشركة أرامكو النفطية، لكن التقارير المتسارعة والتي جاءت بمجملها في مضامين الحرج السعودي، والوقوف بعجزٍ امام الاستهداف النوعي والاستراتيجي لجماعة أنصار الله اليمينة، ظهرت علامات القلق السياسي والعسكري على مُحيا السعودية،  فالحرب التي قادتها المملكة ضد اليمن ضمن تحالف عربي وبرعاية أمريكية، بات من الواضح أنها بحاجة ماسة لمن يُخرجها من هذا المستقنع، والذي بسببه لم تُكسر صورة السعودية إقليمياً، بل كُسرت بموجبها صورة واشنطن، لاسيما أن الولايات المتحدة كانت عراب هذه الحرب، فالسوبر ماركت الأمريكية التي صدرت جميع نواع الاسلحة للسعوديين، لم تُفلح إطلاقاً في كسر اليمن واليمنيين، ولم تتمكن من قلب موازين القوى، فالحوثيين تمكنوا وبإمكانيات بسيطة، من التصدي لكافة الهجمات السعودية سياسياً وميدانياً، كما تمكنوا من التوغل في العمق السعودي، وهذا يُعد استراتيجياً بمثابة الانتصار الذي سيُغير الكثير من قواعد الاشتباك، ليس في اليمن فحسب، بل أن تداعيات هذه القواعد ستكون مشهداً عسكرياً تُبنى عليه الكثير من المعطيات والوقائع في الشرق الأوسط كاملا.

أرامكو النفطية السعودية ستكون بلا ريب نقطة تحولات استراتيجية على صعيد الحرب على اليمن، فهذه العملية ستؤسس بموجبها معادلات ستقلب موازين المعركة راساً على عقب، يُضاف إلى ذلك حالة الإرباك السعودية والأمريكية عُقب الاستهداف النوعي، فأنصار الله قد حققوا خرقاً استراتيجياً بالمقاييس كافة، وتحديداً على مستوى التصريحات الأمريكية والسعودية والتي تاهت في نفق التخبطات السياسية، بدليل كيّل الاتهامات جُزافاً ضد إيران، دون الغوص في التحقيقات واستخلاص النتائج، وهنا نسأل عن الأقمار الأمريكية التي ترصد مشارق الارض ومغاربها، وعن التسجيلات التي التقطها تلك الأقمار، لتكون الاتهامات بحق إيران لا تعدو عن كونها تخبطاً سياسياً وفوضى عسكرية ألمت بواشنطن ومحورها، وفي جانب أخر فإن الجمهورية الإسلامية الإيرانية وإن طالتها الرسائل والمؤشرات التي صدرت من واشنطن والرياض، إلا أن طهران نفت الاتهامات ضدها جُملة وتفصيلاً، لكن في سياق الاستراتيجية الإيرانية، لابد من تفعيل منطق القوة الردعي ضد واشنطن وحلفاؤها في المنطقة، وهذا حُكماً ينطبق على جماعة أنصار الله، وليس سراً إن قلنا، بأن إيران تدعم الحوثيين لمواجهة العدوان، وهذا أيضاً يأتي في سياق استراتيجي خاص بمحور المقاومة ككل، من هنا تبدو تفاصيل استهداف أرامكو رسالة استراتيجية لجميع الأطراف، فإما الجلوس على طاولة التفاهمات، وإما معادلة الاستهداف بالاستهداف.

في ذات السياق، جاءت تصريحات المتحدث باسم وزارة الدفاع السعودية تركي المالكي حول هجمات أرامكو في إطار تفاوضي بعيد المدى، دون توجيه اتهامات صريحة وواضحة ضد إيران، والواضح أن هذا التصريح جاء بلغة أمريكية وناطق سعودي، خاصة أن عبارات الخطاب كانت تائهة بين القلق لسعودي والرغبة الأمريكية. قلق سعودي باحث عن وسيلة تُخرجه من المستنقع اليمني، ورغبة أمريكية بجذب ايران إلى حوار يُجنب الأطراف المزيد من النزيف السياسي والعسكري، وهذا بمُجمله انتصار استراتيجي لمحور المقاومة بالكامل، والترجمة لهذه الخلاصة جاءت على لسان المتحدث باسم لقوات المسلحة اليمنية يحيى سريع في معرض حديثه عن تفاصيل عملية توازن الردع الثانية التي استهدفت معامل أرامكو في بقيق و خريص بـ السعودية حيث قال:”  نعلن ولأول مرة أن لدينا عشرات الأهداف ضمن بنك أهدافنا في الإمارات منها في أبوظبي و دبي وقد تتعرض للاستهداف في لحظة، لن تمضي معنا التهديدات والتلويحات،  أوقفوا عدوانكم، ارفعوا أيديكم عن اليمن، حينها ستحظون بالأمن وسنحظى نحن كذلك بالأمن،  إذا أردتم الأمن والسلامة لمنشآتكم وأبراجكم الزجاجية التي لا تستطيع الوقوف أمام طائرة مسيرة واحدة فأتركوا اليمن وشأنه”، وأضاف سريع ” هذا التحذير خذوه على محمل الجد أكثر من أي وقت مضىى ونحن اليوم أكثر تصممياً على تنفيذ عمليات واسعة ونوعية لوقف هذا العدوان”، وأكد سريع أن “رهان قوى العدوان على الأسلحة الأمريكية والأوروبية رهان فاشل حيث لا تستطيع التصدي أو إسقاط أي هدف من أهدافنا أو طائراتنا”، من هنا يبدو واضحاً أن هذه التصريحات ما هي إلا رسائل قوة ضد واشنطن والرياض وأبو ظبي. هي رسائل للمنطقة بأكمها، فالمعادلات الجديدة التي فرضها محور المقاومة من إيران مروراً بالعراق وفلسطين وسوريا ولبنان وصولا إلى اليمن، باتت قيد التنفيذ سياسياً وعسكريا.

في النتيجة، الأيام القادمة ستكون هناك ضربات من قبل أنصار الله في العمق السعودي، وهذا يأتي في سياق تأكيد معادلة الردع، والتي ستقلب الموازين على مستوى المنطقة، خاصة مع تصاعد سياسية الحرب واللا حرب التي تنتهجها واشنطن ومحورها بحق دول المقاومة.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here