الدكتور حسن مرهج: جيفري فلتمان ولبنان.. الديمقراطية العرجاء

الدكتور حسن مرهج

ليس مستغرباً ما صرح به جيفري فلتمان السفير الامريكي السابق في لبنان، حيال المشهد اللبناني وتجاذباته السياسية، فالرجل يُعد مُنظراً في الاستراتيجية الامريكية، وسياساتها الشرق أوسطية، خاصة أن واشنطن لا تُخفي طموحاتها الإقليمية والدولية، إذ أن جوهر السياسية الامريكية يعتمد على جملة معطيات وعوامل، تؤثر سلباً على المعادلات السياسية في بلدان الشرق الاوسط، والواضح أن الولايات المتحدة ويدها الطولى في المشاهد لإقليمية، تؤسس لما هو أبعد من ديمقراطيتها العرجاء، أو التشدق بحقوق الانسان، فالقضية الجوهرية اليوم تتمحور حول الهدف الامريكي المباشر من تصريحات فليتمان، ووضعها في الإطار السياسي الناظم لمشاهد الاحتجاجات في لبنان، فشهادة الرجل تؤكد أن واشنطن وراء هذه الاحتجاجات، بما لا يدع مجالاً للشك أو النقاش، فما حذر منه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرلله، بات واقعاً لجهة دور السفارات في هندستها للتظاهرات اللبنانية، واشاعة الفوضى ومحاولة جر لبنان إلى مشهد دموي، فاليوم وبشهادة فلتمان باتت الاجندة الامريكية واضحة في لبنان، والشروط التي طرحا فلتمان واضحة للجميع، فإما واشنطن وإما الفوضى.

يبدو واضحاً أن واشنطن تسعى علناً إلى تحويل لبنان حديقة خليفة لإسرائيل، والمراقب للتطورات اللبنانية يجزم بأن الغرف المغلقة وما يدور داخلها من ترتيب الاولويات، وترجمتها على ارض الواقع، يجزم بأن اللعب بات على المكشوف، والغاية الاولى والأخيرة تحقيق امن مستدام لإسرائيل، فاستباحة الساحة اللبنانية يُحقق هذه الغايات، والقدرة الامريكية على تطويع أدواتها قد لا يُحقق الغاية الاساسية، فلا بد من رسائل وبشكل مباشر مفادها تهديدات وعقوبات أمريكية تُصيب مقتلا في لبنان، في هذه النقطة، يبدو واضحاً أن واشنطن تُريد من لبنان ورقة المقاومة ورأسها، فلا أمن وأمان لإسرائيل، بتواجد حزب الله في الساحة اللبنانية، ويحظى بقعدة شعبية تُهدد أي فريق لبناني يتماهى جملة وتفصيلا مع الاجندة الامريكية، وفي هذا الإطار، اندرجت استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري بضغط أميركي، مع تعطيل لأي سياق سياسي قد  يُخرج لبنان من أزمته.

واشنطن لا تريد فقط تعطيل التوافقات والحلول السياسية في لبنان فحسب، بل تريد أيضاً تجريد حزب الله من سلاحه وشرعتيه، وكلام فلتمان في هذا الإطار واضح، فحين يتم الربط بين تقديم الدعم الامريكي والخيارات السياسية المستقبلية في لبنان، فهذه عرقلة واضحة للجهود اللبنانية في تجاوز هذه الأزمة، وحين يتم الحديث صراحة عن استبعاد جبران باسيل من المشهد السياسي في لبنان، فهذا يعني ان انصار المقاومة يُشكلون حجر عثرة في طريق الأجندة الأمريكية، والدلائل كثيرة، ففي المحافل الدولية لا يُخفي لبنان الرسمي دعمه للمقاومة، وهذا بحد ذاته مُستفزاً لواشنطن وأدواتهم في لبنان، ويكفي أن نقول، بأن باسيل اعلن صراحة نيته زيارة دمشق للتنسيق معها في كل الملفات الامنية والسياسية بين البلدين، وعلى أثر ذلك، بدأت التظاهرات اللبنانية.

تصريحات فلتمان أدخلت واشنطن على خط العبث بمستقبل لبنان، فاليد الامريكية حاضرة لمحاربة المقاومة ولأسباب كثيرة، خاصة أن سلاح المقاومة بات مُهدداً وجودياً لإسرائيل، كما أن حزب الله لا يبالي بالعقوبات الامريكية، ولا يبالي أيضاً بالتهديدات الاسرائيلية سوء أكانت عبر تصريحات قادة اسرائيل، او لجهة الاستفزازات المتكررة، ولعل تموز 2006 لا تزال حاضرة في الذاكرة الاسرائيلية، فالمطلوب صراحة تجريد المقاومة من سلاحها، حتى يتم تسوية المشهد اللبناني وهندسته بطريقة أمريكية، قوامها ديمقراطية عرجاء، وعمالة وتبيعة، ودون ذلك، ستبقى التجاذبات السياسية في لبنان عنوان المشهد اللبناني.

في النتيجة، فلتمان وتصريحاته تعكس القلق الامريكي حيال قدرة المقاومة على صوغ مشاهد تؤرق الإدارة الامريكية كما اسرائيل، فالمقاومة باتت معادلة لا يمكن كسرها في أي كباش سياسي او عسكري، رغم كل التحديات التي فرضتها واشنطن على مدى سنوات طويلة، بل على العكس، فقد ازدادت المقاومة قوة، واتسعت قاعدتها الشعبية، وراكمت الكثير من القوة العسكرية والامنية، ضمن ذلك يبدو ان واشنطن تُريد الانتقام من المقاومة عبر لبنان، وعليه فقد ركبت واشنطن موجة التظاهرات والحراك، وبدأت ببث سمومها السياسية والاقتصادية، أملا منها بقلب الوقائع في لبنان، وبلورتها أمريكياً.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here