الدكتور حسن مرهج: تأثيرات الضيف الثقيل “كورونا” على الشرق الأوسط

 

 

الدكتور حسن مرهج

لا شك بأن وباء كورونا المستجد، سيكون له تأثيرات تطال مُختلف الصعد في الشرق الأوسط، حيث أن هذا الضيف الثقيل يُعد بمثابة التحدّي الجدّي للكشف عن مدى قوة الأنظمة والسلطات، وقدرتها على الحد من تأثيرات هذا الوباء على الصعيد الإنساني والاقتصادي، فقد بات واضحاً ان كورونا سيميط اللثام عن الكثير من الوقائع والتي ستتكشف تباعاً، خاصة في مجال الخدمات الصحية، دون إغفال الوقائع العسكرية ووباء الحرب الذي طال اليمن وسوريا والعراق.

في جزئية لابد من الإضاءة عليها، حيث أنه وبموازاة المنحى التصاعدي الذي يُسجله فايروس كورونا، هناك منحى تنازلي تُسجله أسواق النقط، فقد تدنت أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة، الأمر الذي سيكون له انعكاسات عميقة على مستوى الاقتصاد الشرق أوسطي، خاصة أن انهيار أسعار النفط سيترك أيضاً بصماته بعمق على الاقتصاد السياسي في الشرق الأوسط. ونظراً إلى إغلاق أسواق العمل في الخليج، سيسفر هذا الأمر عن التخلي عن غالبية الوافدين من مصر والسودان ودول المشرق، ما يعني حدوث مشاكل اجتماعية في هذه البلدان التي تواجه أساساً تحديات ضخمة.

شكّل فيروس كورونا الجديد مصدراً لمصاعب جمّة على مستوى كافة التوقعات. ويتبادر إلى الذهن السؤال التالي: كيف سيكون تأثير هذا الوباء على الدول التي كانت سياساتها مؤطرة بقوانين ونُظم صارمة، سواء في مصر حيث يُحكم المصريون من قِبَل أنظمة سلطوية، أو في السعودية وعموم الخليج العربي، وكذا الأردن والعراق وسوريا واليمن. في هذا الإطار لن نُقارب يوميات كورونا في اليمن وسوريا، خاصة أن الإحصائيات الأممية سجلت اصابات محدودة في سوريا، ودون تسجيل أي إصابات في اليمن، وفي هذا المعرض سيتم لاحقاً ضمن مقال، الإضاءة بإسهاب على النموذجين السوري واليمني في ما يتعلق بفايروس كورونا.

بحسب الإحصاءات التي تتناقلها المؤسسات الصحية، فقد سجلت السعودية أعلى نسبة في أعداد المصابين بـ كورونا، بين دول الوطن العربي، فوصل عددهم إلى نحو 511 شخصا، ما دعا الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز للقول: ليست السعوديّة هي الوحيدة التي ستُواجه ظروفًا صعبةً في الأيّام المُقبلة، وإنّما جميع دول الخليج والبُلدان العربيّة الأخرى أيضًا، فهذا الفيروس الوبائي يُمكن تصنيفه في خانة أسلحة الدّمار الشامل، ونتائجه الخطيرة مفتوحة على كُل الاحتمالات. أما عدد الحالات في الأردن فقد وصل إلى 112 حالة حتى الآن. وسجلت البحرين أعلى إصابات بـ 3 حالات جديدة. وانضمت سوريا إلى القائمة حيث سجلت أول 9 إصابات. أما العراق فلا يزال يسجل أعلى نسبة وفيات بين دول الوطن العربي، وأصبح إجمالي عدد الوفيات 67. وفي مصر، بلغ العدد الإجمالي للإصابات 1100 إصابة، فيما يقدر عدد الوفيات بـ26 وفاة تتوزع على 40 بلدا، حسب الحصيلة التي نشرها المركز الافريقي للوقاية ولمكافحة الأمراض. وتعتبر دول المغرب الكبير مع مصر من ضمن الدول الأكثر إصابة بالفيروس (الجزائر 90، والمغرب 77) حسب الإحصائيات الأخيرة المتوفرة. فيما تأتي جنوب افريقيا في طليعة الدول التي سجلت أكبر عدد من الإصابات (200 حالة) على مستوى منطقة جنوب الصحراء الكبرى.

ضمن ما سبق من إحصائيات “قد تكون غير دقيقة”، وعطفاً على تردي أسعار النفط، نكون أمام حدث بأبعاد مُتعددة. في ظل هذه الظروف، من المؤكد أن رؤية السعودية 2030 سيتم تأجيلها جراء فايروس كورونا، بالإضافة لتدني اسعار النفط خاصة أن السعودية تؤسس ميزانيتها على سعر تقريبي يتراوح في إطار 45 دولار للبرميل، ما يعني أن أحلام ولي العهد محمد بن سلمان ستُحطم، وسيلي ذلك جملة من التعديلات والإصلاحات. وسيلجأ ولي العهد على الأرجح إلى إجراءات أكثر سلطوية للحفاظ على نفوذه. لكن عدم قدرته على توزيع العائدات الناتجة من الريع النفطي لاحتواء السخط سيسفر عن تزايد خطر حدوث اضطرابات.

وفي باقي دول الحليج فالواقع ليس أفضل حالاً من السعودية، وكذا مصر والأردن، وهنا يمكننا الإشارة إلى أن الأنظمة السلطوية ستصبح أكثر تقارباً مع بعضها البعض على الأرجح، في خطوة تسعى بها إلى فرض المزيد من الإجراءات الرامية للتضييق على الشعوب، بُغية احتواء ما يُمكن أن يفرزه كورونا من أثار اقتصادية كارثية على دول تُعاني أصلاً من أوضاع اقتصادية ومعيشية غاية في السوء.

في جانب أخر، أكدت تقارير أن التعاون بين المسؤولين الإسرائيليين والفلسطينيين كان طيّباً حين ظهرت أول إصابة بفيروس كورونا في الأراضي المحتلة في 5 آذار/مارس الماضي. فقد شكّلوا لجنة مشتركة وتشاطرت إسرائيل لوازم الفحص الطبي مع الفلسطينيين، وأفرجت عن شطر من عائدات التخليص الجمركي التي كانت تل أبيب تحجبها عن خزينة السلطة الفلسطينية، وذلك بهدف مساعدتها على شراء المواد الضرورية لمكافحة الفيروس. لكن إسرائيل أجبرت مؤخراً عمّالها الفلسطينيين المرضى على العودة إلى الأراضي المحتلة، من دون أي تنسيق مع السلطة الفلسطينية، ودمّرت عيادة ميدانية مؤقتة لفلسطينيين يعيشون في غور الأردن، وواصلت نسف منازل فلسطينية وبنى تحتية؛ وكل ذلك حدث فيما الفلسطينيون يحاولون الامتثال لأوامر البقاء في منازلهم والحفاظ على الصحة. كما أن تل أبيب تباطأت في ضمان أن يكون للفلسطينيين داخل الخط الأخضر- وهم مواطنون إسرائيليون- فرصة الحصول على الفحص الطبي على قدم المساواة مع جيرانهم اليهود، وواصلت حصار غزة، واتخذت إجراءات قد تعيق دخول السكان الفلسطينيين في القدس الشرقية إلى المستشفيات.

في النتيجة، لا شك أن أزمة فايروس كورونا ستنحسر طال الزمن أم قصر، أسوة بغيرها من الأزمات، لكن آثارها الاقتصادية ستبقى معنا إلى وقت أطول. فالعالم بعد كورونا لن يكون كالعالم قبله، وإن كانت الدول العظمى تستطيع تجاوز آثار وتداعيات هذا الوباء، لكن في المقابل فإن بعض دول الشرق الأوسط لن تكون قادرة على تجاوز أو تحمل تداعيات هذا الوباء، ما سيُعمق أزمات هذه البلدان والشعوب، الأمر الذي سيجلب المزيد من التحديات الجمة.

كاتب فلسطيني

 

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here