الدكتور حسن مرهج: الهواجس الاسرائيلية تُجاه إيران.. تحديات متزايدة

الدكتور حسن مرهج

بات واضحاً أن جُلّ التطورات الإقليمية والدولية، وما ينتج عنها من تداعيات سواء لجهة التصعيد، أو محاولات التهدئة، إنما تنطلق حُكماً من مضمون الشأن السوري، وانتصارات سوريا وحلفاؤها. هذه النتيجة تفرض نمطاً من التجاذبات والتحديات تحديداً لجهة محور أعداء سوريا، لا سيما اسرائيل، وعليه فإن السياسة الاستراتيجية الاسرائيلية، سواء على الصعيد الداخلي أو الإقليمي، تنطلق من مآلات الورقة السورية، وبناء السياق العسكري بما يتناسب وطبيعة التطورات التي باتت عليها الحرب على سوريا، ولا شك بأن اسرائيل لديها هواجس جمّة تُجاه ايران، خاصة مع السياسيات الامريكية التي توحي في مضامينها، أن الإدارة الامريكية لا ضير عندها من التخلي عن حلفاؤها. في هذا المشهد تراكمات تنامى القلق الاسرائيلي، وبات من الضروري جذب انتباه واشنطن لإسرائيل، وضرورة تبديد هواجسها، خاصة أن المناخ السياسي والعسكري في الشرق الأوسط، يشي بأن مناخ الحرب ضد ايران بات في طور الاكتمال، وتحديداً لجهة التحالف البحري الذي ستكون فيه اسرائيل اساسية، لمواجهة ايران ومحاصرتها، فضلا عن الاجراءات النووية الاخيرة التي اتخذتها ايران لجهة زيادة عمليات التخصيب، وصولا لإسقاط طائرة تجسس أكدت المصادر الإيرانية أنها اسرائيلية وانطلقت من قاعدة في البحرين، وبالتالي بتنا أمام جُملة من المعطيات التي تؤكد بأن القادم سيكون أكثر خطورة، إن لم يتم احتواء ايران، وتلبية مطالبها، والحفاظ على وزنها كلاعب إقليمي بارز ومؤثر، وعطفاً على تبديد هواجس اسرائيلي واحتواء بحثها عن تصعيد عسكري، قد يُشعل الشرق الأوسط.

تطورات الشرق الأوسط لجهة التظاهرات والانتفاضات، ووضع المطالب الشعبية في قوالب سياسية ذات أجندات إقليمية، لا يُمكن باي حال من الأحوال، إبعاد اسرائيل عن هذا المشهد، خاصة أن الرغبات الاسرائيلية تسير في سياق إعادة خلط الأوراق الإقليمية، جراء ضغط الملفات السياسية والعسكرية على اسرائيل. ضمن هذا، يبدو أنه من الصعب تصور خروج اسرائيل من هذه المآزق، دونما احداث تطورات تكون لها تداعيات ارتجاجية تُصيب المنطقة بشروخ سياسية وأخرى عسكرية، من هنا لا يمكننا أن نضع سيناريو الحرب بين إيران واسرائيل جانباً، ولا يُمكننا أيضاً رصد أي تطورات دون الأخذ بعين الاعتبار، أن اسرائيل تُعاني جراء التطورات في محيطها الاقليمي، خاصة أن اسرائيل تواجه بأهدافها البعيدة المدى مُعضلة، فمن جهة يؤدي إيلاؤها مواجهة الحضور الإيراني الأولوية الی سياسة تهدف لإخراج إيران وحزب الله من سوريا، ومن جهة أخری لا يبدو ساستها علی استعداد لقبول استعادة الدولة السورية سلطتها علی كامل التراب السوري. وتُعبِّر السياسة الإسرائيلية عن ذلك التناقض عبر ضرباتها الجوية والصاروخية إلی عدم استقرار، الذي يفتح الباب أمام حلفاء سوريا لمواجهة تلك الضربات.

نتيجة لذلك، لا يبدو أن لدى اسرائيل القدرة على التعايش مع فرضيات انتصار الدولة السورية، والتواجد الايراني في سوريا، إضافة إلى صعود ايران الاقليمي المُهدد وجوديا لإسرائيل. وبذلك، تظهر إشكالية الانتقال من الهدف الإسرائيلي الأول ألا وهو إضعاف سوريا والمقاومة، إلی الثاني إخراج إيران من سوريا، وصولاً للهدف الثالث لجهة احتواء ايران وتحجيم قوتها الإقليمية، والمُلاحظ أنه في الأهداف الثلاث، يُمكننا دائماً أن نضع احتمالية التصعيد وصولاً إلى الحرب الشاملة. من هنا تبدو المعضلة الإسرائيلية عصية علی الحل حتی في الداخل الإسرائيلي، إذ تُبرز خطابات مختلفة نتيجة تباين الأهداف الأولية والجديدة.

التدهور في كل السيناريوهات الاسرائيلية يتم تحميله مباشرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فالخطط الاسرائيلية التي رافقت وصول ترامب للبيت الابيض، يبدو أنها كانت توهجات سياسية وعسكرية، أطفأتها التطورات السورية تحدياً والإقليمية عموماً، فالبناء الاسرائيلي بمُجملة لم يعد قوياً، واسرائيل اكتشفت ان ترامب لم يُحسن موقعها في الشرق الأوسط، ولم يُعزز قوتها الإقليمية، بل على العكس، فإسرائيل اليوم تسعى للبحث عن أوراق قوة تُجنبها الصدمة التالية، خاصة أن الصدمة السورية الايرانية وحزب الله، وما يترتب على هذه المعادلة من صواريخ دقيقة وزخم عسكري لا يُضاهي اسرائيلياً، قد انعكست داخلياً على صراع القوى السياسية في اسرائيل، والذي بدروه أخر حتى اليوم التوافق على منصب رئيس الوزراء.

وربطاً بما سبق، نجد أن تصريحات كل الاحزاب في اسرائيل، تجتمع ضمن هدف مشترك يتمثل في تبديد صورة ايران من مُخيلة الساسة الإسرائيليين، إذ بات واضحاً ومن خلال ما يُسرب من تقارير استخباراتية، أن اسرائيل قد فقدت القدرة على توجيه هزيمة استراتيجية لـ إيران، والعقل الاستخباراتي الاسرائيلي يُدرك بأن الحرب مع ايران لا يمكن تصور نتائجها أو ضمان الانتصار بها، وأن توجيه ضربات محدودة ضد منشآت ايرانية، قد يقابله استهداف الداخل الاسرائيلي عبر كل الجبهات.

في النتيجة، يمكننا القول بأن فشل الاستراتيجيات الاسرائيلية وما يقابله من صعود ايراني في المنطقة، يشي بجُملة من السيناريوهات بعضها صادم عسكري يتمحور حول انجرار نحو الحرب الشاملة مع كل أركان محور المقاومة، وهذا ما لا تُطيقه اسرائيل، والبعض الأخر يتمحور حول استمرار التصعيد وصولاً إلى تهدئة اقليمية شاملة، لكنها لن تكون مديدة. وبين هذا وذاك، تبقى الحقيقة التي فُرضت عبر سوريا، تؤكد بأن جُلّ التداعيات للانتصار السوري، تفرض تحديات متزايدة شرق أوسطية، بما فيها من هواجس اسرائيلية تُجاه إيران، إلى الوضع السياسي المتأزم في الداخل الاسرائيلي، كلها ملفات تُثقل طاولة التطورات، مع تزايد عدد اللاعبين الاقليمية ضد اسرائيل. حقاً هي تحديات متزايدة تؤسس لمشهد سياسي وعسكري غير واضح المعالم.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here