الدكتور حسن مرهج: العراق وسياسة الاغتيالات المتكررة.. دوافع وأجندات.

الدكتور حسن مرهج

بشكل جليّ يُمكننا قراءة المسار السياسي في العراق، فالتطورات التي حصلت مؤخراً، تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك، بأن التطورات السياسية قد اسست لمرحلة جديدة في العراق، يُدرك من خلالها صانع القرار السياسي، أن الشارع وتداعياته الحركية على نسق الحياة السياسة، بات مؤثراً وفاعلاً في صوغ المعادلة السياسة في العراق، حيث أن الشعارات التي صدحت بها حناجر المحتجون العراقيون، نقلت رسائل واضحة إلى كل الأطراف المحلية والأجنبية، بأن الشعب العراقي يُعارض أي وجود عسكري ومدني للأجانب، وخاصة الأمريكيين في العراق، ويمكن اعتبار الحضور الجماهيري الغفير للمتظاهرين العراقيين والشعارات القوية التي رفعوها بأنها عبارة “رسالة على قبولهم للاستفتاء على ترحيل القوات الأجنبية، وقبل كل شيء القوات الأمريكية من العراق”، وهو التصور الذي استنبطته العديد من وسائل الإعلام المحلية والأجنبية التي دأبت خلال الايام الماضية على تغطية تلك الاحتجاجات.

في هذا الإطار، وعلى الرغم من أحقية مطالب المحتجين، إلا أنه لا يُمكن إنكار الحقيقة التي تتمحور حول وجود أيادي خفية، تدعو إلى استمرار الأزمة في العراق. في خضم كل هذا، واحدة من أهم القضايا التي أصبحت في الآونة الأخيرة محور الجدل هي الاغتيالات المشبوهة والغامضة التي تكثفت في الأسابيع القليلة الماضية. حيث تحدث معظم هذه الاغتيالات في اوساط الجماهير المتظاهرة، وفشلت قوات الأمن حتى الآن في تحديد هوية المجرمين.

ووفقًا لتقارير لجنة حقوق البشر العراقية، حصلت منذ بداية شهر كانون الثاني/ يناير، 33 محاولة اغتيال لشخصيات عراقية مهمة، أسفرت عن مقتل 14 ناشط عراقي واصابة 19 اخرون. من هنا تدور الكثير من التساؤلات في أذهن متابعي الشأن العراقي، لا سيما عن أهداف هذه الاغتيالات، وارتباطها الداخلية والخارجية، والسبب الرئيس لعدم تمكن الأجهزة الأمنية العراقية، من تحديد جهات الاغتيال.

المواطن العراقي تشكلت لديه فرضيتان، الأولى تتمحور حول أن قادة الأجهزة الأمنية العراقية لجأت إلى عمليات الاغتيال، بُغية إجبار المحتجين على إخلاء الشارع، والفرضية الثانية تمحورت حول المندسين أصحاب الأجندات المرتبطة بأمريكا. ولمقاربة هاتان الفرضيتان يُمكننا القول، أن قادة الأجهزة الأمنية لا مصلحة لها بالقيام بهذه الاغتيالات، لأنها تُدرك بأن هذه العمليات لن تزيد الشارع العراقي الا غلياناً، خاصة أن موجة التظاهرات قد انحسرت كثيراً عن الشهور الأولى لاندلاعها، وبالتالي لا مبرر أمني لمثل هذه الاغتيالات. وعليه، يبدو أنه من المرجح أن تكون هناك أيادي أجنبية خفية وراء الكواليس.

الأيادي الخفية الأجنبية، تسعى من وراء عمليات الاغتيال، إلى تهيئة الأرضية المناسبة لخلق ذرائع تستدعي المزيد من التدخلات الخارجية، فضلاً عن أن واشنطن تنتظر فرصة للتدخل تحت مبررات انسانية، ويبدو واضحاً أن القوات العميلة الأجنبية، المدعومة مباشرة من قبل الأجهزة الأمنية الأمريكية، وبعض الأنظمة الإقليمية، تسعى لجر الاحتجاجات نحو العنف من خلال الاستمرار في الاحتجاج أو التصعيد غير السلمي، وذلك عن طريق القتل أو بعبارة أخرى الاغتيالات المستهدفة. وهذا من شأنه ان يؤدي في النهاية إلى استمرار الأزمة السياسية في العراق وبقاء الوضع العراقي في حالة من عدم الاستقرار.

واشنطن عُقب اغتيال قاسم سليماني، تُدرك أنه لم يعد بإمكان القوات الأمريكية البقاء بسهولة في العراق. خاصة وأن البرلمان العراقي أقر مشروع قانون يدعو إلى خروج القوات الأجنبية من البلاد وخروج ملايين من الناس دعما لهذا القرار، كما أن مقتدى الصدر زعيم تحالف سائرون في البرلمان العراقي، طالب المحتجين تمييز صفوفهم عن المندسين، وعليه فقد شهدت الساحات العراقية انخفاضًا في كمية ونوعية العنف. نتيجة لذلك، بات واضحاً أن واشنطن وحلفاؤها الإقليمين، إنما يسعون جاهدين إلى استمرار العبث بالساحة العراقية، وتعميم نماذج الفوضى، التي تسمح لهم بالتدخل عبر ذرائع متعددة.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here