الدكتور حسن مرهج: السلطة الفلسطينية ما بين عودة السفراء إلى دول التطبيع وإعادة التنسيق الأمني مع اسرائيل

الدكتور حسن مرهج

تصاعدت في الآونة الأخيرة وتيرة التطبيع الخليجي الإسرائيلي، الأمر الذي فرض مستجدات على السلطة الفلسطينية، لجهة اتخاذ خطوات من شأنها تعزيز نهج السلطة، وتشكيل جبهة داعمة للتوجهات الفلسطينية، وفي جانب أخر قد تنعكس إجراءات السلطة على المناخ الدولي، ما يعني إمكانية تمرير معادلة الفلسطينيين ضمن أجواء التطبيع، خاصة أن الاجواء الاقليمية والدولية باتت متهيئة لـ تعبيد الطريق للمزيد من تعويم العلاقات الخليجية العربية مع اسرائيل.

في اليوم الذي عقدت فيه قمة ثلاثية في أبوظبي جمعت الأردن والإمارات والبحرين، كشفت السلطة الفلسطينية عن قرار يقضي بعودة سفيريها إلى الإمارات والبحرين، وذلك بعد أقل من يوم على إعلان السلطة عودة العلاقات والتنسيق الأمني “كما كان” مع اسرائيل. حقيقة الأمر أن قرار السلطة الفلسطينية بعودة سفيريها إلى أبو ظبي والمنامة، جاء ليفتح التساؤل حول جدوى نهج السلطة ودوافعها خلف هذا التراجع، وسر التوقيت الذي تزامن مع إعلانها عودة العلاقات والتنسيق الأمني مع اسرائيل

مقاربة قرار السلطة الفلسطينية يرتكز على بعض الوقائع يُمكن إيجازها بالآتي:

أولاً- إن قرار السلطة بإعادة السفيرين عصام مصالحة إلى أبوظبي وخالد عارف إلى المنامة، يأتي في إطار التقليد الدبلوماسي، وكان واضحا بأن السلطة لم تتحدث إطلاقا عن قطع العلاقات، وإنما قامت باستدعاء السفيرين للتشاور.

ثانياً- تدرك السلطة بأن استمرار الجفاء مع الإمارات والبحرين، سيكون له تداعيات مُرهقة للفلسطينيين العاملين في تلك الدول، إذ من الممكن أن تقوم أبو ظبي والمنامة بطرد الفلسطينيين.

ثالثاً- ارتكزت السلطة على القانون الدبلوماسي والذي بموجبه يُمكن لأي دولة استدعاء سفيرها للتشاور أو للتعبير عن الاحتجاج، فجوهر العلاقات الدولية والقانون الدولي يُجيز مثل هذا الإجراء.

رابعاً- استدعاء السفراء كخطوة احتجاجية علنية، من الممكن أن يؤدي إلى تدهور العلاقات أكثر، على أمل أن يوقف آخرين عن التطبيع مع اسرائيل، ولكن اتضح مما جرى خاصة في اجتماعات جامعة الدول العربية وما صدر عن السعودية ومصر تحديداً، أن القيادة الفلسطينية مُحاصرة، وكان هناك شيء من التضامن العربي الرسمي مع الإمارات والبحرين، وأن ما جرى هو شأن داخلي يخصهما.

ضمن ما سبق، فقد وجدت القيادة الفلسطينية نفسها في عزلة، وإسرائيل حققت ما تريد، والسلطة بدأت تخسر حاضنتها العربية الرسمية، وبالتالي جاءت الخطوة الفلسطينية في محاولة لترميم موقفها على اتجاهين، الأول عودة السفراء، والثاني إعادة التنسيق الأمني مع اسرائيل، فـ السلطة خلصت إلى أنها لن تستطيع الضغط على الدول العربية لمنع التطبيع، وعليه فقد أخذت خطوة إلى الخلف، من أجل الحفاظ على ما تبقى من علاقات مع الدول العربية، فضلاً عن أن التنسيق الأمني قد يحقق للسلطة مكاسب دولية تأتي ضمن نموذج مساعدة الفلسطينيين والضغط على اسرائيل في بعض مفاصل الحل الفلسطيني.

من المفيد أن نذكر بأن السلطة هي التي شرعنت التطبيع والتنسيق الأمني مع اسرائيل منذ فترة طويلة، وهي التي مهدت لما حدث في المنطقة، وعليه فإن من يتحمل مسؤولية ما جرى هو محمود عباس وقيادة السلطة، وهو في الأصل لا يستطيع أن يلوم الدول عربية على قيامها للتطبيع مع اسرائيل.

أن محاولة قيادة السلطة لإيهام المجتمع الفلسطيني بأن السلطة تمتلك الجرأة على انتقاد بعض الدول ومنها الولايات المتحدة، وكل هذا كلام لا يسمن ولا يغني من جوع، فالقيادة الحالية لا تستطيع القيام بمواجهة دول التطبيع وأمريكا، لأنها تقوم على التطبيع منذ تأسيسها، فالرئيس الفلسطيني عندما وافق على إعادة التنسيق الأمني مع اسرائيل، فهو بهذا الاجراء خسر المزيد من الأوراق لصالح اسرائيل ودول التطبيع، وهو لم يبق له أي ذريعة أو مسوغ للحديث عن أنه ضد تطبيع الإمارات أو البحرين أو تجريم فعل هو يقوم بأبعد منه.

في جانب أخر، فمن المؤكد بأن مسار المصالحة الفلسطينية سيتأثر بعودة التنسيق الأمني مع اسرائيل، خاصة أن مُحددات هذا التنسيق وعلى اختلاف مسمياتها، فإنها لا تخدم جوهر القضية الفلسطينية، وكذا فإنها لا تؤسس لمشهد فلسطيني جامع لكافة القوى والفصائل، إذ لا يُمكن توقع  الكثير من السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس، فالتوجهات الحالية ومسار السياسات التي يعتمدها عباس، لن تُحقق المطلوب فلسطينيا، كما أن مسار المصالحة مُهدد أكثر من أي وقت مضى، خاصة أن مسار التطبيع الحالي وعطفا على إعادة السفراء وعودة التنسيق الأمني، كل ذلك سيؤدي بشكل أو بأخر إلى انفجار  انتفاضة ثالثة.

في المحصلة، الإجماع لدى الجميع يؤكد بأن القضية الفلسطينية وصلت إلى حالة من الانسداد في الداخل الفلسطيني وفي الخارج، ما يعني ضرورة النظر بعين استراتيجية للقادم، وتأسيس مشهد فلسطيني قوامه السلطة والفصائل، للخروج من هذا النفق.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here