الدكتور حسن مرهج: الدور التركي في إدلب.. وهوامش المناورات السياسية.

الدكتور حسن مرهج

بذكاء استراتيجي واضح، تتابع الدولة السورية خُطاها السياسية والعسكرية في عموم الجغرافية السورية، على الرغم من حالة الكباش السياسي الواضح بين القوى الفاعلة والمؤثرة في الشأن السوري. بيد أن الحقائق الميدانية التي تؤسس لجملة واسعة من الفواعل السياسية، يبدو أنها تتعرض لجملة واسعة من محاولات الاختراق، بُغية خلط الاوراق وبعثرة المنجزات السورية، لكن الحرفية العسكرية التي يتمتع بها الجيش السوري، تقف حائط سد ناري، يُحجم ويُؤطر أي محاولات تركية عبر الفصائل الإرهابية، للعبث بخارطة النفوذ العسكرية، التي هندسها الجيش السوري على مدار سنوات الحرب على سوريا.

الواضح من سياق التطورات السورية، أن التفاهمات السياسية لا يُمكن أن تطبق بالكامل ضمن حالة التجاذبات السياسية التي يشهدها الشأن السوري، لكن في المقابل، فإن خطوط التماس التي بلورتها التفاهمات السياسية، لا يُمكن المساس بها تحت أي ظرف سياسي، وعطفاً على أي ظرف عسكري، وبالتالي فإن ما تشهده محافظة وإدلب ومحيطها، من محاولات تركية لإحداث خرق في بنية تفاهمات سوتشي واستانا، يصطدم بقدرة الجيش السوري على الصد وتحجيم أي محاولات ارهابية للاعتداء على نقاط الجيش السوري. فقد أحبطت وحدات الجيش السوري العاملة في ريف إدلب الشرقي هجوماً لإرهابيي “جبهة النصرة”، باتجاه مواقع الجيش على محور بلدة إعجاز في ريف إدلب الشرقي.

وخلال الساعات الماضية دارت اشتباكات عنيفة  بين وحدات الجيش وإرهابيي “جبهة النصرة” والمجموعات التابعة لهم والتي استقدمت دبابات وعربات ثقيلة خلال هجوم نفذته على إحدى النقاط العسكرية باتجاه بلدة إعجاز بريف إدلب الشرقي.

الواضح من المشهد السابق، أن أدوات تركيا الارهابية تحاول جاهدة، بعثرة منجزات الجيش السوري، ومحاول الاستحواذ على ورقة عسكرية هامة، تُصرف سياسياً، وبات من البديهي أن تبحث تركيا عن بؤرة تُرسل من خلالها رسائل لـ روسيا والدولة السورية عبر جبهات إدلب، خاصة أن شرق الفرات وتفاهماته قد وضعت حد جُزئي للحماقات التركية، بات شرق الفرات مؤطراً بجملة اتفاقات لا يُمكن لتركيا تجاوزها أو الالتفاف عليها، لأن ذلك قد يؤدي إلى إحداث شرخ في العلاقة مع الحليف الاستراتيجي روسيا. وبناء على ذلك، فإن جُلّ المحاولات التركية في إدلب ومحيطها، تتمحور حول الاستحواذ على ورقة ضغط تُشهرها تركيا في وجه روسيا والدولة السورية، بُغية المساومة على أي اتفاق، أو تعديل ما اتفق عليه في استانا وسوتشي.

ومن الجدير بالذكر، بأن الجيش السوري قام خلال الفترة الماضية، بعملية عسكرية محدودة مكّنته من السيطرة على بعض القرى في ريف إدلب الجنوبي. هذه العملية العسكرية كانت بمثابة رسالة عسكرية لتركيا وفصائلها الارهابية، بعدم التمادي على جبهات الحسكة والقامشلي والرقة. فتركيا لا تزال تتمسك بالأدوات الإرهابية في إدلب، بُغية تحويلها لمنصة سياسية يكون لها نصيب في مستقبل سوريا السياسي القادم، لكن التحركات العسكرية السورية الأخيرة، تؤكد وبشكل واضح، بأن الدولة السورية وجيشها مستمرون في القضاء على تلك المجاميع الارهابية، وسحب كافة الاوراق السياسية ذات التأثيرات العسكرية. وعليه لا يُمكن فصل التحركات العسكرية السورية في ريف إدلب، عن تلك التحركات السورية في شرق الفرات وغربه، فالرسالة واحدة والمضمون واحد والهدف واحد. فأي محاولات تركية ستُقابل بالحديد والنار، سواء في شرق الفرات أو في إدلب ومحيطها.

في النتيجة، صحصح أن تركيا وأدواتها يحاولون إحداث خرق في خارطة الصراع شمال شرق سوريا، إلا هذه المحاولات هي محدودة بالمفهوم العسكري، وليس بمقدورها إحداث أي تغيير استراتيجي في خرائط توزع السيطرة، فالعمليات العسكرية الكبرى حسمها الجيش السوري، حتى أن باقي الجبهات قد حُسمت سورياً، واي محاولات جديدة لفتح جبهات كُبرى لن تكون الدولة السورية وحيدة في مواجهتها، فروسيا ايضاً قد تنظم صراحة للعمليات العسكرية. ضمن هذا المشهد بات واضحاً أن استراتيجية الدولة السورية، تتمحور حول قضم جغرافي بذكاء، وتوظيف سياسي استراتيجي.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here