الدكتور حسن مرهج: الجولان وهضبة ترامب.. أوهام سياسية

الدكتور حسن مرهج

العنوان الذي استحوذ على اغلفة الصحف الإقليمية و الدولية في وقت سابق، كان توقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرسوما يعترف بموجبه بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان السورية المحتلة، هي خطوة وصفها الكثيرون بدعم سياسي مُقدم لـ نتنياهو قبيل الانتخابات التي جرت في 9 نيسان الفائت، لكن في المقابل أعتبر الكثيرون بأن هذه الخطوة هي عدوان أمريكي يطال السوريين، فضلا عن استنكار اقليمي و دولي لهذه الخطوة، مخافة أن تؤدي إلى موجات عنف جديدة في المنطقة، و بالتالي فإن الخطوة الأمريكية لا يمكن بأي حال من الأحوال البناء عليها سياسياً، لأن هذه الخطوة في الأساس تحتاج لخطوات كثيرة، تبدأ من مجلس الأمن و تنتهي لدى القيادة السورية و حلفاءها، فضلاً عن استحالة تمرير أي قرار يكون مُلزماً في هذا الإطار، مع وجود حق النقض بيد روسيا و الصين، و عليه تكون خطوة ترامب جوفاء سياسياً.

قرار ترامب لن يُغير من الواقع الميداني للجولان سيما أنه تحت السيطرة الإسرائيلية منذ العام 1976، لكن و في الجانب السياسي المُعتمد على وقائع و معطيات تُلامس الشأن الميداني، فإن الخطير في قرار ترامب هو وضع مبدأ الأرض مقابل السلام في بوتقة الانصهار، لأن القانون الدولي و مدلولاته السياسية تؤكد بأن الجولان مُحتل، و عليه لابد من أن يعود إلى السيادة السورية أيضاً وفق القانون الدولي، و بالخطوة الأمريكية و منطوقها السياسي، فإن الجولان لم يعد محتلا، و لن يعود للسيادة السورية، لأن السيادة انتقلت إلى إسرائيل بناء على قرار ترامب، و هذا مخالف جملة و تفصيلا لكل الأعراف و المواثيق الدولية، و هي سابقة خطيرة تضع العلاقات الدولية و منظومة العمل الدولي في مهب الأهواء السياسية و القرارات الشخصية، و التي بلا ريب ستكون تداعياتها خطيرة على المستويين الإقليمي و الدولي.

ضمن ما سبق، يمكننا القول بأن اعتراف ترامب بسيادة إسرائيل على أراضي الجولان ليس نهاية الأمر، فهذا مؤشر واضح يُدلل على دخول الصراع السوري الاسرائيلي مرحلة اشد تعقيداً و صعوبة، حيث أن حساسية ملف الجولان مرتبطة بشكل مباشر بالتوازن الاستراتيجي في المنطقة، بمعنى أن سورية لا يُمكنها أن تُفرط بسيادتها على أي بقعة جغرافية سورية، و لن يُعيب الدولة السورية أن تستعيد الجولان بتسوية سياسية كما فعلت الكثير من الدول، لكن النهج الأمريكي يضع هذه المعطيات أما مطبات عسكرية قد تؤجج نيران الشرق الأوسط، فالدولة السورية مصممة على استعادة الجولان سلماً ام حربا، و لعل الحرب على سورية قد أخرت هذا النهج السوري قليلاً، لكن الأمر لا زال قائماً، خاصة أن بوادر الانتصار السوري بدأت تلوح في أفق التطورات السياسية و العسكرية، إضافة إلى سوريا و حلفاءها في محور المقاومة، باتوا في مرحلة غاية في الأهمية لجهة حصد المنجزات على الصعيدين السياسي و العسكري، و بالتالي فإن الجولان السوري المحتل و وفق المنطق السوري، سيدخل مباشرة في أولويات القيادة السورية، بمعني التوجه السياسي المبني اساسا على الحق السوري بهذه الأرض، لـ يُصار لاحقا لرفد التحركات السياسية بأخرى تحمل طابعاً عسكرياً لكن بشكل محدود، و عليه فإن الاستمرار الأمريكي و الاسرائيلي بتوزيع الهدايا السياسية لن يُحقق شيئاً سوى التوتر، فضلا عن أن ترامب و نتنياهو يلعبون في النار السورية، لتكون خطوة نتنياهو المُقبلة هي إقامة مستوطنة جديدة، باسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وسيكون اسم المستوطنة رامات ترامب أي هضبة ترامب، في خطوة تعتبر مكافأة للرئيس الأمريكي الذي يقود سياسات منحازة لإسرائيل، و هذا ما يُهدد الأمن في تلك المنطقة، و سيكون بلا تأكيد له منعكسات خطيرة على اسرائيل.

الخطوة الاسرائيلية و بكل المقاييس تأتي في إطار اللهو السياسي لا أكثر، حيث أن الصحف الاسرائيلية فندت قرار نتنياهو، و أفردت له صفحات كثيرة، و خلصت هذه التحليلات إلى أن قرار نتنياهو لا يحمل طابعاً إلزامياً، ويسلط الضوء على الترتيبات المسبقة الملموسة الواجب اتخاذها قبل أن تصبح هذه الخطوة ممكنة، وقال تسفي هاوزر النائب عن ائتلاف “أزرق أبيض” المعارض لنتنياهو أن: ” كل من يقرأ الجزء المطبوع بالأحرف الصغيرة في هذا القرار التاريخي سيدرك أن ذلك ليس سوى سياسة غير ملزمة ومزيفة. ليس هناك أي ميزانية وأي خطة وأي مكان مخصص للبناء، و لا يوجد قرار ملزم لتطبيق المشروع، لكنهم على الأقل أصروا على اسم المستوطنة”.

من جانبه، أكد الصحفي في القناة الـ13  الإسرائيلية، ناداف إيال، أن الحكومة الحالية ليست مخولة بإقامة المستوطنة الجديدة، وسيقتصر الأمر الآن، حسب رأيه، على نصب لوحة جميلة ووضع بعض الأعشاب الاصطناعية، وفي سياق متصل، كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت، عن أن الحكومة الإسرائيلية تواجه عقبات مالية وبيروقراطية أمام إقامة مستوطنة جديدة في هضبة الجولان السورية المحتلة، وقالت الصحيفة إن كل هذه الظروف جعلت من القرار الإسرائيلي قراراً رمزياً فقط.

في المحصلة، الواضح أن قرار نتنياهو سيصطدم بالكثير من العقبات في الداخل الاسرائيلي، بل و سيواجه مطبات سياسية كثيرة من معارضيه، خاصة أن إعادة الانتخابات المقررة في 17 أيلول القادم، ستكون نقطة مفصلية و جوهرية في الكثير من مفاصل الحياة السياسة في اسرائيل، و أي قرار يسبق هذه الانتخابات هو قرار يأتي في إطار المزايدات السياسية من أجل تحصيل المكاسب، و هذا ما يحاول نتنياهو الوصول إليه.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here