الدكتور حسن مرهج: استراتيجيات أنقرة بين تكتيك الفوضى والأحلام العثمانية

 

 

 

 

الدكتور حسن مرهج

كثيرة هي المناورات التركية التي حيكت بخيوط أستانا وسوتشي، إلا أن الطرف الروسي ومعه الجانب السوري التزما بجُملة الاتفاقات التي وُقعت بين موسكو وأنقرة، بينما استمرت المناورات التركية، التي عمدت إلى إنشاء قواعد عسكرية في ريفي إدلب وحماة، فلم تقم بإبعاد الجماعات الإرهابية عن المسار المحدد وفق خارطتي أستانا وسوتشي، كما لم تقم بتفكيك هذه الفصائل، الأمر الذي انتظرت روسيا وسوريا لتنفيذه نحو عامين كاملين، دون أي تحرك تركي جدّي.

خلال عامي انتظار تركيا تنفيذ تعهداتها، تمكنت أنقرة من تحقيق مكاسب ميدانية وعسكرية عديدة قرب المناطق الحدودية مع سوريا، حيث توسعت في مناطق الأكراد الذين تخلت أميركا عنهم، كما بدأت تركيا مشروع توطين سوريين موالين لها في تلك المناطق، الأمر الذي يُمكن من خلله ضمن نفوذ مُستدام لها، وفي جانب أخر، تكون هذه المناطق فاصلاً جغرافياً قريباً من حدودها، ويشغله إرهابيين موالين لها.

من هنا تم الاتفاق الذي عُقد بين الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان، والروسي فلاديمير بوتين في 17 سبتمبر/ أيلول 2018، في مؤتمر صحفي بمنتجع سوتشي، عقب مباحثات بينهما لإقامة منطقة “منزوعة السلاح”، تفصل بين مناطق الدولة السورية ومناطق المعارضة في إدلب، لكن المناورات التركية عقدّت ما يجري في إدلب، لإيهام روسيا وإيران أنه لا يمكنها ضبط الجماعات المسلحة، وفصل الفصائل الإرهابية عن غير الإرهابية، وهذا يشكّل إحراجاً للأتراك أنفسهم أمام روسيا وإيران في أي مفاوضات قادمة، لأنه سيجعل الموقف التركي ضعيفاً نسبياً، وهذا طبيعي لكون المعارضة منقسمة على نفسها من جهة والحكومة السورية استعادت أغلب أراضي البلاد وأصبح لها الكلمة العليا في البلاد، والجيش السوري ينتظر بفارغ الصبر إعادة المحافظة إلى الجسد السوري كما هو حال بقية المناطق التي كانت خارجة عن سيطرته.

ضمن المشهد الذي فرضه الجيش السوري، دون السماح لتركيا بالاستمرار في مناوراتها السياسية ذات التأثير العسكري، وجدت تركيا نفسها في حرب مباشرة مع سوريا وروسيا، فالضربات السورية المتلاحقة للقوات التركية، جاءت تحت غطاء اتفاقيات سوتشي بين روسيا وتركيا، حيث استهدف الجيش السوري مواقع خارج نطاق خريطة توزع القوات التركية وفق هذا الاتفاق، كما أعلنت موسكو أن تركيا لم تبلغ روسيا بتحركاتها، الأمر الذي ضاعف من حجم الضغوط على أنقرة التي بدأت الحديث عن خطط جديدة وتهديد باقتحام عسكري، ومهلة محددة لانسحاب الجيش السوري إلى حدود “سوتشي” قبل نهاية شهر شباط الحالي.

أردوغان الذي زاد من حدة تهديداته، معلناً أن تركيا ستستهدف الجيش السوري في جميع المناطق التي سيطر عليها، في حال تعرضت القوات التركية لهجمات جديدة، مُهدداً في الوقت ذاته جميع الدول التي تدعم دمشق، في إشارة إلى روسيا وإيران. لكن في المقابل، فإن التهديدات التركية أخذت طابعاً إعلامياً وسياسياً، خاصة مع الضغط الذي مارسه الداخل التركي على أردوغان بعد مقتل عدد من جنوده بنيران الجيش السوري.

الرد الروسي كان مُقتضباً ويعيد الأمر بمجمله إلى اتفاقية سوتشي التي يطبقها الجيش السوري، والتي وقع عليها أردوغان نفسه. ويبدو أن الرئيس التركي يحاول الالتفاف على الاتفاقية وتبرير التدخل العسكري تحت ذريعة الضغط الشعبي التركي الكبير، ومحاولة الاستفادة من مكاسب سوتشي رغم عدم تنفيذ أي بند من بنود الاتفاق.

في المحصلة، أعادت معارك الجيش السوري الأخيرة وبدعم روسي، رسم خارطة التوازنات الإقليمية الدولية في بقعة جغرافية مهمة تمس مدينة تشكل ركيزة اساسية من ركائز الاقتصاد السوري، وتفتح الباب أمام طرق استراتيجية، كما تفتح الباب أمام حركة تجارية عابرة للحدود، إضافة إلى أنها تضع حداً لـ حلم العثمانية الذي يراود أردوغان، والذي عبر عنه صراحة أكثر من مرة، آخرها العام 2016 عندما تحدث عن ضرورة تعديل اتفاقية “لوزان” التي جرى التوصل اليها بين مصطفى كمال اتاتورك والدول الغربية بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى بهزيمة دول المحور، وتضمنت الامبراطورية العثمانية ووضع حدود تركيا الحالية، حيث ركّز حينها على “العقد الوطني” الذي يكرس القومية التركية، ويعتبر الموصل وحلب جزءا من تركيا.

خسارة تركيا لمُجمل أوراق قوتها في شمال شرق سوريا، حيث أن خسارتها حلب ومناطق غاية في الأهمية من إدلب، وتضييق الخناق على الفصائل المسلحة التي تدعمها قرب حدودها، وخطر انزلاق هذه الفصائل إلى الجانب الآخر من الحدود، بالإضافة إلى التورط التركي المباشر في هذه الحرب ومقتل الجنود الأتراك، هي مجموعة من العوامل تُترجم ردة الفعل التركية العنيفة إعلامياً، لتبقى معادلة تنفيذ هذه التهديدات محفوف بمخاطر جمة، لن تقوى تركيا على تحمل تداعياتها، كما أن المواجهة المحدودة لتي ينوي أردوغان القيام بها، قد تتحول إلى مواجهة مباشرة مع روسيا، الأمر الذي يعني خسارة العديد من الأوراق الاقتصادية مع روسيا، فضلاً عن تفاهمات سياسية حيال مُجمل القضايا الإقليمية، مع إدراك تركي كامل بعدم التعويل على الطرف الأمريكي، الذي أثبت مع كل اختبار له قدرته الكبيرة على الخيانة، وعدم وفائه بالتزاماته تجاه شركائه.

نتيجة لذلك، يمكننا القول بأن دمشق هي الطرف الأقوى ضمن كل ما سبق من معطيات، خاصة أنها تمكنت من التصدي عسكرياً لتركيا وأدواتها، كما أنها تمكنت من بسط سيطرتها على مناطق ذات أهمية استراتيجية، ووضعت بقايا الفصائل الإرهابية في حيز جغرافي ضيق، ما يعني وبمنطق الميدان، قضم “المشروع العثماني” وتقليم أظافره، وفتح الأبواب على مصراعيها لعودة الاقتصاد إلى مجراه، وتحديداً بعد تأمين حلب ومحيطها بالكامل.

 

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here