الدكتور حسن مرهج: إيران واستراتيجية “النفس الطويل”.. وصياغة جديدة للمشهد الشرق أوسطي

 

الدكتور حسن مرهج

تحركات سياسية ولقاءات دبلوماسية وتدوير للزوايا الحادة ما بين المجتمع الدولي وإيران؛ هي مشاهد عنونت سيناريو ذو صبغة نووية، إذ أن إيران وما تملكه من قوة متعددة الأوجه، حافظت ولا تزال على مسافة آمان تكاد تكون مسارًا جديدًا لاتفاق نووي، عنوانه الأهم والأبرز هو انتصار إيران، لكن بداية يمكننا تسمية كل التحركات خلال الأيام الماضية من وإلى إيران، بالدبلوماسية الناعمة والتي تهندس خريطة طريق نووي يعلم الجميع أنها صعبة، لبدء تفاوض أصعب حول الاتفاق النووي مع إيران.

في العمق من الواضح أنه ليس هناك خريطة طريق واحدة لعودة المفاوضات بين أميركا وإيران على الاتفاق النووي، فالحديث عن مزيد من العقوبات كأيام الضغط بالعقوبات في رئاسة دونالد ترامب قد ولت، ولا أيام الحديث عن تخفيف العقوبات في رئاسة جو بايدن، وإذا كان من الصعب التفاهم على خريطة طريق لبدء التفاوض، فإن الأصعب هو ما يحدث في الطريق إلى نهاية المفاوضات، وإذا كان الثابت في إيران هو موقف المرشد الأعلى مهما تبدلت الرئاسات والحكومات، فإن الثابت في أميركا هو مصالح الدولة العميقة مهما كانت هوية الساكن في البيت الأبيض.

في العنوان العريض لكل ما يحدث، هو ما تطالب به طهران لجهة عودة أميركا بلا شروط إلى الاتفاق، وإلغاء كل العقوبات وتعويض إيران عنها، من دون أي تفاوض على الاتفاق النووي، ولا بحث في الصواريخ والنفوذ الإقليمي، فكيف ومتى يمكن التوصل إلى خريطة طريق واحدة، وعليه فإن الهدف المباشر من اللقاءات هو إعادة بناء المعابر لاحتواء إيران، فضلاً عن أن الموقف الأوروبي صار قريباً من الموقف الأميركي، فالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يقول إن المفاوضات مع إيران ستكون صارمة جداً، وأقل ما جاء في بيان الرباعي الغربي، الأميركي – الفرنسي والبريطاني – الألماني هو وقف انتهاكات إيران للاتفاق النووي بحسب تعبيرهم، وإعادة الامتثال الكامل لقرارات الشرعية الدولية، وصياغة إطار إقليمي جديد تكون السعودية جزءاً منه لتقييد محاولات طهران المتواصلة تطوير ترسانتها من الصواريخ البالستية.

كل ما سبق تمكنت إيران وعبر استراتيجية “النفس الطويل” من الالتفاف عليه، خاصة أنّ كل العقوبات السياسية أو الاقتصادية التي اتخذت ضد طهران، لم ولن تمنع إيران من المضي قدماً في برنامجها النووي، حتى إن لم تمتثل واشنطن للمطالب الإيرانية، وتخفف قيودها والأصح تلغي العقوبات على إيران.

في هذا الإطار يمكننا القول بأن أمريكا والاتحاد الأوروبي وبصرف النظر عن رفع سقف التصريحات، إلا أن جميعهم يُدرك بأن إيران اليوم في موقف القوة، وباتت لاعب قوي ومهم في المنطقة، وعمليًا فإن الجميع يحتاج إلى إيران لناحيتين الأولى التوجهات النووية وصلابة الموقف الإيراني في هذا المجال، والثانية موقع ايران المُطل على مواقع مائية حيوية هامة في الاقتصاد العالمي، كل ذلك يُعطي إيران قوةً جيوسياسية، وضمن ذلك فإن المصالح الحيوية لواشنطن وأوروبا وعموم دول الشرق الأوسط، تتقاطع بمصالح مباشرة وغير مباشرة مع إيران، وهذا جوهر القوة الإيرانية.

في جانب أخر، فإن كل الوساطات التي وصلت لإيران إنما تحمل رسائل أمريكية بمضامين تصالحية، ولعل الوساطة القطرية جاءت بعنوان حملته سابقاً سلطنة عُمان، إذ سبق أن نجحت وساطة سلطنة عمان في تقريب وجهات النظر قبيل توقيع الاتفاق الأخير عام 2015، واليوم تحاول الدوحة مجدداً إعادة إحياء جهود الوساطة بين واشنطن وطهران، تلك الجهود التي قادتها سلطنة عمان ونجحت بالتوصل لتوقيع الاتفاق النووي في عهد الرئيس باراك أوباما.

الزيارات والاتصالات العديدة التي قامت بها الدوحة بعضها معلن وبعضها بقي بعيدا عن الكاميرات، في محاولة لإعادة الثقة بين الطرفين الأمريكي والإيراني، فقد كان آخرها زيارة وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إلى طهران. وهي زيارة لم تكن لتتم لولا رغبة واشنطن في تمرير رسائل إلى إيران، والجدير ذكره أن مسقط كانت اللاعب الرئيسي في ذات الملف بين عامي 2012 و2013، حيث سهلت المحادثات السرية بين طهران وواشنطن إلى تمهيد الطريق للاتفاق النووي، واليوم القطريين يريدون أن يلعبوا ذات الدور العماني بالوساطة.

في المحصلة، لابد من التنويه دائما إلى معادلة المصالح الحيوية، والتي تهم الجميع سواء ايران أو حتى خصومها في المنطقة ووصولا إلى واشنطن والاتحاد الأوروبي، وبالتالي فإن الجميع يبحث بل يلهث للتوصل إلى اتفاق مهم وجديد مع ايران يسحب فتيل التوترات من المنطقة، وهنا تحضر قوياً الرسالة التي أرسلها سفير إيران في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتي أخطر بموجبها المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية باعتزام بلاده وقف تطبيق إجراءات الشفافية الطوعية اعتبارًا من 23 شباط، وسيؤدي ذلك إلى قيام طهران بتقليص تعاونها مع مفتشي الأمم المتحدة، وتعليق قدرتهم على القيام بزيارات غير معلنة للمواقع النووية، من هنا نقول بأن إيران تحاول أن تفرض شروطها، وتحاول أيضاً وضع اطار يناسبها ويناسب حلفاءها في المنطقة وضمناً روسيا، ما يعني صياغة مشهد جديد للشرق الأوسط عنوانه إيران اللاعب المركزي الفاعل والمؤثر.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here