الدكتور حسن مرهج: أبعاد ونتائج انضمام اسرائيل للتحالف البحري في الخليج العربي

الدكتور حسن مرهج

حين يُغرد وزير الخارجية الايراني “محمد جواد ظريف” على تويتر عن حواره مع قناة الجزيرة باللغة الانجليزية ويقول:” انعدام الأمن في الخليج الفارسي سببه بشكل رئيسي التدخل الأمريكي على الإيرانيين، وإن إضافة أساطيل بحرية أجنبية في هذا الصندوق الضيق والمزدحم يزيد من خطر الاحتراق، وإذا كانت الولايات المتحدة تريد الأمن البحري، فعليها أن توقف سلوكها المزعزع للاستقرار”، وفي سياق أخر، يُعلن وزير الخارجية الإسرائيلي “إسرائيل کاتس” في اجتماع لجنة الدفاع والشؤون الخارجية بالكنيست، أن تل أبيب ستشارك في التحالف البحري الأمريكي في الخليج الفارسي، كل هذا وفي سياقه نكون أمام تعقيدات جديدة في المسار المتأزم أصلا بين واشنطن وطهران، فالموقف الإيراني الثابت حيال الإعلان الاسرائيلي بالمشاركة في التحالف البحري الأمريكي، جاء عبر تحذيرات من عواقب الخطوة الاسرائيلية، وبصرف النظر عن الاهداف والخطط الاسرائيلية إزاء الانضمام للتحالف البحري الامريكي، فالواضح أن مسار التطورات التصاعدي يشي صراحة إلى إمكانية التصادم العسكري، لكنه تصادم قد لا يحدث وفق قواعد عسكرية بحتة، بمعنى ستكون هناك تحذيرات عسكرية ايرانية مدروسة بدقة متناهية، يقابلها رد عسكري امريكي ضمن سيناريو حفظ ماء الوجه، لكن ضمن هذا وذاك، لا ضامن من انجرار أوسع نحو مشهد عسكري كارثي، غير محدود بضوابط سياسية أو دبلوماسية.

لا شك بأن هناك جهود دولية كثيرة من أجل احتواء التوترات في الخليج الفارسي، لكن ماهية القرار الاسرائيلي المثير للتوتر، يُدخل هذه الجهود في نفق التخبط والتشرذم، حيث أن اسرائيل تسعى وعبر دخولها هذا التحالف، إلى تأمين الارضية السياسية والعسكرية من أجل استهداف ايران، وعلى الرغم من ضعف الامكانيات البحرية لإسرائيل، إلا أن دخولها هذا التحالف يأتي في إطار العمل الاستخباراتي وجمع المعلومات عن كثب، ومن جهة أخرى، تسعى لتطبيع علني مع دول الخليج المتواجدة أصلا في مياه الخليج، وهذا يفرض على الأطراف الخليجية التواصل الأمني والاستخباراتي مع اسرائيل، فضلا عن تنسيق سياسي كامل بُغية بلورة هذا التحالف، وإيصاله إلى حدود إيران البحرية واختراقها أمنياً.

الخطوة الاسرائيلية المثيرة للاستفزاز الايراني، تتماهى في أبعادها مع خروج ترامب من الاتفاق النووي مع ايران، فكلا الخطوتين هما في إطار الضغط على إيران، وكذلك تأتيان في إطار الأهداف والمصالح الإسرائيلية، لكن اسرائيل لم تستطع مواصلة صمتها في ضوء الفشل الامريكي أمام إيران، وبالتالي باتت المصداقية الأمريكية في حالة عدم الاتزان أمام هواجس اسرائيل وقلقها المتنامي حيال تعاظم قوة ايران، وبالتالي فإن الاعلان الاسرائيلي المشاركة في التحالف البحري الأمريكي، تأتي في مُعطيين:

الأول – تعزيز الموقف الامريكي حيال الحرب على ايران، وبالتالي سينعكس دعماً لا محدود على اسرائيل، واستثمار هذا الدعم في جولة الانتخابات القادمة المُقبل عليها نتنياهو.

الثاني – تسعى اسرائيل إلى استعادة مصداقية ترامب، والدفع به نحو تصعيد تكتيكي ضد ايران، وفي مرحلة لاحقة اعلان حرب مدفوعة التكاليف خليجياً، خاصة أن لتماهي السعودي الاسرائيلي قد وصل إلى مرحلة العلنية في العلاقات والاهداف والخطط.

نتيجة لذلك، هناك العديد من الأهداف والأجندات التي تسعى اسرائيل إلى بلورتها، بل وتطبيقها واقعاً على الارض، خاصة أن الكونغرس الأمريكي قد حظر تمويل العمل العسكري ضد إيران دون إذن منه، هذا الامر أثار حفيظة اسرائيل، وباتت تسعى إلى تصعيد التوتر في مياه الخليج الفارسي، من ناحية أخرى فإن اسرائيل التي راقبت التوترات في الخليج، لم تكن راضية عن طريقة التعاطي الامريكي مع هذه التطورات، وكانت تنتظر بفارغ الصبر اشراك الدول العربية الحليفة لأمريكا في مواجهة إيران في المنطقة، على سبيل المثال، وزير التعاون الإقليمي الإسرائيلي “تساحي هنغبي” وردّاً على سؤال حول الحذر الأمريكي في الخليج الفارسي، قال في مقابلة إذاعية: منذ عامين، “إسرائيل” هي الدولة الوحيدة التي تقتل الإيرانيين، تصريح “هنغبي” هذا كان من أجل تحويل التوترات الدعائية لأمريكا وتحذير الحلفاء العرب إلى صراعات خطيرة مع إيران، لذا فإن الهدف الإسرائيلي من الانضمام إلى التحالف البحري المزعوم هو استفزاز الدول الأخرى للنزاع العسكري في الخليج الفارسي.

وهنا لا يمكن اطلاقا إغفال الرغبة الاسرائيلية من الانضمام إلى التحالف الجديد، فهو تطبيع علاقاتها مع الدول العربية، قبل أن تغادر أمريكا المنطقة، وأن تصبح اسرائيل لاعباً فعّالاً ومقبولاً في المنطقة، وهذا ما أعلنه صراحة “إسرائيل كاتس” بعد إعلان المشاركة في التحالف البحري، إنه تم اتخاذ هذا القرار لمصلحة “إسرائيل” في إطار “استراتيجية احتواء إيران” وتعزيز العلاقات بين تل أبيب والدول الخليجية.

في المحصلة، بعد ردّ إيران الحازم على الموقف الإسرائيلي، وصف المتحدث باسم وزارة الخارجية هذا الحضور بالتهديد الواضح، وقال: إن مواجهة الوجود الإسرائيلي في الخليج الفارسي هو حق إيران، وبالنظر إلى الجهود التي بذلتها طهران مع العديد من القوى الفعلة والمؤثرة في الآونة الأخيرة من أجل وقف التصعيد والتعاون مع الدول الخليجية، فليس من المتوقع أن يرحبوا بوجود اسرائيل في التحالف المزعوم، لأن اسرائيل لا تنقل نفطاً من الخليج الفارسي، وليس لها مصالح مشروعة في المنطقة، لذلك فليس من الصعب على هذه الدول فهم النوايا والخطط التي تسعى اسرائيل إلى جعلها واقعاً.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here