الدكتور جلال جراغي: هل انسحاب القوات الأمريكية من سوريا واستقالة وزير دفاعها مؤشر على تحضيرها لضرب إيران؟

الدكتور جلال جراغي

حسب رأي بعض المراقبين إن القرار الأخير للرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لسحب قوات بلاده من سوريا، مؤشر على استراتيجته ‏المعتمدة التي تنطوي على توجيه ضربة عسكرية ضد إيران ومن هذا المنطلق، حاول ترامب إنقاذ هذه القوات المنتشرة في سوريا من الهجمات ‏الانتقامية لقوات مدعومة إيرانياً في كل من سوريا والعراق ولبنان. وفي هذا السياق، تساءل أيضاً المغرد السعودي ‏الشهير “مجتهد”، الذي عُرف بنشر معلومات عن أعلى هرم السلطة في السعودية، واتضحت صدقيتها في كثير من ‏الأحيان، في تغريدة له عما إذا كان قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المفاجئ بسحب قوات بلاده من سوريا ‏والذي لم يستشر فيه البنتاغون، دليلاً على توجه بضرب إيران وذلك بإبعاد القوات الأمريكية عن مرمى انتقام قوات ‏تابعة لإيران في سوريا؟

وكتب “مجتهد” في تغريدة أخرى كذلك تعليقاً على استقالة وزير الدفاع الأمريكي، الذي سبق أن اعتبره العقبة الأخيرة أمام ضرب إيران، معتبرا إياها مؤشرا آخر على احتمال توجه ترامب ‏على ضرب إيران وأنه سيستقيل ‏إذا فكر ترامب ‏بذلك. وفي هذا السياق، نقلت وسائل إعلام أمريكية الخميس، أن ترامب قرر سحب قرابة نصف القوات ‏الأمريكية في أفغانستان البالغ عددها أكثر من 14 ألفا‏، مشيرة إلى أن صدور مثل هذا القرار عقب قرار الانسحاب من ‏سوريا، سيؤدي إلى حدوث تغيرات استراتيجية مهمة في مناطق النزاع بالشرق الأوسط.‏

وما يمكن الإشارة إليه هنا أن هذا التعليق بأن الولايات المتحدة اتخذ هذا القرار تحضيراً لضرب حملة عسكرية ضد إيران ‏يبدو مستبعداً لأن أولاً إن ما يدعي ترامب في هذا المجال ليس إلا كذبة على غرار أكاذيب واشنطن في الماضي مثلما سبق أن ‏كذبت في إعلانها انسحاب قواتها من العراق بينما لديها الآن أكبر سفارة في العراق وأكبر قنصلية لها في ‏البصرة وأربيل.‏

‏ وثانياً، على حد قول المسؤولين الأتراك، فقد نقلت الولايات المتحدة ما بين 5 إلى 20 ألف شاحنة محملة بالأسلحة والعتاد والذخائر إلى فصائل مسلحة وجماعات كردية منتشرة في شمال سوريا وعلاوة على ذلك، قامت طائرات شحنها بالقيام بـــــ۲ ألف طلعة جوية لنقل العتاد والذخائر للهذه القوات، وإن الولايات المتحدة تدعي بأنها تعتزم سحب قواتها من سوريا في حين لم تسحب إلا150 شاحنة فارغة منها إلى العراق. ‏

وثالثا، من المستبعد أن تتخذ الولايات المتحدة قراراً  كهذا دون التنسيق المسبق مع حلفائها الغربيين والإقليميين وخاصة ‏الكيان الإسرائيلي، إلا أن رد فعل حلفائها المبدئي ينطوي على معارضتهم القوية بحيث وصفت إسرائيل هذا القرار بأنه ‏يعتبر ضربة قاسية لها وأعلنت وسائل إعلامها عن معارضتها الشديدة والصريحة لهذا القرار الأمريكي معتبرةً ‏إياه ضربة في خاصرة إسرائيل وكما كان رد فعل الحكومتين الفرنسية والبريطانية أيضاً مبنياً على المعارضة والتاكيد على أنه يعتبر خطوة غير صائبة في التوقيت الراهن وهذا يدل على عدم التنسيق بين واشنطن وحفائها.

رابعاً، على فرض أن هذا الإحتمال هو احتمال صائب وفي محله وعلى ذلك اتخذت الولايات المتحدة هذا القرار لإنقاذ قواتها من ‏الهجمات الانتقامية الاحتمالية من قبل قوات مدعومة إيرانياً، إلا أن إيران أعلنت بصراحة على لسان مسؤوليها بأ‏نه في حال وقوع أي حرب أمريكية ضدها، فسوف تستهدف بأشد ضربات قاصمة المواقع والسفن الحربية الأمريكية المتواجدة في ‏جميع أنحاء المنطقة. وکما أكد قائد قوة الجوفضاء في قوات حرس الثورة الإسلامية أميرعلي حاجي زاده موخراً وبحزم “أن قواعد الأمريكية في المنطقة تعتبر كلحم تحت أسنان إيران وفسوف تستهدفها، اذا ‏قاموا بتحرك ما ضدها” مشيراً إلى “أن هذه الظروف متوفرة على مستوى البحر كذلك إذ أن ناقلات الطائرات والسفن الأمريكية في بحر ‏عمان تعتبر مرمى للصواريخ الإيرانية.”‏

ولا شك أن ترامب يتخذ قراراته من المنطلق التجارية وعلى أساس مبدأ الربح والخسارة وتبعاً لذلك، ‏فإن في ظل الظروف التي تمر بها إسرائيل في المنطقة وأنها تواجه من الجبهتين الشمالية والجنوبية مواضع ضعف خطيرة من ‏قبل محور المقاومة وكذلك بسبب أن الحفاظ على أمن هذا الكيان يندرج في سلم الأولويات الأمريكية وبل هو ركيزة ‏السياسة الخارجية الأمريكية، فيبدو أن هذا القرار يندرج في إطار الحرب النفسية ضد إيران وأكثر منها لممارسة المزيد من ‏الضغوط على حلفاء واشنطن الإقليمية للحصول على المزيد من الأموال منهم، لأننا لقد ‏سمعنا في أكثر من مناسبة تصريحات مهينة للرئيس ترامب يؤكد فيها أنه على حلفائه في منطقة الشرق الأوسط أن ‏يدفعوا أموالا أكثر مقابل الدفاع عنهم ‏وبأن ‏بقاء القوات الأمريكية في كل أنحاء العالم سيتم تقليصه في إطار سياسة ‏ترامب لتخفيض النفقات العسكرية ‏الأمريكية وهو ‏فعلا ما حصل وها هو يحدث الآن في سوريا بسحب القوات ‏الأمريكية.

خامساً، قد يندرج هذا القرار تنفيذا لما وعد ترامب في حملته الانتخابية ومن هذا المنطلق يمكن الإشارة إلى أن أساس معظم السياسات ‏والقرارات التي تعتمدها ترامب هو بهدف تحقيق النجاح في الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة وقراراته الراهنة لايتم تفسيرها خارج إطار ‏الدعاية الانتخابية.‏

سادسا، إن الولايات المتحدة قد تعتبر هذا القرار تحذيراً عملياً لدول عربية في المنطقة مفاده أنه إذا لم توافق على دفع المزيد ‏من الأموال للولايات المتحدة من أجل حمايتهم، فستقوم واشنطن بإجراء كهذا وكذلك ستسحب قواتها من قواعدها في ‏دول عربية مثل قطر والبحرين والسعودية والأردن.‏

سابعا، هنالك نقطة أخرى وهي أن القرار الأمريكي ربما اتخذ في ظل السياسات المتبعة من قبل المملكة العربية السعودية ‏وولي عهدها محمد بن سلمان المتمثلة بالاقتراب من روسيا، والزيارة الأخيرة للرئيس السوداني عمر البشير إلى سوريا ولقائه الرئيس ‏السوري بشار الأسد التي لم تكن تحدث إلا بالتنسيق مع السعودية والإمارات، ما حثت الرئيس الأمريكي إلى التسريع في إعلان قراره لسحب قوات بلاده من سوريا ومن هذا المنطلق وجه رسالة تحذير ضمنية إلى كل من السعودية والإمارات بهدف ‏ابتزازهم المالي.‏

ثامنا، يبدو أن الولايات المتحدة اتخذت هذا القرار لإقناع وإرضاء تركيا للتفادي عن معارضتها لتواجد الأكراد في شمال سوريا ‏وعلى هذا الاساس قد لاتندرج التصريحات الصادرة من المسؤولين الأكراد في سوريا ووصفهم القرار الأمريكية بأنه خيانة عليهم، إلا في إطار الحرب الإعلامية.‏

 صحفي وباحث إيراني

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. لاشك أنه يطبق المقولة المشهورة “إِنَّ وَرَاءَ الأَكَمَةِ مَا وَرَاءَهَا. الأكمة” حول الممارسات الأمريكية في المنطقة‘ لأن واشنطن دائما تحاول جاهدا لإنقاذ حلفائها في المنطقة وإن هي بصدد الاستفادة من حلفائها العرب وفي صدرهم السعودية

  2. واهم من يعتقد أن أمريكا و ايران أعداء.
    ان ايران مصدر رزق لامريكا لأن ايران هي البعبع الذي تهدد به أمريكا آمن الخليج.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here