الدكتور جاسم يونس الحريري: الاحتجاجات الشعبية العراقية ومحاولة دول  مجلس التعاون الخليجي الالتفاف عليها

البروفسور الدكتور جاسم يونس الحريري

لاشك أن الاحتجاجات الشعبية العراقية التي بدأت في الاول من أكتوبر2019 ، وتعاظمت بعد الخامس والعشرين من الشهر ذاته ، تمثل محطة مهمة في التأريخ السياسي المعاصر للعراق ، خاصة بعد تغيير النظام السياسي العراقي السابق في مارس2003 ، وهذا التحول جلب أنتباه دول مجلس التعاون الخليجي ، فتزايدت القنوات الفضائية الخليجية في أستضافة العديد من النخب الخليجية ، لتحليل متغيرات الاحتجاجات العراقية الاخيرة  ، لكن المراقب لتلك التحليلات الخليجية أبتعادها عن تشخيص أسباب تلك الاحتجاجات التي خرجت للتخلص من الفساد ، وأزاحة الفاسدين ، وأرتفاع معدلات البطالة ، وضعف المستوى التعليمي ، ونقص الخدمات الصحية ، والعلاجية ، وسائر الخدمات الاجتماعية ، والخلل في عمل النظام السياسي العراقي بعد 2003 ، ومحاولة القفز على واقع تلك الاحتجاجات ، وتصوير الامور على أنه ((صراع ايراني-أمريكي في العراق))!!!!، وخلط الاوراق ، ورسم صورة وكأن تلك الاحتجاجات يمكن أن تكون بتدخل ذلك الطرفين سواء التصدي لها  او دعمها ، والتغاضي على  حقيقة مهمة مفادها أن الاحتجاجات خرجت بعفوية خالصة من أجيال فتية ، وشبابية عراقية للتخلص ، ومغادرة العملية السياسية الحالية ، ورسم أرداة وطنية لبناء مستقبل زاهر بعيدا عن المحاصصة الطائفية ، والعرقية التي زرعها الاحتلال الامريكي البغيض في جسم النظام السياسي في العراق بعد2003 عبر التظاهر السلمي التي تكفله كل المواثيق الدولية الانسانية ، والانكى من ذلك كان الخطاب النخبوي الخليجي يتسم بتصعيد التوتر في العراق على أساس طائفي من دون مراعاة خطورة ذلك الموقف على أمكانية أنتقال مايجري في العراق  الى داخل البيت الخليجي نفسه ليحترق  في أي لحظة ، لذلك لم تلبث تلك الاحتجاجات عبر عدة وسائل منها اللقاءات مع القنوات الفضائية العراقية ، والبيانات ان تعبر برفض التدخل الاقليمي والدولي فيما يجري في العراق مهما كان لونه لانه شأن داخلي عراقي بحت ، لاسيما هذه الحالة تضع مواقف تلك النخب في أزدواجية مع موقفها السابق مع ماجرى في بعض دول الخليج (البحرين وأحداث ساحة اللؤلوة)عام2011 وهرولة قوات ((درع الجزيرة)) لمواجهة الاحتجاجات البحرينية خوفا من تطور الامور الى مرتبة المساس بالنظام الملكي البحريني ، وخشية أنتقال ذلك الى باقي النظم في دول الخليج أو خارجها أنطلاقا من البحرين تحت نظرية((الدومينو))لانتقال السقوط بشكل سلس الى باقي النظم الملكية في المنطقة.

ويمكن القول أن دول المجلس الستة لازالت تنظر الى العراق على أنه تهديد أمني في ظل تعاظم النفوذ الاقليمي فيه ولعل أبرزه النفوذ الايراني ، ووفقا لذلك تحاول دول الخليج تصوير الاحتجاجات العراقية من منظار واحد ((الحرب ضد ايران ونفوذها في العراق!!!!))في أطار تحالفها الاستراتيجي مع واشنطن لاستهداف ذلك النفوذ في المنطقة ومنها في العراق.

وظهرت هناك عدة تسريبات تنسب تدخل بعض دول الخليج ((السعودية-الامارات))في الاحتجاجات العراقية ((بالرغم من أمكانية وقوعه مستقبلا))في حالة أن قررت تلك الدول أن تدخل بثقلها في الساحة العراقية لمواجهة النفوذ الايراني تحت عباءة التحالف مع أمريكا  ، وهذا تقزيم لتلك الاحتجاجات ، والاستهانة بدماء الشهداء الذين سقطوا وهم يعبرون عن رايهم بواقع العراق المثخن بالمشاكل الاقتصادية والاجتماعية ، فهناك من يتهم السعودية بالتدخل في تلك التظاهرات ، ألا أن أغلب التحليلات لم تؤيد ذلك لان من الصعوبة أن تجد دول الخليج من يتعامل معها من المتظاهرين السلميين ماعدا ((المندسين ، والمجندين لصالح العمل الاستخباري معها ))، وتجزم تلك التحليلات بصعوبة وجود مجسات عراقية داخل التظاهرات تعمل لحساب السعودية ، وأن الاحتجاجات الشعبية هي عراقية قلبا وقالبا ، ولايجوز تشويهها ، والصاق أنطلاقها بسبب دعم خليجي، لان دول الخليج أثبتت فشلها في ادارة التظاهرات عن بعد  ، وخير مثال على عدم أهلية تلك الدول أن تقود صراعا مع ايران من خلال حروب الوكالة كما حدث في لبنان ، وسوريا.

وقد أزداد القلق الخليجي من تطور الاحتجاجات الشعبية العراقية ، وأمتدادها الى جنوب العراق التي ترتكز فيها مدينة  البصرة القريبة حدودها من الحدود الكويتية ، وأحتمال تدفق الفوضى الى داخل الجسد الكويتي اذا تازمت الاوضاع في البصرة الى درجة حصول حالة من الهجرة من تلك المدينة الى حدودها ، وأحتمالية نزوح أعداد من الهاربين من التوتر هناك.وقد حثت الكويت رعاياها في العراق في الثالث عشر من ديسمبر2019 على تركه خشية من التطورات اللاحقة  فيه ، ((وحفاظا على أمنهم وسلامتهم)).

والغريب أن دول  الخليج تستخدم قوتها الناعمة للتصدي ، ومعالجة مايجري في العراق عبر بث برامج سياسية ، وأخبارية ، لكن أشارت القمة الاربعون لدول المجلس التي أنعقدت في العاشر من ديسمبر2019 في العاصمة السعودية الرياض الى مايجري في العراق ، بالقول((دعمها لكل مامن شأنه أنهاء حالة التصعيد الحالية ))، بالرغم من تبني ماكنتها الاعلامية خطابا تحريضيا للتصعيد ، وتحويل أهداف الاحتجاجات الشعبية  من شأن داخلي ، وتغيير للعملية السياسية في العراق ، وأصلاح الاوضاع الاقتصادية للبلد ، وتحسين الحالة المعاشية للمواطن العراقي  الى صراع أقليمي ايراني-أمريكي.

الخبير الدولي المعتمد في الشؤون الخليجية

jasimunis@gmail.com

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here