الدكتور بهيج سكاكيني: لماذا تم التراجع عن الدعوة الى الاضراب العام في الاراضي الفلسطينية المحتلة يوم انعقاد مؤتمر المنامة؟

الدكتور بهيج سكاكيني

عندما تراجعت فتح عن الدعوة الى الاضراب العام يوم الثلاثاء القادم وهو يوم الاول لانعقاد مؤتمر  أو “ورشة” البحرين “الاقتصادي”  بناء على “توجيهات” من قمة هرم السلطة الفلسطينية ورئيس تنظيم فتح، اثار هذا لدي بعض الفضول والاستغراب وخاصة بعد أن كانت قد اطلقت التصريحات النارية من قبل قيادي هذا التنظيم حول اهداف هذا المؤتمر الذي يسعى الى تطبيق صفقة القرن بشقها الفلسطيني بعد أن اكتملت كل الترتيبات والاجراءات لتطبيقها في شقها العربي الرسمي الذي شهدناها وخاصة في الهرولة تجاه الكيان الصهيوني وإقامة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع العديد من الدول الخليجية هذا الى جانب حرف الصراع في المنطقة من صراع “عربي-اسرائيلي” الى صراع “عربي-إيراني” وهو ما تحقق من قبل النظام العربي الرسمي الذي يقوده المحور السعودي-الاماراتي ( واعتقد جازما ان الامارات هي التي تلعب الدور الاكبر في هذا المحور). والصقت كلمة الخيانة والعمالة على كل من يحضر هذا المؤتمر من الفلسطينيين سواء بصفته الشخصية او الحزبية او التنظيمية وذلك لادراك الهدف الذي يسعى اليه مثل هذا المؤتمر. وبالتالي كان من الغرابة بمكان ان يطلب من تنظيم فتح وهو من اكبر التنظيمات الفلسطينية الغاء الدعوة الى الاضراب العام في الضفة الغربية بناء على توجيهات من الرئيس عباس.

والان على ما يبدو اتضحت الصورة لي اللهم الا إذا كنت من الذي لا يستطيعون قراءة ما بين السطور. الادارة الامريكية قررت عدم توجيه دعوة رسمية للحكومة الاسرائيلية لحضور المؤتمر هذا بعد ان كان قد اعلن وزير مالية العدو الصهيوني كاتس على انه سيحضر المؤتمر في البحرين ولكن هذا لا يمنع رجال الاعمال وممثلي الشركات الاسرائيلية من حضور هذا المؤتمر “الاقتصادي”. ولا شك ان الادارة الاميركية لم تقم بتوجيه الدعوة “الرسمية” للكيان الصهيوني بالحضور تجنبا لاحراج بعض الدول العربية التي ما زالت مترددة ربما بالحضور خوفا من ان توصم رسميا بانها مع صفقة القرن مما قد يعرضها الى نقمة شعبية داخلية. والترويج بأن المؤتمر هو إقتصادي بالدرجة الاولى قد يبعد او بالاحرى قد يخفي عنه صفته الفعلية وأهدافه السياسية. وللمزيد من الخداع فإن الادارة الاميركية تدرس الان عدم الاعلان رسميا عن محتويات صفقة القرن وكأن غالبية الصفقة لم تنفذ على الارض عربيا.

بعد الاعلان عن تراجع الادارة الاميركية عن توجيه دعوة رسمية لممثلي الكيان الصهيوني بالحضور وعلى راسهم المجرم نتنياهو خرجت علينا اصوات فلسطينية متنفذة وغيرها ربما، لتقول لنا ان هذا التراجع تم تحت تأثير الضغط الذي مارسته القيادة الفلسطينية “الحكيمة” والاصرار على عدم الحضور وهو ما اجمعت عليه كافة الفصائل منذ البداية. ولا شك ان تعليق الاضراب او عدم الدعوة له بتوجيهات من الرئيس عباس في تصوري مرتبط بما حصل اي بعدم توجيه الدعوة رسميا للكيان الصهيوني بالحضور. وكأننا احرزنا نصرا كبيرا وبالتالي لا داعي للاضراب والتظاهر بأعداد وبقوة تعكس رفض الشعب الفلسطيني بكامله تليق بهذا المفصل التاريخي الذي تمر به القضية الفلسطينية.

دعوني اذكر بان عدم توجيه دعوة لمجرمي الحرب في الكيان الصهيوني بحضور المؤتمر في البحرين لا ينفي على الاطلاق الاهداف الرئيسية من هكذا مؤتمر الا وهو تصفية القضية الفلسطينية وفرض الاستسلام بالشروط الصهيو-امريكية وبمباركة من النظام العربي الرسمي الذي سيتحمل دفع فاتورة السلام الاقتصادي بما فيها “تحسين الاوضاع المعيشية” لفلسطيني الاراضي المحتلة وتصفية المخيمات الفلسطينية إما عن طريق التجنيس أو التهجير الى البلدان الغربية وهو المخطط الذي بدأ بتصاعد منذ بداية الازمة السورية وحتى قبلها وما أحداث مخيم نهر البارد في لبنان وكذلك مخيم عين الحلوة وتدمير اكبر مخيم للاجئيين الفلسطينين في سوريا مخيم اليرموك وهجرة ما يقرب من 100 فلسطيني منه الى الخارج عبر منظمات وجمعيات مشبوهة مستغلة الاوضاع المأساوية للمخيمات الفلسطينية هذه الاحداث خطط اليها وعمل بها من خلال العناصر الارهابية التي تغلغلت داخل المخيمات فس سوريا ولبنان وأجهزة استخبارات لدول غربية وتعاون بعض الخونة والعملاء المحليين. كل هذا تم دون ان تتصرف القيادة “الحكيمة” وتتخذ الاجراءات لمنع هذا النزيف لاسباب لا مجال لنقاشها الان هنا.

تصوير عدم توجيه الدعوة رسميا الى اسرائيل لحضور مؤتمر البحرين على انه انتصار هو سذاجة سياسية بامتياز ببساطة لان عدم توجيه الدعوة لم ينفي ولن ينفي الاهداف السياسية من وراء مؤتمر الخيانة والعمالة هذا والذي كتب عنه الكثيرون ولا داعي للتكرار هنا. وكما كنت اقول دائما احدى مصائبنا ان القيادة المتنفذة كانت وما زالت تعمل اولا بردة فعل وليس بفعل وثانيا وربما هو الاهم انها كانت وما زالت تتعامل مع شكليات الامور وظواهرها بدلا من جوهرها. المطلوب مقاومة جوهر مثل هذه المؤتمرات وليس إقامة الاعراس والتفاخر بأننا استطعنا ان نغير الشكل وتناسينا أو تجاهلنا بقاء المضمون والجوهر هذا على أعتبار ان تغيير الشكل قد جاء بناء على الضغط الفلسطيني.

أكاديمي وكاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. تحليل رائع يا د. بهيج السكاكيني، وهو يصب في أهمية قيام المثقفين بدور مؤثر في توعية الرأي العام الفلسطيني.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here