الدكتور بهيج سكاكيني: ترامب رجل الاعمال الناجح وليس رجل السياسة

الدكتور بهيج سكاكيني

علينا ان نعترف ان الرئيس ترامب كان من انجح الرؤساء الامريكيين في إدارة الولايات المتحدة كمشروع إقتصادي فلقد اثبت ان إدارته قد فاقت أيا من الادارات السابقة في هذا المجال على ممر تاريخ الولايات المتحدة.

فلقد تحدث بصرامة ووقاحة متناهية مع حلفاء امريكا في اوروبا وقام بتوبيخهم بعنف لان البعض منهم لم يلتزم بتعهداته المالية تجاه حلف الناتو وأن امريكا لن تلتزم بتامين الحماية لهم وضمان امنهم الذي تمتعوا به منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية الا إذا ما قاموا بدفع المستحقات المالية المترتبة عليهم وبأثر رجعي هذا بالاضافة الى زيادة في نسبة المدفوعات مستقبلا. هذا في الوقت الذي تناسى به ترامب ما قدمته الدول الاوروبية ومن خلال الاتحاد الاوروبي من خدمات للولايات المتحدة وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكك جمهورياته. فلقد اعطى الاتحاد الاوروبي الغطاء السياسي الدولي من خلال مجلس الامن ومؤسسلت “المجتمع الدولي” للسياسة العدوانية الفجة التي انتهجتها الولايات المتحدة منذ مطلع تسعينات القرن المنصرم والتحكم بمصير البلاد والعباد وإقامة النظام العالمي ذو القطب الواحد. ولقد ابقت الولايات المتحدة حلف الناتو بالرغم من تعهداتها بحله مقابل حل حلف وارسو وأنتهاء ما سمي بالحرب الباردة على اثر إنهيار الاتحاد السوفياتي, واصبح الحلف مطية وأداة للسياسة الخارجية وجزء عضويا من الاستراتيجية الكونية الامريكية.

فلقد شاركت قوات الناتو في قصف يوغسلافيا في نهاية تسعينات القرن الماضي خارج إطار الشرعية الدولية وتم تقسيم البلاد. كما وشارك الناتو في حرب الخليج الاولى وساهم في اعطاء شرعية الغزو الامريكي البريطاني للعراق عام 2003 . وكذلك ساهم في العدوان على ليبيا وتدمير البلد وتحويلها الى بؤرة للارهاب والارهابيين وتحكم امراء الحرب وتحويلها الى دولة فاشلة بكل المقاييس ومركز لانطلاق سفن المهاجرين الغير شرعيين الى الشواطىء الاوروبية. كما وساهم في الحرب الكونية على سوريا تحت ذريعة محاربة الارهاب. هذا بعض من الخدمات المجانية التي قدمتها الدول الاوروبية ودول حلف الناتو للولايات المتحدة. هذا عدا عن القيام بشراء الاسلحة من المصانع الحربية الامريكية بعشرات المليارات من الدولارات بين الحين والاخر لتحديث بناها العسكرية الضرورية للحفاظ على قدرات الناتو العسكرية. كل هذا لم يرحم دول الاتحاد الاوروبي من غضب رجل الاعمال الامريكي الذي كان يبحث عن المال ورافعا شعار أمريكا أولا وليذهب الحلفاء ومصالحهم الى الجحيم.

أما كوريا الجنوبية فقد “تمتعت بحماية” الولايات المتحدة منذ انتهاء الحرب الكورية في مطلع الخمسينات. هذه الحرب التي لم تنتهي فعلا بين شطري الكوريتين وذلك لا الولايات المتحدة رفضت ان تنتهي هذه الحرب بشكل رسمي من خلال التوقيع على معاهدة سلام بين كوريا الشمالية والجنوبية. ليس هذا وحسب بل عملت على عدم التقارب بين شطري الوطن الواحد وأقامت القواعد العسكرية على اراضي كوريا الجنوبية بحجة حمايتها من خطر كوريا الشمالية هذه القواعد العسكرية منعت سلطات كوريا الجنوبية من دخرلها او معرفة حقيقة ما يدور بها. وفي الاشهر الاولى من هذا العام قامت الولايات المتحدة بإدخال ونصب منظومة “ثاد” المضادة للصواريخ تحت حجة انها نصبت ضد صواريخ كوريا الشمالية وقد تم هذا دون إبلاغ الحكومة الجنوبية رسميا لا بل وطلب منها ان تدفع اكثر من مليار دولار ثمنا لهذه المنظومة.

وقد رفضت الحكومة في البداية ذلك لانها لم تدخل ضمن الاتفاقيات الموقعة منذ انتهاء الحرب الكورية ولكنها في النهاية اذعنت لاوامر البيت الابيض. الى جانب هذا تقوم الولايات المتحدة بإجراء مناورات عسكرية ضخمة سنويا مع قوات كوريا الجنوبية كجزء من عملية تهديد واستفزاز لكوريا الشمالية. وربما الكثيريين لا يعلمون ان هذه المناورات تجري في الفترة الزمنية للحصاد الزراعي  في كوريا الشمالية التي تضطر في تلك الفترة التي تكون بامس الحاجة للايدي العاملة واستخدامها في الحصاد الزراعي ان ترفع من درجة تأهبها العسكري وتعلن التعبئة العامة خوفا من اي هجوم محتمل عليها اثناء المناورات العسكرية الامريكية وكوريا الجنوبية.

أمريكا ليس لها مصلحة على الاطلاق لرأب الصدع وتوحيد الكوريتين او تخفيف من حدة عدم الاستقرار في تلك المنطقة لانها بهذا قد تفقد منطقة ذات اهمية جيوسياسية تحاول من خلالها احتواء الصين وروسيا الى جانب الابتزاز السياسي والعسكري المستمر لليابان وتخويفها من كوريا الشمالية. وها هي الولايات المتحدة تسعى لاقامة قاعدة جديدة في اوكيناوا اليابانية بالرغم من وجود معارضة قوية داخل اليابان لبناء هذه القاعدة لانها إن تفعل شيئا فإنها تعرض الامن القومي الياباني للخطر في حال تعرضت كوريا الشمالية الى عدوان امريكي على اراضيها.    هذا الابتزاز المالي والسياسي ليس بجديد على الادارات الامريكية المتعاقبة ولكن الجديد هنا هو أنه في زمن إدارة ترامب اصبحت هذه السياسة علنية ومتعارف عليها وكأنها تأسيس لمرحلة جديدة في التعامل مع الحلفاء والادوات التي تدور في الفلك الامريكي. فالدول الخليجية على سبيل المثال وهبت وتهب للان الارض التي تقام عليها القواعد الامريكية الى جانب تحمل كل تكلفة إقامة هذه القواعد وخير مثال على ذلك قاعدة العديد في قطر.

ولا شك أن هذه الدول الغنية كما قال ترامب تشارك في نفقات هذه القواعد.  ولقد سبق وان صرح ترامب اثناء حملته الانتخابية وبعدها ان هذه الدول تمتلك الكثير من المال ونحن بحاجة اليه وان عليها ان تدفع لنا نفقات حماية عروشها وانها لن تصمد ولو لاسبوعين دون توفير الحماية لها من قبلنا. وأذكر انه في حرب الخليج الاولى حققت الولايات المتحدة ارباحا طائلة من وراء حربها للمساهمة المالية التي قدمت لها بسخاء من هذه الدول. وعندما طلبت الادارة الامريكية آنذاك من المانيا ان تقوم بدفع المزيد من الاموال متحججة انها تدافع عن المصالح الغربية كافة وليس عن مصالحها فقط قال وزير الخارجية الالماني آ نذاك ان المانيا على استعداد لدفع اي مبلغ لتسديد فاتورة الحرب فيما إذا ما اقدم البنتاغون على تقديم فاتورة بتكاليف الحرب الكلية وما قبضته الولايات المتحدة من الدول واي نقص في الميزان ستقوم المانيا بتغطيته.

ولكن إدارة بوش والبنتاغون آنذاك رفضا تقديم الفاتورة المفصلة للحرب الى المانيا.  لقد حصل ترامب على أكثر من 500 مليار دولار من السعودية لوحدها للخزينة الامريكية ولقد ذكرت جريدة وورلد ستريت جورنال ان المبلغ قد وصل الى ما يقرب من ترليون دولار ذهب جزء الكبير منها الى صفقات الاسلحة الامريكية الى جانب المساهمة في مشاريع  إعادة بناء البنى التحتية المتآكلة والمتهالكة للولايات المتحدة. ومرة أخرى نجد ان الولايات المتحدة ليس لها مصلحة في العمل مع الفرقاء الدوليين على استقرار المنطقة وخاصة منطقة الخليج لانها عندها لن تستطيع ان تقوم “بحلب ابقار الخليج” بحسب تعبير ترامب. ومن هنا هذا العداء لايران والتهديد بالحرب وشن ضربات داخل الاراضي الايرانية فهذا يرضي حكام السعودية وبعض الدول الخليجية الذين على استعداد لدفع نفقات هذه الحرب إذا ما شنتها الولايات المتحدة ولكن ترامب كرجل أعمال يتمتع بذكاء ولن يقوم بمثل هذا لان في النهاية لن تكون هذه الادوات في موضع تستطيع ان تدفع لادارته بعد ان تدمر وتشتعل آبار نفطها والاوراق الخضاء التي يدرها النفط. وهذا ايضا هو السبب لعدم إكتراث الولايات المتحدة بالعداء بين قطر من جانب والسعودية والامارات من الجانب الاخر فالإبقاء على التوتر بين هذه الدول يتيح للادارة الامريكية ان تقوم بحلب الطرفين وهذا هو الحاصل على ارض الواقع من خلال صفقات الاسلحة بعشرات المليارات بين الحين والاخر.

وهي ايضا تبقي على العدوان الهمجي على اليمن وتعدم السعودية بكل ما يلزم لابقاء نيران هذه الحرب الجائرة سواء ببيعها للسلاح الامريكي او بدعمها سياسيا ودبلوماسيا في المحافل الدولية. وبحسب بعض التقديرات فإن تكلفة الحرب على اليمن قد بلغت اكثر من مئة مليار دولار منذ إندلاعها في مارس من عام 2015 وللان, ذهب القسم الاكبر من هذه الاموال الى الصناعات الحربية الامريكية وتصدرت السعودية قائمة الدول في العالم في شراء الاسلحة من امريكا في السنوات الماضية.

وهذا يرضي المجمع الصناعي العسكري الامريكي وخاصة الان بعد إعلان ترامب عن ترشحه لفترة ثانية. وما نراه من تصعيد في منطقة الخليج الان وخاصة بعد ان خرجت إدراة ترامب من الاتفاقية التي وقعت بين الدول الست الكبرى وإيران حول برنامجها النووي يصب في مصلحة الولايات المتحدة بالدرجة الاولى ويدخل ضمن سياسة الابتزاز المالي والسياسي للحلفاء والادوات معا والذي اصبح يشكل ركيزة اساسية من ركائز السياسة الخارجية الامريكية. فها هي الادارة الامريكية وعلى لسان ترامب تصرح بأن أمريكا على غير استعداد لا تلعب دور الشرطي في مضيق هرمز لحماية سفن الدول الغنية مثل السعودية والامارات واليابان والصين من دون الحصول على تعويضات من هذه الدول وعلى ان الولايات المتحدة لم تعد بحاجة الى بترول الخليج كما كانت في السابق وبالتالي ليس لنا مصلحة في إبقاء سفننا هناك.

بمعنى ان هذه الدول عليها ان تقوم بدفع فاتورة حماية لسفنها في منطقة اشعلتها الولايات المتحدة بنفسها.  ناقلات البترول كانت ولعقود تأتي الى الموانىء في الخليج وتحمل النفط وتخرج من مضيق هرمز دون اية مشكلة ودون ان يتعرض امنها الى اي خطر الى ان قامت امريكا بالتصعيد الاخير ضد إيران ولا شك انها ضالعة من راسها حتى اخمص قدميها كما يقول المثل بتأجيج الاوضاع وخلق توترات عسكرية وسياسية  في تلك المنطقة الحساسة والاستراتيجية على مستوى غير مسبوق وتدفع الدول المحيطة الى شفا الهاوية. والان تقوم في عملية ابتزاز ممجوجة ووقحة للادوات والحلفاء وغيرهم بجهارة ودون مواربة.

وتدعو الى إنشاء قوة دولية ( مفهوم الدولية الان هو امريكية – بريطانية ) لحماية ناقلات النفط في منطقة الخليج والتي لم تستجب لها معظم الدول لغاية الان سوى بريطانيا والسعودية والامارات لان بقية “المجتمع الدولي” يرى ان التصعيد لن يخدم مصالحه على الاطلاق. وهذا ما تؤكده الاحداث والتصرفات البريطانية في الفترة الاخيرة حيث قامت بعملية قرصنة بحرية واضحة باحتجاز إحدى ناقلات النفط الايرانية في المياه الدولية في منطقة جبل طارق. التصريحات الغير مسؤولة التي اطلقها ترامب بخصوص منطقة الخليج وإيران والتصرفات الرعناء والخطوات والاجراءات الاستفزازية من قبل القوات الامريكية المرابطة في منطقة الخليج لا تؤشر بأية طمأنينة ويحق للعالم بأسره ان يقلق لان اية خطوة غير محسوبة النتائج قد تؤدي الى حرب شاملة وواسعة لا يحمد عقباها. تستطيع الولايات المتحدة وأذنابها البدء بالحرب ولكنها بالتاكيد لن تستطيع ان تكون الطرف الذي سيوقفها وما سيترتب عليها من تغيير الخارطة السياسية والجغرافية للمنطقة بأكملها.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. سيدي، لا يوجد شيء اسمه سياسي أو غير سياسي في الادارات الأميركية، النظام يعمل بالجميع. وإذا اقتضت الضرورة لطلب النصيحه من خبراء السياسه (Think Tanks) ماهي مشكله. احتكار السياسه عند العرب فقط ويسمى (الالتفاف حول القياده).

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here