الدكتور بهيج سكاكيني: السياسة العدوانية الامريكية وعوامل صمود فنزويلا

الدكتور بهيج سكاكيني

لم تفلح للان كل المحاولات والاجراءات التي إتخذتها الولايات المتحدة ضد فنزويلا في “تغيير النظام” والتي كان آخرها محاولة إقتحام الحدود من ناحية كولومبيا والبرازيل تحت ذريعة إدخال ما سمي بـ “المساعدات الانسانية” وكانت المخابرات الامريكية قد سلحت ودربت ما يقرب من مئتي عنصر من جنود وضباط فنزوليين سابقين مقيمين في كولومبيا لاقتحام الحدود من الحدود المشتركة مع كولومبيا دون علم من السلطات الكولومبية التي أوقفت العملية قبل ساعات فقط عندما علمت بالمؤامرة وذلك خوفا من حدوث اشتباكات مع الجيش الفنزويلي واشتعال الحرب بين البلدين.

ولكن المحاولات لم تهدأ ولم تتوقف ومن الواضح انها مستمرة وفي صلبها “تجويع الاقتصاد” الفنزويلي وهي الاستراتيجية التي اتبعتها الولايات المتحدة عام 1973 لاسقاط الحكم التقدمي للرئيس سلفادور الليندي بناء على توصيات مهندس السياسة الخارجية الامريكية هنري كيسنجر آنذاك. ومفاد هذه الاستراتيجية إعلان الحرب الاقتصادية أو ما يسمى بالعقوبات الاقتصادية لافقار البلد ومنعها من تصدير سلعها التي تدر عليها الاموال لخزينتها لشراء المواد الغذائية والطبية …الخ الضرورية لشعبها. والذي يعول عليها ان تؤدي الى تحرك جماهيري واسع وإحتجاجات على الوضع القائم ونشر الفوضى في البلاد وإنعدام الامن والاستقرار مما يدفع الجيش بالتدخل والانقلاب على الحكومة وتسلم زمام الامر في البلاد تحت ذريعة إعادة الامن والاستقرار للبلد المعني. وكل هذه الاحداث المفتعلة في أغلب الاحيان يتم التحضير لها عبر ما يسمى بمنظمات المجتمع المدني وكذلك المنظمات الغير حكومية التي ترعاها وتمولها المخابرات المركزية الامريكية الى جانب تغذية أحزاب المعارضة والتخطيط معها لوضع برنامج التغيير من خلال هذه التحركات. هكذا فعلت وما زالت تفعل الادارات الامريكية المتعاقبة وأجهزتها المخابراتية والامنية والعسكرية لاحداث ما أصبح متعارف عليه تحت مسمى “الثورات الملونة” كما حدث في جورجيا وأوكرانيا مؤخرا وكما حدث في هايتي عام 2004 وما هو حادث الان في فنزويلا من تدخلات لاسقاط حكومة الرئيس مادورو المنتخب والشرعي للبلاد.

ولقد قامت الولايات المتحدة بعدة خطوات وإجراءات إقتصادية مؤلمة وإجرامية بحق فنزويلا وأمرت حلفاءها الغربيين من إتباع نفس الخطوات. فقد قامت بتجميد الاموال والاصول التي تمتلكها فنزويلا في الولايات المتحدة. كما استهدفت وزارة الخزانة الأمريكية قطاع النفط الفنزويلي ، المصدر الرئيسي لعائدات التصدير ، بفرض حظر فعلي على النفط في 28 يناير سيكلف البلاد ما يقدر بنحو 11 مليار دولار من عائدات التصدير في عام 2019. ووضعت الولايات المتحدة يدها على شركة CITGO ، وهي شركة تابعة لشركة النفط الحكومية PDVSA ومقرها الولايات المتحدة. وذكر خبير حقوق الإنسان بالأمم المتحدة إدريس جزائري في أواخر كانون الثاني (يناير) من أن “العقوبات الاقتصادية تزيد فعلياً من الأزمة [الاقتصادية] الخطيرة” ، مضيفًا قلقه من أن التدابير الأحادية الجانب “تهدف إلى تغيير حكومة فنزويلا”. كما وقامت الولايات المتحدة بحجز مبلغ 5 مليار دولار كانت مخصصة لشراء الادوية والمواد الاولية التي تستخدم في إنتاج الادوية اللازمة في فنزويلا، تحت ذريعة ان هذه المبالغ ستقدم الى المعارضة الفنزولية حال تكوين حكومة غوايدو في البلاد. ونتيجة الحرب الاقتصادية على فنزويلا سعت الحكومة الى استخدام مخزونها من الذهب في التعاملات التجارية العالمية لاستيراد المواد الغذائية والطبية..الخ. ومن المعروف ان فنزويلا تمتلك اكبر ثاني احتياطي ذهب معتمد في العالم وقد سعت الى زيادة عمليات التعدين في ما يسمى قوس التعدين أورينوكو في شرقي البلاد بالرغم من الانتقادات والاحتجاجات على عملية استخراج الذهب وذلك لما تسببه من أضرار بيئية وإجتماعية. ولم توفر الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين جهدا ايضا في محاربة فنزويلا في هذا الجانب. فقد وفض بنك انكلترا طلبا تقدمت به الحكومة الفنزويلية لسحب ما يقارب 1.2 مليار دولار من الذهب تعود ملكيتها الى فنزويلا. وقبل عدة ايام فقط فرضت وزارة الخزانة الامريكية عقوبات على شركة التعدين العامة في فنزويلا المعروفة بإسم مينيرفن ورئيسها أدريان بيردومو. وتبعا لهذه العقوبات فقد يتم مصادرة جميع الاصول المحتملة في الولايات المتحدة التي تمتلك فيها الشركة الفنزويلية ورئيسها أكثر من 50% من الاسهم، كما أنها تمنع جميع الاشخاص والشركات الامريكية من التعامل معها. وكأن هذا لا يكفي فالولايات المتحدة تلاحق الدول التي تقوم بتكرير الذهب الفنزويلي فلقد اشير مؤخرا الى ان أوغندا تحقق مع اكبر شركة لتكرير الذهب لديها بسبب استرادها ما قيمته 300 مليون دولار من الذهب يعتقد انه قادم من فنزويلا  (وكالة رويتر 14 مارس). كما وقامت وزارة الخزانة الامريكية بوضع عقوبات على بنك التنمية الاقتصادية والاجتماعية الفنزويلي (BANDES) بعد إقدام السلطات الفنزويلية على إعتقال رئيس أعمال غوايدو مؤخرا.

وللان تبدو فنزويلا عصية على الولايات المتحدة فلم تفلح كل الجهود والحملات الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية التي بذلتها لاسقاط النظام بها. وربما يعود ذلك للعديد من الاسباب ربما من اهمها هو الدعم الشعبي الذي تلقاه الحكومة الفنزويلية ورئيسها من الطبقات الفقيرة والتي تشكل أغلبية السكان بالرغم من الاخطاء الاقتصادية لهذه الحكومة كما يراها بعض المحللين. ويعود هذا الدعم الشعبي الى المكتسبات التي تحققت لهذه الطبقة المسحوقة التي حصلت عليها منذ الثورة البوليفارية في نهاية تسعينات القرن الماضي عندما انتخب الرئيس الراحل شافيز بأغلبية كبيرة لرئاسة البلاد.

 وهذه الجماهير الشعبية الفقيرة عندما تدعم الحكومة القائمة تدعمها لمعرفتها ان المعارضة التي تمثل حيتان رأس المال في فنزويلا ستعمل على ارجاع عجلة التاريخ الى الوراء وستقوم بخصخصة القطاع العام والقضاء على الكثير من المؤسسات التي ترعى شؤؤن هذه الطبقة من النواحي الاجتماعية والصحية والاقتصادية وتوفير السكن…الخ التي انشأت لهذه الاغراض منذ زمن الرئيس الراحل شافيز. وهذا ما افضى به المستشار الخاص لغوايدو ريكاردو هاوسمان الذي يعمل في جامعة هافارد والذي كان يشغل منصب وزير التخطيط في فنزويلا في تسعينات القرن الماضي والذي يعمل على المشروع الفنزويلي في الجامعة والمرشح لان يشغل منصب وزير الاقتصاد في فنزويلا فيما إذا ما نجحت الولايات المتحدة في تغيير النظام بها. فبحسب هذا الباحث في المطبخ الاكاديمي الفنزويلي ان برنامج محو الامية والرعاية الصحية والدعم على المواد الغذائية التي جاء بها شافيز يجب ان تلغى بالكامل.

  كما وستعمل المعارضة الى فتح الابواب أمام الشركات الامريكية العملاقة العاملة في مجال الطاقة على وجه التحديد لمزيد من نهب الثروة الاساسية للبلاد والتي تدر مليارات الدولارات سنويا على الخزينة الفزويلية. وهذا الجانب كان قد عبر عنه غوايدو رئيس المعارضة والذي نصب نفسه رئيسا للبلاد بدعم واضح من الادارة الامريكية وزبانيتها خاصة من قبل الرئيس ترامب ومستشاره للامن القومي بولتون والمبعوث الخاص لفنزويلا ابراهم اليوت الذي اشتهر بعدوانيته ضد الحركة الساندانيستية وحكمها في نيكاراجوا وتمرير اسلحة الى المعارضة هناك كما انه كان أحد المحركين الاساسيين في إقناع الرئيس بوش لغزو العراق عام 2003 . وللتأكيد على هذه النقطة بالتحديد فإن المستشار الامن القومي للادارة الامريكية كان قد صرح علنا من خلال مقابلة مع فوكس نيوز في 24 يناير من هذا العام ان تغيير النظام في فنزويلا سيعود بالمنفعة على الاقتصاد الامريكي لانه سيمهد الطريق لعودة شركات النفط الامريكية الى فنزويلا وكسب مليارات الدولارات وخلق فرص عمل داخل امريكا. وهذا على ما يبدو يأتي متناغما مع الباحث الفنزويلي هاوسمان الذي يعتقد ان الاداء الضعيف لصناعة النفط الفنزويلية يعود الى عدم وجود حوافز او جاذبية للمستثمرين الاجانب لان هذا القطاع مسيطر عليه من قبل الدولة وخاصة بعد تأميمه في عهد شافيز.

اما العامل الثاني والمهم فهو وقوف الجيش باغلبيته الى جانب الحكومة الشرعية ورفض الانضمام الى معسكر المعارضة التي ارتمت في احضان الولايات المتحدة بالكامل وذهبت الى حد مطالبتها بالتدخل العسكري للاطاحة بالحكومة الفنزولية القائمة. وبالرغم من كل التهديدات الامريكية التي جاءت على لسان الرئيس ترامب الذي هدد الضباط والجنود اللذين يقفون الى جانب حكومة مادورو بحياتهم وذلك في حديثه في احدى الجامعات الامريكية . اما مستشار الرئيس الامريكي للامن القومي فقد كان ان صرح ان الولايات المتحدة سترفع العقوبات عن كبار ضباط الجيش ولن يتم إعتقالهم فيما لو انضموا الى المعارضة الفنزيلية.

 وبالرغم من محاولة شراء كبار ضباط الجيش من قبل المعارضة أو الولايات المتحدة فإن عدد الذين قبلوا بخيانة وطنهم هو عدد قليل ولن يكون له اي تأثير على وضع الجيش الوطني الفنزويلي ودعمه للرئيس مادورو كما تبين الامور لغاية الان. والذي يبدو ان كل من الولايات المتحدة والمعارضة قد ادركت ان رهانها على قيام الجيش بتأييد المعارضة والانقلاب على السلطة السياسية الشرعية لم يكن في محله على الاطلاق. ولهذا فإن “الرئيس” غوايدو اعلن عن تغيير في إستراتيجية المعارضة لاسقاط النظام بعد عودته من كولومبيا على اثر فشل استخدام إدخال “المعونات الانسانية” كوسيلة لاشاعة الفوضى وتدخل الجيش لصالح المعارضة. وهذه الاستراتيجية تعتمد على ان تجوب المعارضة البلاد في محاولة لاثارة الشعب على الحكومة ومن ثم الدعوة الى مسيرة ملايين من الشعب الفنزويلي الى القصر الجمهوري كوسيلة لاسقاط نظام الحكم. وفيما إذا تحقق ذلك فإن المعارضة تأمل ان ينضم الجيش لها عندئذ.

وبالتزامن مع هذه الرؤية والاستراتيجية للمعارضة وبعد فشل الولايات المتحدة في جلب دول الجوار للتدخل العسكري في فنزويلا وخاصة كولومبيا (وإن كان رئيسها يدعو ويؤيد تغيير نظام مادورو) فإنها تسعى فيما يبدو الى جر حلف الناتو الى التدخل وذلك على غرار ما حدث في ليبيا. والمؤشر على ذلك اتى اثناء زيارة الرئيس البرازيلي للولايات المتحدة مؤخرا والاجتماع الذي عقده مع المخابرات المركزية الامريكية قبل زيارته وإجتماعه مع الرئيس الامريكي نفسه. وقد تحدث الرئيس ترامب عن سعيه الى ضم البرازيل كحليف استراتيجي خارج حلف الناتو. وإذا ما اعتبرنا ما فعلته أمريكا في اوكرانيا على سبيل المثال، فإن هذا يعني فيما يعنيه إجراء مناورات عسكرية مشتركة بين القوات البرازيلية وقوات الناتو التي سيكون اغلبها إن لم يكن كلها قوات أمريكية، وكذلك تسليح الجيش البرازيلي باحدث الاسلحة الامريكية، الى جانب إمكانية زرع قواعد عسكرية امريكية بالقرب من الحدود الفنزويلية لحين التدخل العسكري فيما إذا استنفذت الولايات المتحدة كل الخيارات لتغيير النظام في فنزويلا.

أما العامل الثالث المهم في عملية الصمود لفنزويلا فإنه يتمثل بالدعم الاقليمي وخاصة من كوبا ونيكاراجوا الى جانب الدعم الدولي وخاصة من الصين وروسيا اللتان استخدمتا الفيتو المزدوج في مجلس الامن لاحباط المخطط الامريكي في تغيير النظام في فنزويلا ودعمهم لشرعية الرئيس مادورو. هذا الدعم السياسي في المحافل الدولية يقابله ايضا دعما إقتصاديا واضحا من كلا الدولتين العظمتين، وخاصة ان هنالك منافع متبادلة ومصالح مشتركة بين الاطراف الثلاث. وهذا ما يستدل عليه من حجم القروض والاستثمارات لكل من الصين وروسيا في القطاعات المختلفة وخاصة في قطاع الطاقة والتعدين وبناء البنى التحتية التي تخدم العلاقات الاقتصادية لهذه الدول.

بالنسبة للصين يمكن القول بان الطفرة في العلاقات التجارية بينها وبين دول امريكا اللاتينية حدثت مع بداية عام 2000 وذلك لحاجة الصين الى المعادن مثل الحديد والنحاس وغيرها المتوفرة في دول امريكا اللاتينية الى جانب المنتجات الزراعية والنفط والغاز. وقد صاحبت هذه الفترة ان كانت فنزويلا تبحث عن اسواق جديدة لنفطها للتخلص من إعتماد تصديره الى الولايات المتحدة أما الصين فكانت تسعى الى تنويع مصادر الحصول على النفط المستورد لضمان تدفق هذه السلعة الاستراتيجية. وقد تم توقيع الاتفاقيات التي بموجبها تحصل فنزويلا على القروض الصينية مقابل النفط. وقام بنك التنمية الصيني بتقديم قروض لفنزويلا بمقدار 55 مليون مليار دولار بين عامي 2007-2016 وشملت الاستثمارات الصينية قطاع الطاقة والتعدين والزراعة وبناء محطات تكرير البترول. وبالرغم من الازمة الاقتصادية والسياسية التي مرت وتمر بها فنزويلا على اثر تدهور اسعار النفط العالمية وخضوعها للعقوبات الاقتصادية الامريكية وربما سوء ادارة الاقتصاد الفنزويلي الا ان الصين ما زالت تأمل بان الدعم السياسي والمالي الذي قدمته لفنزويلا سيمهد الى علاقات تجارية قوية اساسها مصادر الطاقة وإتاحة الفرص الاستثمارية.

أما بالنسبة الى روسيا وإ بتداءً من عام 2015 ، وحين أصبحت الصين أكثر حذراً وقلقًا من تعرضها في فنزويلا ، قدمت روسيا حوالي 6.5 مليار دولار من الأموال الجديدة من خلال مؤسستها المملوكة للدولة ، Rosneft ، لشركة النفط المملوكة للدولة في فنزويلا. في السابق ، كان حجر الزاوية في العلاقات الروسية الفنزويلية العلاقات العسكرية ، حيث اشترت فنزويلا أكثر من 4 مليارات دولار من الأسلحة والمعدات العسكرية الروسية. ولقد اعتمد الجيش الفنزويلي على روسيا لتسليحه للالتفاف على العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة عليه.

ومؤخرا برزت الشركات المملوكة للدولة في روسيا كمستثمرين رئيسيين في وقت وجدت فيه حكومة مادورو صعوبة متزايدة في تأمين ائتمان جديد من أي مكان ، بما في ذلك الصين. فقد قدمت روسنفت وغازبروم ، عملاق الطاقة الروسي ، تمويلًا قصير الأجل قيمًا لشركة النفط الحكومية الفنزويلية (PDVSA) في فنزويلا. وفي المقابل ، قدمت PDVSA 49.9 في المائة من إجمالي أسهمها من Citgo التابعة لها في الولايات المتحدة ، كضمان لـ Rosneft لضمان المدفوعات المستقبلية. علاوة على ذلك ، زادت شركة Rosneft من حصة الأسهم في المشروع المشترك لأورينوكو لحزام النفط الثقيل كما حصلت على إمكانية الوصول إلى أكبر احتياطيات الغاز في فنزويلا. الى جانب ذلك فقد ارسلت روسيا حديثا اكثر من باخرة محملة بالمواد الكيماوية اللازمة لتخفيف البترول الثقيل في فنزويلا قبل إجراء عملية تكريره وكانت فنزويلا تحصل على هذه المواد حصريا من الاسواق الامريكية قبل فرض العقوبات على قطاع النفط الفنزويلي.

وخلافا للصين الذي تركز كثيرا على الجانب الاقتصادي والتي ترى في تقديمها “القروض مقابل النفط” جانب من التكامل والمنفعة المشتركة فإن روسيا تذهب الى ابعد من ذلك بعلاقتها مع فنزويلا. حيث ترى فيها بعدا جيوسياسيا مناهضا ومتحديا للولايات المتحدة بوضع موطىء قدم لها في قارة امريكا الجنوبية الاستراتيجية والتي تحتوي دولها على كثير من المصادر الطبيعية الاستراتيجية مثل خامات النحاس والحديد والذهب والمنتجات الزراعية الى جانب مصادر الطاقة في فنزويلا. ومن خلال الدعم الذي تقدمه الى فنزويلا فهي ترسل رسالة واضحة لاصدقاءها في امريكا اللاتينية وعلى وجه التحديد لكل من كوبا ونيكاراجوا على انها قادرة ولديها الامكانيات لممارسة تأثير في امريكا اللاتينية وتحدي المصالح الجيوسياسية للولايات المتحدة وخاصة ان هاتين الدولتين موضوعتان على قائمة الدول التي تريد الولايات المتحدة تغيير الانظمة بها كما صرحت الادارة الامريكية التي تعتبر الثلاثي فنزويلا ونيكاراجوا وكوبا محور شر لا بد التخلص منه. الى جانب هذا فإن التدخل الروسي بدعم الانظمة التقدمية في أمريكا اللاتينية والوقوف بوجه الولايات المتحدة يدخل ضمن الصراع على الساحة العالمية ومحاولة لكسر هيمنة القطب الواحد على الساحة الدولية الذي حكم العالم لمدة ما يقرب من ربع قرن منذ انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكك جمهورياته وهي الفترة التي صالت وجالت فيها امريكا في الكون بسياسة عدوانية على الدول، من تغيير انظمة الى عدوان عسكري مباشر دون رادع في محاولة لبناء الامبراطورية الامريكية الكونية.

في النهاية نود ان نؤكد ان الوضع في فنزويلا ما زال خطيرا وإمكانية التدخل العسكري الامريكي ما زال قائما. وربما الدرس الذي تعلمته الثورة البوليفارية وكذلك دول امريكا اللاتينية التي تسعى لاقامة نظام العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة وتحقيق الرعاية الاجتماعية والطبية والتعليمية والسكن..الخ للطبقة المسحوقة وفقراء الوطن وبناء مجتمع الرفاهية والمواطنة، أنه لا يمكن ان يتم التعايش مع حيتان راس المال المحليين- الاوليغاركية كما يسمونها- المتعاونة والمتواطئة مع الغرب بشكل عام والولايات المتحدة بشكل خاص والتي تفتح ابواب البلد على مصراعيها للشركات الكبرى العالمية لنهب الثروات الطبيعية للبلدان وحرمان شعوب امريكا اللاتينية العيش بكرامة في بلدانهم. وهو خطأ في تقديري المتواضع وقعت فيه الثورة البوليفارية في فنزويلا والاحزاب اليسارية في تشيلي عندما نجحت في استلام السلطة عن طريق صناديق الاقتراع لتجابه إنقلابا عسكريا عام 73 الذي اطاحت بالتجربة الديمقراطية كلية. وهذا يحتاج الى وقفة تحليلية دقيقة لتفادي الوقوع في هذا الخطأ المميت في كثير من الاحيان. وربما إعلان الرئيس مادورو عن إجراء تغييرات جوهرية في الوزارات والمناصب الحساسة في البلاد بالاضافة الى اللجوء الى الشعب للتصدي لمحاولات المعارضة البائسة وإحتمال العدوان العسكري على البلاد ما هي الا بدء إتخاذ إجراءات جدية لتقليم أظافر المعارضة. ان الصراع بين الشعب الفنزويلي والمعارضة المرتمية في احضان الغرب كان وما زال صراع تناحريا وهذا ما يجدر بنا ان نفهمه.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here