الدكتور بهيج سكاكيني: الجزائر… القضية أبعد من ترشح بوتفليقة لولاية خامسة

الدكتور بهيج سكاكيني

لا شك ان عدم تقبل قطاعات كبيرة من الشعب الجزائري دورة رئاسية خامسة للرئيس بوتفليقة سيكون لها تداعيات دستورية ووضع قيادة الجيش في مواجهة معضلة كبيرة. وما يجب استيعابه هنا ان الغالبية العظمى من الحراك الشعبي والمتظاهرين والمحتجين ليست ضد بوتفليقة شخصيا، لان رفضهم للسماح له بولاية خامسة مبني على أنه في حالته الصحية المعطلة كليا والعاجزة كليا لا ينبغي اعتباره مؤهلا للبقاء في منصبه لخمسة سنوات اخرى في منصبه. وفي هذا فإن الحراك الشعبي الجزائري يدافع عن الدستور ولا ينتهكه.  فالمادة 102 من الدستور تحدد بوضوح الاجراء الواجب اتباعه في حالة ان ” وجد رئيس الجمهورية نفسه غير قادر على ممارسة وظائفه بسبب مرض خطير ودائم”.

 وربما كان هذا ينطبق على حالة بوتفلقية منذ 2013 عندما اصيب بجلطة دماغية أثرت على صحته وقدرته على الحكم ولكن مع هذا فقد تقدم عام 2014 للولاية الرابعة من الرئاسة وهو بحالة معطلة وعاجزة. وبالتالي فإن ترشيحه لولاية رئاسية خامسة من قبل صناع القرار وهو الجيش بالتحديد في حالة الجزائر كانت كما يقول المثل ” القشة التي قصمت ظهر البعير”. والمشكلة او المعضلة للجييش هنا هو ان الرفض الشعبي للولاية الخامسة لبوتفليقة تعني الرفض الشعبي لخيار قيادات الجيش وتحدي واضح لهيمنة الجيش على الدولة.

الجيش في الجزائر هو مصدر القوة السياسية وهو الذي يقوم بإختيار الرئيس ومن ثم يتم الاعلان عن القرار ضمنيا من قبل الرئيس المنتخب بنفسه في إعلان ترشيحه ويتم دعمه مباشرة من قبل حزب جبهة التحرير الوطني الذي حكم البلاد منذ الاستقلال وكذلك من حزب التجمع الوطني الديمقراطي. وبالتالي فإن ما يدعى الانتخابات الرئاسية حقيقة هي ليست إنتخابات كما هي الحال في الانتخابات المحلية والتشريعية. ومن هنا فإن نجاح المرشح الرئاسي المتفق عليه من قبل قيادة الجيش لا نقاش فيه، ولا يمكن لاي مرشح آخر النجاح او حتى تحقيق نسبة عالية من الاصوات وهذا ما درجت عليه الحياة السياسية في الجزائر بالرغم من التعددية في الاحزاب وهذا ما يفسر ربما انسحاب المرشحين للرئاسة قبل الاعلان الرسمي بترشيح بوتفليقة للولاية الخامسة وذلك لادراكهم عدم وجود فرصة حقيقية للنجاح في ضوء هذا الترشح المجمع عليه من قبل الجيش والحزبين الكبيرين.

هذا النظام الانتخابي واللعبة السياسية التي تحكم في مفاصلها الجيش الجزائري كانت مقبولة لدى الرأي العام الجزائري طيلة السنوات السابقة وظهرت بشكل ملحوظ ربما خاصة في الانتخابات عام 1995 عندما صوت الملايين للمرشح اليمين زروال وكذلك للولاية الثانية لعبد العزيز بوتفليقة. ولكن حالة القبول هذه قد انتهت كما بينت التظاهرات والاحتجاجات التي عمت العديد من المدن في الجزائر والتي شاركت بها العديد من مكونات المجتمع الجزائري. ولن نغالي إذا ما قلنا ان هذا الاجراء الانتخابي سرى منذ تحرير الجزائر من الاستعمار الفرنسي عام 1962 حيث كان لمجلس الثورة او الجيش الوطني الشعبي اليد الطولى في عملية إختيار الرئيس. وقد تدخل الجيش في عام 1991 واوقف العملية الانتخابية التشريعية بعد الجولة الاولى التي شهدت  نجاحا كاسحا للاخوان المسلمين الممثلين في الجبهة الاسلامية للانقاذ التي كانت قد تشكلت عام 1988 وتم الاعتراف به من قبل الدولة عام 1989 . وقد أدى هذا التدخل الى جانب عوامل اخرى الى اندلاع عنف ومجازر دموية في البلاد دام لمدة عشرة سنوات وأدى الى مقتل ما يقرب من نصف مليون جزائري.  ومن الجدير بالذكر هنا أن نذكر أن جميع رؤساء الجزائر في الحكومة المؤقتة (1958-1962 ) أو بعد تحرير الجزائر عام 1962 هم ممن شاركوا في معارك تحرير الجزائر ومعظمهم ينتمون الى جبهة التحرير الوطني الجزائرية.

من تتبع الشعارات التي رفعها ورددها المتظاهرون يلحظ جيدا انهم كانوا يدركون وعلى درجة كبيرة من الوعي انهم بإحتجاجاتهم على ترشيح بوتفليقة لولاية خامسة فإنهم يتحدون ضمنيا القيادة العليا للجيش الوطني الشعبي. وهذا ما تدلل عليه الشعارات التي رفعت مثل ” سلمية…سلمية” …” الشعب والبوليس إخوة” …”الجيش والشعب إخوة”. وكان لهذه الشعارات والانضباط الشديد للتظاهرات والشكل الحضاري الذي سلكه المتظاهرون بشكل عام ان وضعت الجيش ورئاسة الاركان في موقف محرج ومرتبك. وهذا يستدل عليه من الرسائل المختلطة والمرتبكة في بداية الاحداث التي عبر عنها بوضوح الفريق أحمد صالح رئيس هيئة اركان الجيش الجزائري، التي بعثت برسائل مختلطة. مطمئنة من جانب بالقول ان الجيش والشعب ينظرون الى المستقبل معا ومن الجانب الآخر كان هنالك تهديد بأن الجيش لن يقف مكتوف الايدي  في حالة عدم الاستقرار وإشاعة الفوضى في البلاد. والذي يبدو ان الجيش حسم موقفه في النهاية كما إتضح من قيام بوتفليقة بإعلان انه لن يرشح نفسه لولاية خامسة مستجيبا لهذا المطلب من قبل الجماهير في الشوارع.

بالرغم من الفرحة التي عمت الشارع الجزائري عن تراجع بوتفليقة عن ترشيح نفسه لولاية خامسة وفرحة كل عربي غيور على الجزائر بلد المليون شهيد في تجنب مواجهات بين المتظاهرين والشرطة والجيش وحدوث ما لا يحمد عقباه في دخول الجزائر في متاهة ودورات عنف تهدد باستقرار البلاد الا اننا يجب ان نقول وبصراحة ان ما تم لغاية الان لن يحل الازمة التي تجتاح الجزائر على مستوى شرعية النخبة الحاكمة ودور الجيش في المؤسسة الحاكمة هذا الى جانب الاوضاع الاقتصادية المتردية منذ فترة طويلة مما يجعل البلد عرضة للضغوطات الخارجية وعملية الابتزاز السياسي. لا بل والابعد من ذلك بأن تكون عرضة لتفشي ظاهرة انتشار المجموعات الارهابية والعودة الى الوراء الى العشرية السوداء. وكل هذه تحديات جدية وكبيرة يجب على الجزائر شعبا وجيشا ونخب سياسية التعاون فيما بينهم لايجاد الحلول التي تجنب الجزائر الكثير من المخاطر التي شهدتها في السابق والكثير من المخاطر التي تشهدها المنطقة برمتها.

ولعل نقطة الانطلاق في مواجهة المخاطر والتحديات يجب ان تتضمن محاكاة شرعية النخبة الحاكمة. فعلى مدى تاريخ الجزائر منذ الثورة الجزائرية ولغاية الان اعتمدت النخبة الحاكمة في الجزائر شرعيتها من التصاقها ومشاركتها في حرب التحرير. فكما ذكرنا في سياق المقال ان كل الرؤساء الذين حكموا الجزائر والذين ارتبطوا بالحكم من بعيد او قريب كانوا في معظمهم من رعيل ثورة الجزائر التي قادتها جبهة التحرير الوطني بشكل رئيسي. الى جانب ذلك فإن الجيش الوطني الشعبي الجزائري اعتبر نفسه الوريث الشرعي والطبيعي لجبهة التحرير الوطني، وبالتالي أعطى لنفسه الاحقية ضمنيا في إختيار رئيس البلاد وأن يشكل ضمنيا القوة السياسية في البلاد. هذه “الشرعية الثورية” وبهذه الطريقة لم يعد بالامكان إعتمادها كما بينت الاحداث الاخيرة في الجزائر من خلال التظاهرات التي عمت الكثير من المدن الرئيسية في البلاد وإنضمام العديد من مكونات المجتمع الجزائري اليها. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا إذا لم تعد “الشرعية الثورية” بهذا المعنى والاسلوب مقبولة فما هي الشرعية التي يجب اعتمادها في جزائر المستقبل؟ لقد اثبت الحراك الشعبي ان الشرعية المطلوب إعتمادها الان هي الشرعية المستمدة من الشعب وهذا يستدعي الكثير من الاجراءات والتعديلات الدستورية في البلاد. شرعية ترفض التدخلات الخارجية من اي طرف كان وخاصة من المستعمر القديم وهذا ما عبر عنه الحراك الشعبي منتصريحات المسؤولين الفرنسيين سواء من الرئيس ماكرون او وزير خارجيته الاخيرة.

من المؤكد ان هنالك فئة في النخبة الحاكمة وكذلك في الجيش ترى ان عملية التغيير الجذري تضر في مصالحها، ولكن في نفس الوقت فهي غير قادرة على تجاهل المطالب الشرعية والمحقة والعادلة التي تطالب بها الجماهير الشعبية التي لجأت الى الشارع للتعبير عن غضبها مما يجري. ولا شك ان هنالك من سيحاول اللالتفاف على هذه المطالب بإجراءات تعطيل وتأجيل ومماطلة كوسيلة للحفاظ على مصالح الفئات التي انتفعت من المنظومة التي سادت لفترة طويلة، ولكن هذا الاسلوب لن يجدي. وما علينا الان الا ان ننتظر ونرى ماذا سيجري على ارض الواقع من تغييرات على الساحة الجزائرية مؤكدين ان قطع الطريق عن الذين يريدون الشر للجزائر وشعبها والمتربصين لتخريب البلد يكون بوحدة المخلصين للوطن داخل الجزائر.

Print Friendly, PDF & Email

6 تعليقات

  1. قولك :(..الغالبية العظمى من الحراك الشعبي والمتظاهرين والمحتجين ليست ضد بوتفليقة شخصيا، ….) كلام صحيح
    دور الجيش ليس الا صورة ، ووسيلة ، القضية ابعد من هذا ، ولها خلفيات من أيام الثورة غطى عليها إنتصار الثورة
    وفرحة الجزائريين بالإستقلال عن فرنسا . الإستلاء على الجيش ، وخاصة القيادة فيه شكلت صراعا بين الإنتماء الجهوى
    والوطنية ، وأقصيت جيهات من الوطن شارك ابناءها في ثورة التحرير ، وعليه الجيش كان وسيلة وليس عاملا في هذا
    الحراك ، والحراك لم يكن ضد بوبتفليقة لذاته ، وإنما مَعْبرا للإطاحة بطرف جهوي( لا اقصد غرب الجزائر ) تقوى خلال مرحلة بوتفليقة ، وفرض مطالبه الجهوية المبطنة بالتغريب ، الصراع قوي وحاد ، وقد ينتهي بتحطم بعض الأطراف ذات
    النزعة الجهوية .

  2. طبعا، سيكون للمراحل السابقة في الحركية السياسية اثر على الحراك الجزائري الحالي.

    اقصد سنوات التسعينات، العشرية السوداء، و من بعدها الربيع العربي.

    الحراك الجزائري و أأمل ان يكون كذلك الحراك السوداني، وعى جيدا الدروس السابقة، ولن يسقط في فخ الصراع الغير مجدي.

    نحن في الجزائر نأمل الخير الكثير من هذا الحراك، وايضا من الجيش. هذا الاخير لا يمكنه ألا حسن التعامل معه، إذ يبدو محدود الدعم من الخارج.

  3. رقم القتلى في العشرية السوداء مبالغ فيه. الارقام المتادولة على الساحة السياسية الجزائرية تدور حول 200 الف قتيل.

  4. الاسلاميين الذين اكتسحوا الانتخابات التشريعية ليسوا من الاخوان. بل هم سلفيون الجبهة الاسلامية للانقاذ (انظر ويكيبيديا)

  5. رائع يا عزيزي وشكرا الإحاطة بكل جوانب الموضوع ، وكما هو واضح من مقالك ان الهدف من ترشيح الرئيس هو استمرار الفساد من الطبقه التي تحيط به والتي تنهب خيرات البلد طيلة الفتره فهي صراع بين فقراء وأغنياء البلد

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here