الدكتور بهيج سكاكيني: الارث الاستعماري في زمن الكورونا

الدكتور بهيج سكاكيني

دعوة بعض الاطباء الفرنسيين علنا بإمكانية التوصل الى لقاح ضد كورونا وعمل التجارب عليه في بعض الدول الافريقية اولا إن دل على شيء فهو يدل على مدى العنصرية الفجة لهؤلاء “الاطباء” وعلى أن الارث الاستعماري ما زال متأصلا لدى البعض بالرغم من كل ما يدعوه من حماية حقوق الانسان وتناسوا أو غيبوا شعار الثورة الفرنسية 1789 “الحرية والمساواة والاخاء” التي وبحكم التجربة على ارض الواقع لم تتجاوز الحدود الجغرافية لفرنسا. فقد استعمرت فرنسا عدد من الدول الافريقية وما زالت ولو بشكل مقنع وهي تقوم بنهب ثروات هذه الدول وتنشر وتدعم الفساد في هذه الدول للابقاء على سيطرتها وتأبيد عملية النهب المستمر لهذه الدول الغنية بثرواتها الطبيعية من معادن وماس وغيرها. هذا في الوقت التي تعاني شعوبها من فقر مدقع وظروف معيشية قاسية . وللان ترفض فرنسا الاعتراف بجرائمهاضد الانسانية التي ارتكبتها اثناء الاستعمار الفرنسي لها كما انها لم تعترف بإجراء بعض التجارب النووية في المنطقة الصحراوية للجزائر.

هؤلاء الذين يريدون إجراء تجارب اللقاح على الافارقة لا يؤمنون بأن هؤلاء او اي من ذوي البشرة الملونة من الجنس البشري. في زمن الاستعمار الكولونيالي ظهر كتاب وفلاسفة وعلماء بنظريات واطروحات تدعم استعمار الشعوب بإعتبار ان هذه الشعوب غير “متمدنة” وبعضهم حتى أطلق صفة الوحوش على هذه الشعوب وشرع قتلهم وتعذيبهم والاستيلاء على اراضيهم ونهب ثرواتهم وتدمير البيئة الحاضنة لهم ولمعيشتهم. هؤلاء يعتبرون الافارقة “فئران” لحقل التجارب فمن يدرك البروتوكول المتبع عادة في مجال الادوية واللقاحات يعلم بأن في حالة إيجاد دواء أو لقاح جديد تجرى التجارب أولا على الفئران الذي يتم تربيتهم لمثل هذه التجارب في مزارع خاصة وذلك لانهم أقرب بيولوجيا الى الانسان. وبعد نجاح التجربة على الفئران يتم الانتقال الى المرحلة الثانية وهي إجراء التجارب على متطوعين من البشر وإذا ما نجحت التجارب يتم ترخيص الدواء او اللقاح رسميا من قبل الاجهزة الصحية المختصة. وهذه العملية قد تستغرق ما يقرب من السنة إن لم تكن أكثر من ذلك.

فيروس الكورونا أسقط ورقة التوت عن الكثير من الدول الغربية التي كانت تتغنى بالديمقراطية والحرية والدفاع عن حقوق الانسان بشكل غير مسبوق. كما أظهر حجم الانانية والذاتية التي تتمتع بها العديد من الدول الغربية التي لم تعير اية إهتمام ولم تقدم اي دعم حتى لمن تسميهم بالحلفاء. فدول الاتحاد الاوروبي على سبيل المثال لم تحرك ساكنا بما جرى ويجري في إيطاليا واسبانيا الذين تركوا لوحدهم في محاربة هذا الفيروس القاتل الى ان اتت المعونة والمساعدة من الصين وكوبا وروسيا, الدول التي يفرض عليها الاتحاد الاوروبي العقوبات انصياعا للبيت الابيض الذي لم يعير اي انتباه للدول الاوروبية. وبدلا من التعاون فيما بينهم في البحث عن لقاح لهذا الفيروس رأينا الرئيس الامريكي ترامب يحاول شراء العلماء من المانيا ومبديا استعداده لدفع الاوراق الخضراء للحصول على نتائج ابحاثهم بهذا الخصوص حتى تحتكر الولايات المتحدة اللقاح وتحقق مليارات الدولارات لشركاتها الكبرى أو شخصيا لترامب واستثماراته. وراينا القرصنة الامريكية في الاستيلاء على الكمامات الصينية التي كانت متوجهة الى فرنسا وكندا.

هنالك سباق محموم الان بين شركات الادوية ومراكز الابحاث لايجاد لقاح لهذا الفيروس القاتل ويبقى السؤال الأهم من هذا هل هذا السباق المحموم يهدف الى حماية وإنقاذ البشرية جمعاء من هذه الجائحة، أم انه بهدف تحقيق مزيد من الارباح عن طريق امتصاص دم البشرية جمعاء وإستغلال حاجتها الملحة  من قبل الشركات الكبرى العابرة للقارات في زمن العولمة وتركيز الاحتكارات؟

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here