الدكتور بهيج سكاكيني: أبعد من عنصرية ترامب وقضية النائبة الهان عمر

 

 

الدكتور بهيج سكاكيني

أخذا تعليقات ترامب العنصرية والوقحة والفجة حول المهاجرين في الولايات المتحدة ووصول ثلاثة نساء الى الكونغرس الامريكي من اصول “مهاجرة” حيزا كبيرا في الصحافة ووسائل الاعلام الامريكية وغيرها. وكان التركيز في معظمها على على ما تفوه به ترامب وأن هذا يشكل توجه عنصري غير مسبوق لرئيس الولايات المتحدة وقام الكونغرس بإدانة هذه التصريحات التي تناولتها الصحافة العالمية مثل وصف البلدان التي قدم منها المهاجرين ب “الاوكار القذرة” وأن على هؤلاء العودة من حيث اتين …الخ من العبارات التي تنضح بالعنصرية والكراهية للجانب ذوي البشرة الملونة. وهذه ليست بأول مرة يتهجم وبشكل فاضح وعلني ويحقر من هو ليس بأمريكي ابيض فقد وصف على سبيل المثال قادة الخليج بالابقار التي يجب حلبها لغاية ان يجف ضرعها.

وإذاّ ما اخذنا بالاعتبار البرنامج الانتخابي الرئاسي لترامب  والذي جاء به الى البيت الابيض لن نجد غرابة في سلوكياته وتصرفاته وتصريحاته تجاه الاجانب والمهاجرين من البشرة الغير بيضاء. فعلى قمة اولويلت برنامجه الارئايس كانت هنال على الاقل خمسة بنود موجهة ضد الدول ذات الاعراق الغير بيضاء وغالبيتها من الدول المسلمة وكان هذا بمثابة تهجم واضح من قبله ومن قبل القاعد الشعبية التي إرتكز عليها بناء على العرق والديانة.

فقد تعهد ببناء جدار الفصل العنصري على الحدود بين المكسيك والولايات المتحدة حتى لو صوت الكونغرس على العكس من ذلك وكان الهدف من بناء هذا الجدار هو اسماع العالم ان الغرض منه هو إبعاد المكسيكيون ذوي البشرة البنية وذهب بعيدا للرهان والطلب من الحكومة المكسيكية ان تساهم في بناء هذا الجدار وبالمناسبة فقد احتلت امريكا المكسيك في حقبة زمنية واجبرتها على التخلي عن جزء كبير من اراضيها لصالح الولايات المتحدة. كما كان ضمن الوعود التي اطلقها أثناء حملته الانتخابية وعن وصوله للرئاسة للعمل على منع المسلمين مؤقتا من دخول الولايات المتحدة. وفي 27 يناير من هذا العام وقع ترامب على امر تنفيذي لوقف السماح بدخول المهاجرين ومنع شعوب سبعة دول ذات الاغلبية المسلمة من دخول اللايات المتحدة وهي سوريا والعراق وإيران وليبيا والصومال واليمن. والقاسم المشترك بين هذه الدول هو تعرضها لعدوان عسكري أو إقتصادي او كليهما سواء مباشرة أو من خلال عملاء وأذناب الولايات المتحدة.

ومن ثم بدأ حربه الاقتصادية على الصين حيث انه دعى الى وضع رسوم إضافية على البضائع الصينية وكذلك القادمة من المكسيك. أما بالنسبة لدول منطقتنا بالرغم من ان ترامب صرح بأنه كان معارضا لغزو العراق لكنه أكد انه كان على الولايات المتحدة الاحتفاظ بالنفط العراقي بالسيطرة علىى الابار النفطية وعلى انه يرغب في فرصة اخرى حتى يقوم بذلك. وتعهده بعدم إقحام الولايات المتحدة بحروب جديدة في الشرق الاوسط شيء مضحك عندما تكون نواياه الحصول على آبار النفط العراقية لان هذا يستدعي بالضرورة غزو البلد وإحتلالها الى فترة طويلة جدا.

من الواضح ان مبدأ ترامب يقوم على “تفوق البيض” يبدو انه متأثرا بالاصول الالمانية النازية الهتلرية ” تفوق الجنس الاري” على بقية شعوب وأعراق العالم وخاصة ذوي البشرة الملونة. ويكفي ربما ان نشير هنا الى محاولة تملص ترامب من عملية ادانة حركات ومجموعات اليمين المتطرف في امريكا في الحادثة التي وقعت في مدينة شارلوتسفيل في ولاية فرجينيا( 12 اغسطس 2017) حيث قام احد هؤلاء المتطرفين باستخدام سيارته لمداهمة مجموعة كانت تحتج وبشكل سلمي ضد مظاهرة للمجموعات المتطرفة التي تؤمن بتفوق الجنس الابيض وتطالب بعودة المهاجرين الى بلدانهم. وكان من نتيجتها ان قتلت احدى السيدات وجرح اكثر من 20 شخصا. وبالرغم من ان ترامب ادان عملية القتل ولكنه حمل المسؤولية للطرفين ورفض ان يحمل المسؤولية للطرف المعتدي. وليس سرا ان نسبة كبيرة من “القاعدة الشعبية” لترامب تتشكل من هذه المجموعات التي تؤمن بالتفوق الابيض وتمتلك الافكار الشوفينية والمتعصبة تجاه المهاجرين بشكل عام وخاصة ذوي البشرة السوداء او البنية او الصفراء, معتبرين انفسهم انهم هم الاصل متناسين التاريخ الاسود لبلادهم ضد سكانها الاصليين.

التركيز على ترامب وعدوانيته وعنصريته المفضوحة والمكشوفة للجميع بالرغم من محاولة البعض إيجاد المبررات لهذه التصرفات الرعناء ربما تبعدنا عن الجوهر وعدم المساءلة للنظام الامريكي ككل وعن الاسس والبنيان الذي قام عليها هذا النظام . ولا شك ان وسائل الاعلام الامريكية الرئيسية الى جانب الطبقة السياسية الحاكمة لا تريد منا نبش الماضي وبعض الحقائق التاريخية التي تدين هذا النظام وما نراه اليوم ليس الا امتداد بصورة أو بأخرى لهذا التاريخ المظلم ولو يأشكال مختلفة

وربما السؤال الذي من الجدير طرحه هنا هو إذا ما تناسينا الوقاحة والفجاجة والعنصرية في تصريحات ترامب ووضعناها جانبا هل يعتبر ترامب في السياق التاريخي للولايات المتحدة  أسوأ من الرؤساء السابقين؟ ما يجب ان ندركه هنا الى ان العديد من رؤساء الولايات المتحدة بما في ذلك ما يسمى الاباء المؤسسين جورج واشنطن وتوماس جيفرسون كانوا من أصحاب (مالكي) العبيد.

بالاضافة الى ذلك اليست الولايات المتحدة دولة امة تأسست من خلال إرتكاب مجازر جماعية ضد سكان القارة الاصليين من الهنود الحمر الذي ابيد منهم الملايين على يد المستوطنين البيض الذين اتوا من البلاد البعيدة واستوطنوا على السواحل في البداية هربا من الاضطهاد الديني في القرن السابع عشر وما تبعها من موجات استيطانية بعد ذلك؟ المستوطنين البيض لم يكتفوا بالعيش على  قطعة من الارض ومشاركة السكان الاصليين, بل عملوا على طرد وملاحقة وقتل السكان الاصليين ومصادرة اراضيهم. وللذين لا يدركون هذه الحقائق الرجوع الى تاريخ الولايات المتحدة والقارة الامريكية والعودة ربما ايضا الى الادبيات الامريكية للكتاب التقدميين من شعراء وكتاب مسرح وروايات أيضا.

جورج واشنطن أول رئيس للولايات المتحدة كان يعتبر السكان الاصليين “كذئاب ووحوش ولو بأشكال مختلفة –بمعنى ظهورهم بالشكل الانساني”. أما توماس جيفرسون فكان يتفاخر بالقول ” في الحرب سينجحوا في قتل عدد منا اما نحن فيجب ان ندمرهم عن بكرة ابيهم”. أما اندرو جاكسون وهو سابع رئيس للولايات المتحدة فقد كان يعتبر الشعب الاصلي بمثابة ” كلاب متوحشة” وكان يتفاخر بالحفاظ على مجموعة من فروة راس بعض الهنود الذين قتلوا على ايدي البيض. ولا بد من الاشارة هنا ان أفلام هوليود ولتشويه التاريخ الامريكي بينت من خلال افلام الكاوبوي ان الهندي كان يجز فروة راس المستوطن الابيض بعد قتله لاظهار ان الهنود شعب دموي وهمجي لتبرير المذابح والمجازر التي ارتكبت من قبل الرجل الابيض. بينما التاريخ يقول عكس ذلك بمعنى ان الكابوي هومن كان يجز فروة الهنود بعد قتلهم لينال مكافئة مالية لذلك بعدد فروة الراس التي يأتي بها.

اما ثيودور روزفلت الذي شغل منصب الرئيس 26 للولايات المتحدة فقد صرح في إحدى احاديثه العنصرية ” أفترض انني يجب ان أشعر بالخجل بأنني آخذ بوجهة النظر الغربية عن الهنود. انا لا اذهب الى حد الاعتقاد بأن الهندي الوحيد الجيد هو الهندي الميت, لكنني اعتقد ان تسعة من كل عشرة هم كذلك, ولا اود أن استفسر عن كثب في حالة العاشر. أكثر رعاة البقر شراسة لم مبدأ أخلاقي أكثر من المتوسط عند الهنود.”

هذه هي تصريحات البعض من الطبقة السياسية العليا الامريكية التي تتفاخر بها كتب التاريخ الامريكية التي تدرس في المدارس والتي يحاولون بها تزوير التاريخ الحقيقي لهذه الدولة العظمى الاستثنائية التي اراد لها الرب ان تحكم العالم وأن تضع وتسن القوانين والقيم ” الاخلاقية والانسانية” التي يجب على الدول الاخرى تبنيها والا فإن عقاب الرب سيضربها كما فعل في صادوم وعمورة على ايدي الدولة التي اختارها الرب لتكون يده الضاربة على الارض! هذا هو المنطق التي تتبعه أمريكا.”من ليس منا فهو علينا ويجب تدميره”.

اليوم تلاحق الاجهزة الامنية والاستخباراتية المهاجرين في الولايات المتحدة وخاصة اولئك الذين لا يملكون الاوراق الرسمية التي تمنحهم الاقامة ويزجون بهم في معسكرات بالالاف وفي ظروف إنسانية وصحية وبيئية متدنية هكذا كما كانوا يفعلون بالهنود الحمر من قبل يزجونهم في مثل هذه المعسكرات قبل عدة مئات من السنين قبل ترحيلهم الى مناطق اخرى. التاريخ يعيد نفسه ولو بأشكال مختلفة ليدلل على طبيعة النظام الامريكي وماهيته. والصحف مليئة بالوحشية التي تتعامل معها اجهزة الشرطة الامريكية مع السود بشكل ممنهج ويومي. وعلى سبيل المثال فققد اشارت إحدى التقارير ان 102 من السود الامريكيين قد قتلوا على ايدي الشرطة عام 2015 اي بمعدل شاببن من السود كل اسبوع. وتشير كل التقارير الى تزايد اعتناق “التفوق الابيض” بين شريحة من الامريكيين وهذا شهد نموا واضحا مع مجيء الرئيس ترامب وعلى ما يبدو هنالك تناغم بين الافكار التي يحملها الرئس ترامب وهذه الشريحة الاجتماعية.

ترامب هو إبن هذا النظام وهو يختلف عن غيره من الزعماء بانه المخلص والصادق والامين لهذا النظام والمتحدث العلني بإسمه في الوقت الذي يحاول البعض من الطبقة السياسية الحاكمة الامريكية الاختباء وراء اصابعهم في محاولة تضليل ليس العالم والراي العام العالمي بل لتضليل الشعب الامريكي بالدرجة الاولى الذي يدعى ويساق في غالبيته كالخراف والقطيع كما يقول الكاتب التقدمي الامريكي تشومسكي مرة كل اربعة سنوات للتصويت لممثل هذا النظام ومن ثم العودة الى البيت للجلوس امام التلفزيون لمزيد من سلخه عن واقعه الاليم ومزيد من تضليله.

الضوء الاعلامي عادة ما يسلط على الزعماء الذين يدعون دائما ان الولايات المتحدة هي بمثابة المنارة على التلة المرتفعة، وعلى انها الدولة والامة التي لا غنى للعالم والشعوب عنها, وهي الامة الاستثنائية التي تتطلع لها شعوب العالم كلما المت بهم مصيبة ومشكلة. ما يجب ان ندركه ان هؤلاء القادة وبغض النظر عما يراه البعض فيهم إنما هم يعملون ضمن وداخل النظام. وتاريخ الولايات المتحدة يبين ان هذا النظام ولد من استعمار استيطاني إحلالي وولد من رحم العنصرية. وهو نظام سخر إعلان الاستقلال باعتبار الهنود الحمر السكان الاصليين للارض على انهم وحوش وبالتالي اعطى المبررات لابادتهم والاستيلاء على اراضيهم واراضي  اجدادهم. وهو نظام قام على العبودية والان يقوم على العبودية المأجورة وعلى إقتصاد قائم على الحروب وزعزعة الاستقرار والامن في العديد من بقاع العالم كما هو الحال في منطقتنا.

نعم إن ترامب عنصري من اخمص قدميه الى شعر راسه ونعم انه لا يجد حرجا في إطلاق التصريحات التي تثير الكثيريين وتحرج الطبقة السياسية الحاكمة في امريكا التي تسارع الى إدانة هذه التصريحات كما حدث في الكونغرس الامريكي مؤخرا. ولكن حذاري من الوقوع في الفخ والانجرار وراء القول ان المشكلة تكمن في ترامب وإذا ما ذهب ترامب فإن الامور تكون قد حلت. إن المشكلة تكمن كما اوردت في جوهر هذا النظام وماهيته وتغيير الشكل لا ولن يغير من جوهره الدموي.

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. يا اخ ساجد إما ان تعلق تعليقا يستطيع الانسان ان يفهمه وإما عدم التعليق..لا ادري ما هو المقصود بهذه الكلمات نورنا يا اخي ممكن نكسب شيء جديد من حضرتك!!!!!

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here