الدكتور الياس عاقلة: معركة الأقصى و”الكرستال ناخت” الفلسطيني

 

الدكتور الياس عاقلة

الجبن الدولي وتواطؤ الدول الغربية في المشروع الإمبريالي الصهيوني، مصحوبا بخيانة بعض دول الخليج التي طبعت علاقاتها مع الكيان الصهيوني واستثماراتهم في الإقتصاد الإسرائيلي ، شجع إسرائيل بتصعيد  تطهيرها العرقي للفلسطينيين، لا سيما في منطقة القدس ، وسرقة منازل الفلسطينيين، وحملتهم الدينية العنصرية لاحتلال المسجد الأقصى الإسلامي  ثالث أقدس موقع إسلامي .

مباشرة بعد احتلال إسرائيل للضفة الغربية في عام 1967 ، دأبت إسرائيل على مصادرة الممتلكات الفلسطينية في مدينة القدس بشكل مستمر وعدواني باستخدام العديد مما يسمى بالقوانين الإسرائيلية غير الأخلاقية وغير الإنسانية ، ومن خلال استخدام وثائق مزورة مزعومة تدعي ملكية اليهود للأرض على الرغم من وجود وثائق عثمانية وفلسطينية وأردنية قديمة وحديثة تثبت ملكية الفلسطينيين للأرض . بدأت إسرائيل حملتها التدميرية بالهدم الكامل ومحو حي المغاربة ، عمره 770 عاما ، في حزيران/يونيو 1967 لبناء ساحة للمصلين اليهود المتطرفين ، مروراً بتدمير 100 منزل فلسطيني في حي البستان لبناء حديقة عامة للإسرائيليين فقط ، وحاليا محاولات طرد الفلسطينيين من الشيخ جراح  واحتلال بيوتهم من أجل توسيع المستعمرة الصهيونية غير الشرعية المجاورة.

ازدهر حي الشيخ جراح الواقع خارج مدينة القدس القديمة منذ عام 1956 عندما استقر فيه اللاجئون الفلسطينيون الذين تم طردهم جماعيا من بيوتهم ومن مدنهم في عام 1948 . ثم مباشرة بعد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين عام 1967 ، ركزت إسرائيل على عملية التطهير العرقي التدريجي للفلسطينيين من هذا الحي كجزء من مخططهم الرئيسي بطرد جميع الفلسطينيين من القدس لجعلها عاصمة إسرائيلية خالصة لليهود . قاوم الفلسطينيون هذا التطهير العرقي باللجوء إلى المحاكم الإسرائيلية المتحيزة ، كما ناشدوا الحكومة الأردنية على وجه التحديد والمجتمع الدولي بشكل عام للمساعدة . لكن بسبب عدم الإستجابة الحقيقية من الأردن وعدم استجابة المجتمع الدولي وبتشجيع من قرارات المحكمة الإسرائيلية اقتحمت عصابات المستوطنين الإرهابيين الإسرائيليين تحت حماية الشرطة الإسرائيلية حي الشيخ جراح في محاولة لطرد العائلات الفلسطينية واحتلال منازلها . وقد أدى ذلك إلى مواجهات عنيفة مع العديد من الفلسطينيين الشباب ، الذين جاءوا لحماية الحي . وجاء هذا الحادث أحد العوامل التي أشعلت فتيل المواجهة العسكرية الحالية.

والعامل الآخر هو استمرار الانتهاكات الدينية التلمودية المتطرفة المرعونة للمسجد الأقصى الإسلامي تحت حماية الجنود الإسرائيليين . حيث يقيم الجنود الاسرائيليون العدوانيون بشكل روتيني حواجز على جميع الطرق المؤدية الى القدس بشكل عام وعلى ابواب المدينة القديمة بشكل خاص أيام الجمعة لمنع الفلسطينيين المسلمين من الصلاة في المسجد الاقصى . وحتي انهم كانوا يقتحمون المسجد بشكل روتيني ويقصفون المصلين بالرصاص المغلف بالمطاط وبالقنابل الصوتية والدخانية لإخلاء المصلين رجالا ونساء وأطفالا من المسجد . وتهدف هذه الأساليب إلى إرهاب الفلسطينيين بعيدا عن المسجد حتى يتمكن المتطرفون التلموديون  الإسرائيليون الصهاينة من القيام برقصاتهم التلمودية الماجنة في باحات المسجد الاقصى بحرية ، وتحت حماية الجنود الإسرائيليين ، في خطوات أولية للاستيلاء التدريجي على المسجد كما فعلوا بالحرم الإبراهيمي في الخليل.

تزامن هذا الشهر ، شهر أيار/مايو ، مع شهر رمضان المبارك . شهر صيام وصلاة في جميع أنحاء العالم الإسلامي . من المعتاد أن يصلي آلاف الفلسطينيين المسلمين في هذا الشهر في المسجد الأقصى  ويقضون الليالي الأخيرة ، وخاصة ليلة القدر، داخل المسجد . وقد تزامنت ليلة القدر ، أيضا ، مع احتفال “يوم القدس” العالمي . في عمليات عرقلة صهيونية لهذه المناسبات ، أقام الجنود الإسرائيليون المزيد من الحواجز حول المدينة وداخلها لمنع الفلسطينيين من زيارة مدينة القدس . لكن مع ذلك تمكن عشرات الآلاف من المسلمين من الالتفاف على هذه الحواجز ووصلوا إلى المسجد.

بالإضافة إلى هذه الحواجز، نظمت المنظمات التلمودية المتطرفة ما أسمته مسيرة يوم القدس ، حيث كان من المقرر أن تسير جماعات متطرفة تلمودية مسلحة في شوارع المدينة لينتهي بها المطاف باحتفالها الروتيني بالرقص الديني الماجن في باحات المسجد الأقصى .

لحماية المشاركين في مسيرة يوم القدس التلمودية هذه ولتجنب أي صدامات بينهم وبين المصلين المسلمين  توجهت أعداد كبيرة من الجنود الإسرائيليين إلى المسجد الاقصى لإخلاء المصلين بالقوة باستخدام الهراوات والقنابل الصوتية والدخانية والرصاص المغلف بالمطاط وحتى الرصاص الحي في بعض الأحيان . وقد تجاهل معظم القادة العرب والمجتمع الدولي هذا الانتهاك الإسرائيلي الأرعن للمسجد على غرار العديد من الانتهاكات السابقة على الرغم من انتشار أنباء الانتهاكات في جميع أنحاء العالم . لكن لو حدث انتهاك ولو بسيط لمعبد يهودي لسمعنا صرخات تنديد صاخبة لهؤلاء المتملقين .

وقد دفع تزايد عدد الضحايا من المصلين المسلمين ، والانتهاكات الصارخة للجنود الإسرائيليين ضد قدسية المسجد الأقصى فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة إلى إصدار تحذيرات للحكومة الإسرائيلية لوقف هذه الانتهاكات والتطهير العرقي للفلسطينيين في حي الشيخ جراح .  وقد أمهلوا إسرائيل الوقت حتى الساعة السادسة من مساء يوم الاثنين 10 أيار/مايو لوقف اعتداءاتهم على المسجد الاقصى وعلي سكان حي الشيخ جراح قبل أن تقوم المقاومة بمعاقبة إسرائيل على هذه الجرائم .

وقد سخرت القيادة الإسرائيلية من هذا التحذير . إذ ماذا باستطاعة المقاومة الفلسطينية في غزة العمل خاصة  بعد 15 عاما من الحصار الخانق في سجن مفتوح في قطاع غزة ، دون أي موارد ،  خاصة بعد ما لا يقل عن ثلاث (2008/9، 2012 و 2014) عمليات تدمير شامل للقطاع من قبل الطائرات الحربية الإسرائيلية الإرهابية ، وبعد تجويع وتعطيش وتعريض الفلسطينيين الى جائحة كورونا ؟ ورغم ذلك ، فقد صُدم الإسرائيليون بشدة بإطلاق سبعة صواريخ على القدس الغربية المحتلة كتحذير خطير . لم يستجب الإسرائيليون إلى التحذير، بل أرسلوا طائراتهم لاستهداف الأبراج السكنية المدنية ومنازل المدنيين وحتى المساجد مثل مسجد قليبو متبعين تكتيكهم القديم الذي اتبعوه في غاراتهم السابقة ضد قطاع غزة .  فردت المقاومة الفلسطينية بإطلاق مئات الصواريخ ، ومؤخرا بطائرات انتحارية بدون طيار، فأصابوا المستعمرات الإسرائيلية غير القانونية المحيطة بقطاع غزة ، وأصابوا أيضا المدن الإسرائيلية الكبرى في الشمال والمناطق الإسرائيلية الوسطى بما في ذلك تل أبيب وحتى حيفا.

وأخيرا ، وبعد وقوع دمار على الطرفين ، اجتمعت الأمم المتحدة وحاولت إصدار بيان يدعو كلا الجانبين إلى تخفيف التصعيد ،  لكن إدارة بايدن عطلت هذه المحاولة مدعية أن مثل هذا البيان لن يساعد لأن “المواجهة ستتوقف قريبا”. أما بايدن ، الذي تشدق في الماضي بأنه صهيوني متأصل ،  فقد خرج علينا يصدح بالشعار العنصري الأمريكي غير الأخلاقي والمعتاد بأن “لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها” ،  متجاهلا الحقيقة التاريخية بأن الجماعات الإرهابية اليهودية الصهيونية هي الجناة والمستعمرين، وأن للفلسطينيين وحدهم حق  الدفاع عن النفس وفقا لقرار الأمم المتحدة رقم 3246 الذي يعطي الدول المظلومة الحق في تحرير نفسها من الاحتلال الأجنبي من خلال “الكفاح المسلح”. ومع ذلك ، ما الذي يتوقعه المرء من هذه الإدارات الأميركية التي تسيطر الصهيونية عليها بالكامل ، والتي تنفق أموال ضرائبها على الحملات الإرهابية الإسرائيلية بدلا من مساعدة الملايين من مواطنيها المشردين في العراء بدون أي مأوى .

لم يستمع بايدن إلى تحذيرات ونصائح 64 عضوا ديمقراطيا في مجلس الشيوخ مثل ماري نيومان من إلينوي ، ومارك بوكان من ويسكونسن ، وإلكسيندرا أوكاسيو كورتيز من نيويورك ، ورشيدة طليب من ميشيغان ، وإلهان عمر من مينيسوتا ، وبيرني ساندرز من فيرمونت ، وجاريد هوفمان من كاليفورنيا ، وألان لوينثال من كاليفورنيا ، وأندريه كارسون من إنديانا من بين آخرين كثيرين . ونصح أعضاء مجلس الشيوخ بايدن بإعادة النظر في المساعدات المالية (4 مليارات دولار في السنة) والمساعدات العسكرية غير المعلنة لإسرائيل.

“كريستال ناخت  “Kristall Nachtالفلسطيني

خرج الفلسطينيون ، مسيحيون ومسلمون ، في تظاهرات في شوارع كل مدينة وقرية فلسطينية في الضفة الغربية وكذلك في المدن التي احتلتها اسرائيل في 1948 .  كما خرج المواطنون العرب من الخليج الفارسي شرقا إلى الشواطئ الغربية لإفريقيا غربا ، كذلك خرج المواطنون الشرفاء من باكستان شرقا إلى إسبانيا غربا ، بما في ذلك معظم العواصم الأوروبية الكبرى ، وكذلك في مختلف المدن الكندية والمدن الأمريكية الرئيسية ، إلى الشوارع داعمين حق الفلسطينيين المشروع في الدفاع عن أنفسهم ، ومدينين الإرهاب العنصري الإسرائيلي . لكن من المؤسف أن فرنسا ، التي تدعي زعامة أوروبا في الديمقراطية وفي حماية حقوق حرية التعبير، ورائدة لحقوق الإنسان ، قد اعتقلت ناشطا فلسطينيا اتهمته بالتنظيم لمظاهرة شعبية . كما أعلنت فرنسا منعها لأي مظاهرة مؤيدة للفلسطينيين تحت حجة معادا السامية .

جُن جنون الإسرائيليين لرؤية كل هذه المظاهرات العالمية التي تدينهم خاصة تلك التي في شوارع جميع المدن الفلسطينية .  فقامت العصابات الصهيونية الإسرائيلية العنصرية التلمودية الإرهابية والمدججة بالسلاح أمثال عصابات “لا فاميليا” وعصابات “لا هافا” بالإعتداء على الأحياء الفلسطينية صارخين  كالذئاب بـ “الموت للعرب” ، وقاموا بحرق سيارات الفلسطينيين واقتحام ونهب وحرق محلاتهم التجارية والهجوم على منازلهم وشقق سكنهم ،  وضرب كل فلسطيني يصادفوه . وسائل التواصل الاجتماعي مليئة بهجماتهم الوحشية البغيضة على المدنيين الفلسطينيين تحت حماية الشرطة الإسرائيلية .

من الجدير إدراكه أنه لا يوجد مواطنون مدنيون يهود في دولة إسرائيل الإرهابية. فإسرائيل جيش إرهاب بُنيت له حكومة عسكرية . فكل يهودي إسرائيلي نساءً ورجالا إبتداء من سن المراهقة إلى الشيخوخة هم جنود في الجيش الإسرائيلي الإرهابي أُرسلوا من جميع أنحاء العالم الى فلسطين لاحتلال الأرض ، لقتل الفلسطينيين بشكل عشوائي ، للقيام بجرائم التطهير العرقي ضد المجتمعات الفلسطينية ، ولهدم  مئات القرى والبلدات والمدن الفلسطينية وتسويتها بالأرض ، ولسرقة المنازل والأراضي من أصحابها الفلسطينيين . هؤلاء اليهود الصهاينة هم أشد وأعتى المعاديين للسامية ،  فالفلسطينيين هم الساميين الحقيقيين الأصليين في حين أن هؤلاء اليهود الصهاينة من أعراق جنسية أخرى.

هجمات العصابات الإرهابية الإسرائيلية هذه على الفلسطينيين المدنيين وعلى ممتلكاتهم تذكرنا بهجمات ليلة الزجاج المكسور “كريستال ناخت Kristall Nacht” الألمانية ضد يهود ألمانيا ومحلاتهم التجارية . وقد قام الحاخمات التلموديين ورؤساء البلديات الإسرائيليين ، مثل رئيس بلدية اللد “يائير رفيفو” ، بتشجيع وإطلاق هذه العصابات الإرهابية الصهيونية المسعورة ضد المدنيين الفلسطينيين للتنفيس عن الكراهية التلمودية والنفسية لليهود ضد كل ما هو غير يهودي “الغوييم” وهم الفلسطينيين في هذه الحالة.

من الجدير بالذكر أنه خلال “كريستال ناخت Kristall Nacht” الألماني سارع هتلر ونائبه رودولف هيس بإرسال قوات الشرطة والجنود الألمان بأوامر استخدام جميع الوسائل الضرورية لقمع مثيري الشغب الألمان  ولحماية الممتلكات اليهودية وخاصة البنوك اليهودية ، التي كان أصحابها قد مولوه خلال حملته الانتخابية كما هو موثق في الأرشيفات الألمانية والبريطانية .

للأسف لا يملك الفلسطينيون من يحميهم من الإرهابيين الإسرائيليين  إلا أن يعتمدوا على بعضهم البعض للحماية . لقد تعلم الفلسطينيون في قطاع غزة هذا الدرس جيدا بعد ثلاث حروب إسرائيلية ضدهم بينما كان العالم كله يراقبهم يُذبحون بوحشية . وفي غضون سبع سنوات تمكن هؤلاء الفلسطينيون من بناء آلاف الصواريخ والطائرات الانتحارية بدون طيار من بين العديد من الأسلحة الأخرى ، وتمكنوا من الرد بالمثل على الإرهاب الإسرائيلي رغما عن ما يسمى جيشها الذي لا يقهر كما يتفاخر جميع القادة الإسرائيليين.

من الأفضل لهؤلاء المستعمرين الإمبرياليين التلموديين الصهاينة في فلسطين المحتلة أن يستفيقوا على حقيقة أن جيشهم ، الذي لا يستطيع مواجهة المقاتلين الفلسطينيين على جبهة غزة ، سوف ينهار بسرعة عندما تقوم جبهة المقاومة العربية الكاملة ، مقاتلوا فلسطين على جبهة غزة جنوبا ومقاتلوا «حزب الله» على الجبهة اللبنانية شمالا وربما مقاتلو سوريا أيضا ، سيشنون هجمات متزامنة ضد إسرائيل بآلاف الصواريخ الدقيقة ، وهذا ما سوف يحدث حتما في المستقبل القريب . وسيكون من الأسلم لهم أن يعودوا إلى البلدان التي أتوا منها هذا إذا استقبلتهم ، وإلا ربما ينبغي لهم الهجرة إلى حاميتهم المحبة ، الولايات المتحدة الأمريكية ، طالبين من إداراتها أن تخلق لهم وطنا على أرضها لتكون الولاية الثانية والخمسين .

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here