الدكتور أوس نزار درويش: سوريا وصندوق النقد الدولي وكيفية النهوض الاقتصادي للمرحلة القادمة

الدكتور أوس نزار درويش

من أهم الأسباب الحرب على بلدنا الغالية سوريا أن سوريا قبل هذه الحرب اللعينة كانت تعيش حالة اكتفاء ذاتي ووضعها الاقتصادي مستقر وتسير بخطى ثابتة نحو تحسين أوضاعها والأهم من هذا أنه لايوجد عليها ديون لأية جهة كانت ولم تتعامل قط لا مع البنك الدولي ولا مع صندوق النقد الدولي ومن أهداف هذه الحرب كان تدمير سوريا وإدخالها في حالة عجز اقتصادي مما يضطرها لأن تستقرض من البنك الدولي وهذا ماتجلى بتقديم العروض والمغريات الكثيرة لسيادة الرئيس القائد بشار الأسد من قبل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي عروض القروض وبمبالغ كبيرة منذ سنة ألفين وثلاثة عشر إلى الآن لكن السيد الرئيس رفض كل هذه العروض وهو ما أشار إليه الرئيس في إحدى مقابلاته.

لقد أدرك سيادة الرئيس خطر البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وأي اتفاقيات تبرم معها على استقلال البلاد ولأن الفوائد المفروضة على القروض المالية بموجب هذه الاتفاقيات ستؤدي حتما إلى وقوع البلاد في براثن دائنيها وإن مثل هذه القروض ستكون استعبادا لكل أفراد الشعب لأن تسديدها لن يكون إلا بفرض مزيد من الضرائب يدفعها المواطنون جميعا والرئيس أدرك الخطر من خلال أنهم سيتدخلون في كل شؤوننا الداخلية وحتى الخارجية وهذا واضح الآن بالفعل فلننظر لكل التنازلات المشينة التي تقدمها المغرب وتونس والأردن مقابل قروض البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إن أهداف صندوق النقد الدولي والبنك الدولي هي فرض سياسة واستعمار اقتصادي على الشعوب النامية وبالذات الشعوب العربية وإفقار الشعوب من خلال إجبار الحكومات على رفع الدعم عن المواد الأولية وزيادة أسعار المحروقات وزيادة الضرائب على المواطنين بشكل جنوني مما يؤدي إلى زيادة معدلات الفقر والبطالة وهذا ما رأيناه مثالا متجليا في الأردن حيث إجراءات صندوق النقد الدولي أدت إلى إفقار الشعب وتجويعه.

وصندوق النقد دائما ما يطلب ضمانات لتسديد القروض والتدخل حتى في الأمور الداخلية والأخطر من هذا أن صندوق النقد الدولي يفرض على الدول التي تقترض منه أن يسمح للشركات متعددة الجنسيات أن تعمل داخل البلاد مما يؤدي إلى اختراق هذه البلدان وتوجيه سياستها الداخلية والخارجية وبالتالي استعمارها بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى بمعنى بسيط إن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي يشبهان المرابون في العصور القديمة الذين لا ينقذون المشاكل المالية وإنما يمنحون قروضا تساعد على تأجيل هذه المشاكل وترحيلها لكي تتفاقم وتصبح الحكومات وشعوبها أسيرة للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي وهذه هي طريقة اليهود الصهاينة في العمل الاقتصادي في السابق وحاليا يشغلوها تحت اسم البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

ويكفي أن نعرف أن الملاك الحقيقيين للبنك الدولي ولصندوق النقد الدولي هم عائلة روتشيلد الصهيونية المتطرفة إن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يهدفان لجعل الدول التابعة لهم تطبق النيوليبرالية الاقتصادية المتوحشة والتي تمثل تأييد الرأسمالية المطلقة وعدم تدخل الدولة في الاقتصاد ونحن الآن نعيش آخر مراحل هذه الحرب الارهابية الصهيونية الوهابية على بلدنا  سوريا وعلى وشك بالبدء بإعادة الإعمار وإعادة النهوض ببلدنا الحبيب ولتطبيق هذا الأمر يجب أن يكون لدينا خطة وسياسة اقتصادية واضحة والنظام الاقتصادي الذي في رأيي يجب أن يعاد تطبيقه في بلدنا هو اقتصاد السوق الاجتماعي ربما يجادلني البعض أنه كان مطبق قبل الأزمة ولكني أرد أنه صحيح أقر تطبيقه وتبناه المؤتمر القطري لحزبنا حزب البعث العربي الاشتراكي في عام ألفين وخمسة لكن المشكلة أنه لم يجري تطبيقه بشكله الصحيح لا بل طبق بشكل خاطئ وهذا يعود بسبب الحكومة التي كانت آنذاك والفريق الاقتصادي على وجه الخصوص الذي تبين أنه يعمل ضد مصالح البلاد وهدفه إفقار البلاد وتخريبها.

وهنا أخص بالذكر النائب الاقتصادي  آنذاك وفي الواقع إني أفضل اقتصاد السوق الاجتماعي لأنني أعتبره النظام الاقتصادي المحدث والمطور عن النظام الاقتصادي الاشتراكي البحت الذي هو مطبق في بلدنا فاقتصاد السوق الاجتماعي يتبنى اقتصاد السوق ولكنه يرفض الشكل الرأسمالي المطلق كما يرفض أيضا الاشتراكية الثورية حيث يجمع القبول بالملكية الخاصة لوسائل الانتاج والشركات الخاصة مع ضوابط حكومية وإشراف حكومي على وسائل الانتاج وهذا مايؤدي لتحقيق منافسة عادلة وتقليل التضخم وخفض معدلات البطالة وتوفير فرص العمل بشكل كبير وتوفير الخدمات الاجتماعية فاقتصاد السوق الاجتماعي يحترم السوق الحر ويعارض الاقتصاد المنظم حكوميا.

كما يعارض الرأسمالية المطلقة التي لاتسمح للدولة التدخل في السوق والاقتصاد مطلقا فهو يشكل حالة توازن وحل وسط بين الرأسمالية والاشتراكية وهذا النظام الاقتصادي أول من طبقه المستشار الألماني أديناور بدروين بعد الحرب العالمية الثانية وقتها كانت ألمانيا مدمرة بشكل كامل وبعد فترة قصيرة بدأ الانتعاش الاقتصادي في ألمانيا إلى أن وصلت إلى النجاح الاقتصادي الباهر وأصبحت ألمانيا معجزة اقتصادية حقيقية وأيضا هذه الخطة الاقتصادية طبقت في الصين فالصين كانت تتبع في السابق سياسة اقتصادية شيوعية ماركسية بحتة مما أدى لإفقار الشعب وتراجع البلاد حتى استلم دينك هسياو بينك رئاسة الصين وطبق خطة اقتصاد السوق الاجتماعي ولننظر الآن كيف أصبحت الصين من أعظم القوى الاقتصادية إن لم يكن أعظمها في العالم وأيضا هذه الخطة طبقها مهاتير محمد رئيس الوزراء الماليزي في ماليزيا في الثمانينات وحول ماليزيا من دولة فقيرة ومعدمة إلى نمر آسيوي وعملاق اقتصادي كبير.

لهذا أرى أن نظام اقتصاد السوق الاجتماعي هو النظام الاقتصادي الأمثل للتطبيق في بلدنا سوريا في المرحلة القادمة بشرط أن يطبق بشكله الصحيح على يد خبراء ومسؤولين اقتصاديين وطنيين وأن نستفيد من أخطاء الماضي وخاصة أننا قادمين على فترة إعادة الإعمار ولكن قبل إعمار الحجر علينا أن نقوم بإعمار العقول والمفاهيم والايدلوجيات

 كاتب وباحث سياسي عربي سوري وأستاذ جامعي

Print Friendly, PDF & Email

9 تعليقات

  1. كل الشكر للدكتور أوس
    الرؤية باتجاه الاقتصاد السوق الاجتماعي كسياسة اقتصادية تتبناها الحكومة السورية مهم جدا لان الدولة يجب ان تبقى في مكانها كدولة راعية لمصالح الشعب وتتحمل مسؤولياتها من هذا المنظور.
    سورية كنظام اقتصادي مكتف و جيش قوي يحمي الدولة هي المستهدفة.
    لم يعد مسموحا لدولة ذات سيادة سياسية واقتصادية ان تبقى في ظل التحولات الاقتصادية التي حولت الحكومات الى راعية لرأس المال (( الحاكم الفعلي)) نتيجة تدخل صندوق النقد الدولي و غيره لوضع الحكام والرؤساء الذين يخدمون هذه الرؤية.
    الشعب هو مصدر القوة الحقيقية وانتصر الشعب في سورية وانتصرت ارادته ممثلة برئيس ودولة تحمي مصالح سورية اولا وأخيرا.

  2. المشكلة الكبرى أن بلداننا العربية والإسلامية بشكل عام باستثناء ماليزيا وسنغافورة وإيران هي اقتصادها اقتصاد ريعي بالمقام الأول فبلداننا ليست بلدان صناعية فحتى ننتطور يجب أن نصبح بلدانا صناعية وهذا ممكن

  3. نتمنى أن تكون قد أشرت أن السبب الأساسي للتخلف الاقتصادي في سوريا هو الفساد وعدم وضع الرجل المناسب في المكان المناسب

  4. نتمنى أن تكون قد أشرت أن السبب الأساسي للتخلف الاقتصادي في سوريا هو الحكومات المتعاقبة الفاسدة وعدم وضع الرجل المناسب في المكان المناسب

  5. مقال مهم يبين الطريقة الأمثل للنهوض الاقتصادي في بلداننا شكرا لمعلوماتك دكتور

  6. اقتصاد السوق الاجتماعي هذا النظام الاقتصادي يوازن بين الاشتراكية والرأسمالية في آن واحد ويحقق المواءمة بينهما وهو النظام الاقتصادي الأمثل للدول النامية

  7. اقتصاد السوق الاجتماعي هو نظام اقتصادي يتبنى اقتصاد السوق لكنه يرفض الشكل الراسمالي المطلق كما يرفض أيضا النظام الاقتصادي الاشتراكي الثوري أي بشكل مبسط هذا النظام الاقتصادي يوازن بين الاشتراكية والرأسمالية في آن واحد ويحقق المواءمة بينهما وهو النظام الأمثل للدول النامية

  8. أشكرك دكتور أوس درويش على هذا المقال فيما يخص سورية وهي الان تجابه اعتى الدول لاخضاعها واخضاع شعبها الصامد .
    نعم اقتصاد السوق الاجتماعي اذا طبق في سورية بشكله الصحيج وواكب مسيرة الاعمار ستشهد سورية بعد تنظيفها من الارهاب العالمي ومن مؤثرات داعميه ستشهد نهضة اقتصادية كبيرة تجعل من سورية بلدا متطورا ينهض كطائر الفينيق . والحديث هنا يطول …
    بوركت جهودكم دكتور أوس

  9. مازالت فكرة اقتصاد السوق الاجتماعي غير مفهومه بل وجديده على كثير من القراء. هل بالامكان توضيح وشرح الية هذا الاقتصاد بشكل مبسط اكثر ليكون القارئ العربي على اطلاع اكثر؟ مع الشكر والتقدير

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here