الدعاية والرقابة سلاحان استراتيجيان في الحرب العالمية الاولى

33333333333333

باريس-  (أ ف ب) – عرفت الدعاية المترافقة مع الرقابة انطلاقة باهرة ابان الحرب الكبرى لتصبح سلاحا استراتيجيا حقيقيا لاثارة حمية الشعور الوطني وشيطنة العدو وتحصين معنويات القوات.

ويمكن في هذا الاطار قراءة عبارة “جثث الالمان تفوح منها رائحة اسوأ من جثث الفرنسيين” في صحيفة لوماتان الصادرة في 14 تموز/يوليو 1915 . او “الالمان يطلقون النار بشكل سيء جدا ومنخفض جدا”.

وقال المؤرخ جان ايف لوناور الاخصائي في الحرب العالمية الاولى لوكالة فرانس برس “الكذبة الوطنية افضل من الحقيقة المباشرة المريعة للحفاظ على معنويات البلاد والسيطرة على الرأي العام. انه حساب السلطات التي تحث الصحافة على اللعب على وتر الوحدة الوطنية”.

وفي جميع البلدان تحكمت الدعاية بالاعلام من خلال مقالات افتتاحية نارية وكتابات قومية وبيانات هيئة الاركان المعلقة على الجدران واللافتات والاناشيد والقصص المصورة والصور او الرسوم الكريكاتورية. واصبحت اقلام الصحافيين والكتاب والمفكرين وريش الرسامين اسلحة حرب، وكذلك صور الجبهة التي تلتقطها الجيوش او السينما الحديثة العهد في تلك الاونة.

واكدت البيانات ان الحرب ليست دامية فعلا الا للعدو. ولكثرة قراءة ان قوات القيصر مؤلفة من جبناء وجياع يستسلمون لقطعة خبز، استحدث الجنود الفرنسيون الذين يعرفون حجم اعدائهم عبارة “حشو الدماغ” او “الدعاية المركزة”.

وازدهرت ايضا اللافتات التي تشيد بالمجهود الحربي. في العام 1916 كتب على لافتة ثاني قرض للدفاع الوطني “من اجل فرنسا اعطوا ذهبكم” وفي المانيا ناشد خيال يرعب العدو برمحه “شاركوا في سادس قرض حربي”.

كذلك كبار المفكرين لم يبقوا في منأى عن المجهود الحربي. فكتب الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون في اب/اغسطس 1914 “ان الصراع الذي بدأ ضد المانيا هو صراع الحضارة ضد البربرية”. ورد عليه الخبير الاقتصادي الالماني فرنر سومبارت “ان الالمان سيشهدون حكما نصر قضيتهم، انه نصر للحضارة”.

وانشأ جميع المتحاربين مكاتب دعاية ورقابة.

في فرنسا اقيم المكتب الرسمي للرقابة في 30 تموز/يوليو 1914 قبل يومين من اعلان التعبئة. ورسميا بقيت الصحافة حرة لكن طلب منها عدم تقديم اي معلومات تخدم العدو.

وفي تشرين الاول/اكتوبر 1914 انشىء في المانيا المكتب المركزي للرقابة. وفي تموز/يوليو 1917 تولت القيادة العسكرية العليا السيطرة على الدعاية الموجهة الى الجنود والقواعد الخلفية. وعين ضباط دعاية في كل فرق الجيش.

وفي ايطاليا تأسست وزارة للدعاية اواخر العام 1916، لكن حتى هزيمة كابوريتو (تشرين الاول/اكتوبر 1917) لم يكن هناك اي رقابة فعلية.

وغالبا ما كانت تتم غربلة رسائل الجنود لتشطب منها الفقرات التي كانت تعتبر طائشة. واكد جان ايف لوناور “انها كانت بالاحرى مجرد رقابة على البريد. لم يكن الهدف محو افكار الجنود بل معرفة ذهنيتهم. انه اشبه باستطلاع للراي”.

كذلك حظيت “صحف الخنادق” التي ظهرت اعتبارا من 1915 على جانبي الجبهة بدعم الهرمية العسكرية. وتلك المنشورات التي اتسمت غالبا باسلوب هزلي اعدها الجنود بما توفر لديهم من وسائل، وبلغ عددها خمسمئة في الجانب الفرنسي.

وفي القاعدة الخلفية كان القيمون على الرقابة يزورون المسارح والكاباريهات وقاعات الموسيقى لمطاردة المؤيدين للسلام والمنحرفين والانهزاميين. وكانت الاغنيات الشعبية اكثر خضوعا للرقابة.

وركز الموضوع الرئيسي للدعاية على المانيا “غير الاخلاقية والوحشية” وعلى “فظاعات” قواتها”.

وفي المانيا ركز الموضوع الرئيسي للدعاية على جيش الرايخ الذي لا يقهر في وجه العالم اجمع.

واوضح لوناور “ان فرنسا وصفت بالمنحطة والمنحلة”. واغرق الشعب بصور تشوه العدو قبالة العملاق الالماني. والعدو الحقيقي بالنسبة لالمانيا كان انكلترا التي حاربت عبر الفرنسيين.

اما في الجانب البريطاني فان الدعاية ركزت خصوصا على تجنيد متطوعين. وبدأ التجنيد في 1916. واعدت اللجنة البرلمانية المختصة بشؤون التجنيد عددا كبيرا من اللافتات مثل لافتة الجنرال كيتشنر الشهيرة “بلادكم بحاجة لكم”.

واستثمر مكتب الدعاية البريطانية ايضا نسف السفينة لوزيتانيا بغواصة المانية لتأليب الرأي العام الاميركي لكفة الحلفاء.

لكن في البلدان المحايدة ساد “صراع حتى الموت بين الدعاية الالمانية ودعاية دول المحور، بين المؤيدين للانخراط والمعارضين له” على ما قال لوناور. وجندت اللجنة البريطانية للصحافة المحايدة العديد من الكتاب والرسامين فيما انفق الرايخ ثروات طائلة وصلت الى حد رشوة صحافة الدول المحايدة. لكن المؤرخ لفت الى ان المانيا خسرت الحرب على جبهة الدعاية.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here