الدساتير ليست كتبا مُقدسة… ولا تُكتب بالأقلام وتُداس بالأرجل

وجيدة حافي

الدستور نبراس الحياة السياسية، الحاكم بين علاقة الدولة بالفرد يُعدل ويُغير، لحاجات وضرورات أول دستور فرنسي دخل حيز التنفيذ كان في الثاني من أكتوبر من سنة 1958، بعدها بسنة ونصف طاله التعديل ، ثالث تعديل له كان من مُخالفة ، في إحدى السنوات عُدل ثلاث مرات ، التعديل الأخير كان في 23 يوليو 2008 طال 36 مادة وكان التعديل الرابع والعشرون في تاريخ فرنسا ، حاليا فيه تعديلات موجودة قيد المُناقشة لإسقاط الجنسية عن الإرهابيين الفرنسيين، وكذلك حالة الطوارئ لمُواجهة الإرهاب الأسود ، في الولايات المُتحدة الأمريكية عُدل 22 مرة، مصر أرض الكنانة عشرة مرات بدء من ثورة 1923 ثم بعدها جاءت حركة 1952 ، لتليها سنوات 1953، 1956، في سنة 1958 أُسس دستور الوحدة مع سوريا ، فُكت الوحدة وجاء دستور 1962 ثم 1964 ، دستور 1971 القائم والمعمول به ، ثورة الإخوان 2012 ، 2014 واحد جديد بعيد عن الأخونة والإسلام السياسي، والان مصر ستُراجعه وتُغير بعض بنوده لصالح السيسي الذي على ما يبدو ستُمدد له الفترات الرئاسية ليبقى أطول فترة في الحُكم، فهو في نظر البعض الرجل الخارق الذي سيُخرج مصر من غُبنها ومُعاناتها، أرض المليون والنصف مليون شهيد كذلك  شهد كثير من المُتغيرات، فبعد الإستقلال مُباشرة وحسب المادة 62- 157 التشريعات التي كانت موجودة في الحقبة الإستعمارية تبقى سارية المفعول ما عدا تلك التي تتعارض مع سيادتنا إلى حين إنجاز قوانين جزائرية ، بعدها في الثامن من سبتمبر 1963 وبناء على الجمعية التأسيسية جاء أول دستور جزائري بحت، صحيح صاحبته عدة خلافات مما أدى بأحمد بن بلة أول رئيس جزائري في التاسع عشر من أكتوبر 1963 وتطبيقا للمادة 59 من الدستور إلى تغييره ، فهذا الأخير لم يُعمر طويلا ،التاسع عشر جوان 1965 الرئيس هواري بومدين إنقلب على بن بلة وتوقف نهائيا العمل بدستور 1963، في السابع من جويلية من نفس السنة صدر أمر بمنح مجلس الثورة بمُمارسة كل الصلاحيات التشريعية والتنفيذية في إنتظار واحد جديد ، ففي الفترة المُمتدة ما بين جوان 1965 إلى نوفمبر 1976 كان مجلس الثورة هو المُشرع الوحيد وشهد غياب البرلمان وقتها، 19 جوان 1975 الرئيس هواري بومدين رحمه الله يعود إلى الشرعية الدستورية ، توفي الرئيس وحدث ما حدث وعاشت الجزائر فترة رهيبة دموية وتغيرات على كل المُستويات، فالرئيس الشاذلي بن جديد لما جيء به إلى الحكم غير كل المفاهيم السياسية والإقتصادية وكان من أهم ميزات دستور 1989 أنه أقر بالملكية الخاصة وحرية المُبادرة الفردية، شجع وشرع التعددية الحزبية وتراجع عن سياسة الحزب الواحد، وأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات، دستور 1996 حدد العُهدة الرئاسية بمرة واحدة وأنشأ مجموعة من المِؤسسات كمجلس الأمة والمحكمة العُليا للدولة ومجلس الدولة، كذلك كرس الرقابة الدُستورية وذلك من خلال تفعيل دور المجلس الدستوري

    جاء الرئيس السابق بوتفليقة والذي لم يُعجبه دستور 1996 فعدل ما عدل وكانت سنة 2002 الإنطلاقة حيث رقى اللغة الأمازيغية كلغة وطنية بعد العربية، في 2008 كان التعديل الأكبر والأسوء لأنه أعطى للرئيس الحق في الترشح لعهدات أُخرى ، الخامس عشر أفريل 2011 الرئيس السابق بوتفليقة أعلن عن دستور جديد ، وهكذا بقينا نُعدل ونُغير إلى أن جاء الرئيس تبون وقرر هو الأخر تعديلا شاملا للدستور السابق، عين لجنة خبراء تتكون من أساتذة للدراسة التقنية ووضع بنوده لعرضه على البرلمان ثم الإستفتاء، إجتمع بسياسيين ورؤساء أحزاب للتشاور والأخذ بالنصيحة والرأي الاخر، فعرضه على برلمان الأمس يعني عدم تخلصنا من تبعيات الماضي وبقاؤنا دائما مع رجال شائوا أم أبوا يُعتبرون من بقايا النظام السابق بسلبياته وإيجابياته، فالأفضل لو دعا الرئيس إلى إنتخابات برلمانية وغير فيها الوجوه القديمة بأُخرى جديدة ثم شرع في تعديل دستوره، ضف إلى ذلك فالدستور الذي يُعرض للإستفتاء يكسب أكثر شرعية أكثر من ذلك الذي يناقشه البرلمان

     بنود الدستور أو ما ستخرج به علينا اللجنة المسؤولة عن كتابة قوانينه، نقطة مهمة وحساسة لذا وجب مُراعتها ودراستها جيدا قبل أن تُعرض  للشعب ، فمثلا قضية اللغة الأمازيغية والتي أقرها الرئيس السابق دون العودة للمواطن، فهذا الأمر مُهم ومُناقشته ليس بالأمر الهين، لأن هناك من يعتبر هته اللغة مُجرد لهجة مثلها مثل الشاوية والتُرقية والحسانية، وإدراجها كلغة رسمية يتطلب وقتا وتأني كبير، فالجزائر دولة ب أكثر من 48 ولاية، ليس كلهم مع تدريس وإعتبار الأمازيغية لغة رسمية، لهذا أتمنى أن يُعرض هذا الأمر لإستفتاء وحده وبعيدا كل البُعد عن الدستور، فهذه القضية حساسة وتجاوزها وعدم إعطائها حقها سيثير كثير من اللغط، كذلك الهيئة القضائية وحريتها وعدم تقيدها كما في السابق من الأمور الجدية والهامة، لأنه لو كان القضاء مُستقلا في الماضي لما حدث الذي حدث وتهرب عديد المسؤولين الكبار من المُحاسبة والوقوف أمام العدالة، أي الأنظمة الرئاسية التي سينتهجها السيد تبون؟ هل ستكون رئاسية مائة بالمائة وهنا سنرجع إلى نقطة الصفر، أم شبه رئاسية، أم برلمانية ؟ فعلى ما يبدو أن الرئيس الجديد جاد في عمله و ما إعلانه تقاسم المسؤولية مع الوزير الأول إلا دليل على طبيعة المرحلة القادمة والتي ستكون شبه رئاسية، وستُقلص من صلاحيات الرئيس، طبعا المُهمة لن تكون سهلة للسيد الرئيس لأنه وعد” ووعد الحر دين عليه” فهل سيكون الرئيس الحالي مثل البقية أم سيختلف عنهم شكلا ومضمونا، هي الأيام والسنوات الخمس الكفيلة بإعطائنا جوابا لهذا السؤال، وعلى العُموم فالرئيس لحد الان في المسار الصحيح، يكفي فقط أن يهتم ببعض النقاط التي جاء بها قانون المالية 2020، فللأسف هذا الأخير جاء بضرائب كبيرة للمُواطن والشركات، ولن يخدم الجبهة الإجتماعية المُشتعلة والتي تنتظر عود ثقاب لتلتهب وتنتشر إنتشار الداء في جسم الإنسان، في الأخير نختم بمقولة للشيخ نحناح رحمه الله ” كتابة النصوص بالأحلام والدوس عليها بالأرجل” طبعا نتمنى الخير للبلاد والعباد، وأن يكون الدستور القادم في خدمة المُواطن وإنشغالته، له لا عليه،  وبالتوفيق لرئيسنا الجديد والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

كاتبة من الجزائر

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. ____ نأمل با أستاذة حافي وجيدة أن يكون الدستور الجديد خال من ثغرات أو عثرات .. مع ضرورة إضفاء بعض مواده المتعلقة بالثوابت الوطنية ، صفة ’’ مقدسة ’’ لا تقبل التعديل أو التغيير . و لما لا دستور يقرأ جيدا المستقبل . الدستور ليس موضة صيفية .

  2. و لكن سيدتي مادام الدستور ليس مقدسا فلا عيب ان يداس بالارجل
    ه\ه مشكلنا سيدتي في فهم الدسور و القانون
    كان من الواجب ان يكونا مقدسيين حتى لا يفكر احدنا بالدوس غيهما

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here