الخوف والترقب يغلفان حياة اللاجئين السوريين في تركيا

أيهم الطه

انقضت تلك الفترة التي كان السوريون يحسون فيها بالأمان في بلدان لجوئهم المحيطة بسوريا (تركيا -لبنان -الأردن ).

وحيث تغيرت اغلب المعطيات في المنطقة (سياسيا،وعسكريا فلا’’ أنصار ولا مهاجرون ’’ ولا ما يحزنون وبقيت حقيبة السفر و القلق مما سيحمله الغد .

لاشك ان الحكومة التركية قدمت الكثير للسوريين وهي مشكورة على ذلك لتوفير ملاذ آمن لهم بعيدا عن النزاع المستمر في بلادهم لكنها مطالبة بالحفاظ على حقوقهم وحرياتهم وحمايتهم وهذه واجبات الدول المضيفة تجاه الضيوف .

وهنا لا ينكر أحد الأعباء التي تحملتها حكومة العدالة والتنمية والمساعدات التي قدمها الشعب التركي و الضغوط التي واجهتها الدولة التركية بسبب هذا العدد الكبير من اللاجئين وهو أمر مقدر ومحمود ومشكور من قبل الجميع لكن ماذا بعد ؟!.

السوريون الذين دخلوا الى الأراضي التركية تحت مسمى (ضيوف) وهو مصطلح لا يمتلك تعريف قانوني محدد ثم أصبحوا تحت بند الحماية المؤقتة وهي تخريجة قانونية فيها الكثير من الغموض و لا تبين حقوقهم وحدود حمايتهم بشكل واضح وتترك المجال أمام اتخاذ القرارات المتعسفة بحقهم.

وحيث كان يفترض إنسانيا وقانونيا الامتناع عن إعادة اي لاجئ الى منطقة نزاع فر منها، لكن الأنباء التي حملتها الأيام القليلة الماضية من ولاية إسطنبول وعدد من الولايات التركية كانت تتحدث عن مئات اللاجئين إلى مناطق غير مستقرة على الشريط الحدودي.

وتقدر الإحصاءات الرسمية التركية عدد السوريين ب3,5 مليون نسمة موزعين على عدة ولايات يأتي في مقدمتها ولايتي اسطنبول و شانلي اورفا التي تضم أكبر عدد من السوريين.

وقد شهدت إقامة السوريين في تركيا العديد من المشاكل والمصاعب والتوترات سواء بالنسبة لهم أو بالنسبة لمضيفيهم الأتراك، وهذه الأحداث تحتمل الأخذ والرد، في نسبة تحمل السوريين جزء منها، لكن الأكيد أنهم كانوا عنصرا فاعلا ومنتجا في المجتمع التركي وقد أسهموا في الحركة الثقافية والاقتصادية في تركيا بشكل واضح رغم قصر فترة اقامتهم فيها نسبيا التي لم تتجاوز 9 سنوات وهو أمر يحسب في صالح السوريين الذين تمكنوا من الاندماج في مجتمع غريب عنهم و التحول الى جزء فاعل فيه.

لاشك ان أغلب السوريين يرغبون في العودة الى وطنهم الأصلي في حال توفر الظروف المناسبة لذلك لكنهم حتى اليوم لا يشعرون بتوفر الأمان الكافي لهذه العودة في ظل نزاع مستمر داخل سوريا.

كما لاشك ايضا أن الشعب التركي قدم الكثير للسوريين وساعدهم مشكورا، لكن المناكفات السياسية الداخلية في تركيا جعلت من السوريين مادة اعلامية دسمة الى درجة وصلت ببعض الجهات السياسية والإعلامية للتحريض عليهم والتحشيد ضد بقائهم نكاية بحزب العدالة والتنمية.

التوتر والتظاهرات ضد السوريين لم تقتصر على مناطق معينة فقد حدثت في ولايات كبرى مثل اسطنبول التي قيل انها ضاقت ذرعا بهم وهي تضم 25 مليون نسمة في حين لا يتجاوز تعداد السوريين فيها في افضل الاحوال 1,5 مليون على حد زعم بعض الجهات المعارضة في حين تشير التقديرات الرسمية الى وجود حوالي 500 الف سوري مسجلين بشكل رسمي وتقدير حوالي 500 الف سوري غير مسجلين في اسطنبول سواء ممن لايحملون بطاقة الحماية المؤقتة او من القادمين من ولايات أخرى بغرض العمل، وايضا شملت ولايات أخرى مثل شانلي اورفا وغازي عينتاب وغيرها .

لكن اللغط الذي حدث في إسطنبول عقب الإنتخابات البلدية الأخيرة في 31-اذار /مارس 2019 و جولة الإعادة في اسطنبول في 23 حزيران 2019 دفع بالوجود السوري فيها الى الواجهة وجعله بيضة القبان في تحديد نتائج الانتخابات البلدية التي كانت بعض شعاراتها تدعوا الى طرد السوريين بشكل صريح ومباشر من تركيا، وهو ما زاد في خوف السوريين و توجسهم حول مصيرهم والحماية المقدمة لهم .

تحمل القرارات التركية بخصوص السوريين الكثير من التقلب واحيانا التخبط بسبب الظروف الداخلية التركية والتغيرات التي طرأت على المشهد السياسي في بلد أصبح فيه التوتر شئ ملحوظ بين الناس والقلق حول صوابية قيادتهم و ابتعاد الرؤية في قمة الهرم عنها في قواعده وبين المشاركين في الحكم أنفسهم وهذا ما عكسته نتائج الانتخابات البلدية الأخيرة في مدن رئيسية مثل (انقرة، اسطنبول, ازمير ) التي أوضحت تغير الخارطة السياسية و وجود تململ شعبي من السياسة المتبعة، ومن إرتفاع معدلات البطالة وحالة جزئية من الكساد، وايضا اختلافات داخل الحزب الحاكم ذاته دفعت بعض اعضائه للاستقالة .

وفي حين تواجه تركيا ضغوطا متزايدة من الداخل السياسي والشعبي تتعلق بالحقوق والحريات و الأوضاع المعيشية والتدهور الإقتصادي و الخلافات في الرؤية والتصرفات الاقتصادية والقانونية والسياسية والسوريون بعيدون عنها فهي شؤون تركية خالصة بين الحكومة وشعبها و السياسات الحزبية و أيضا ضغوط خارجية من الولايات المتحدة الأمريكية و الإتحاد الأوربي موجهة الى عدة ملفات أساسية لا دخل للسوريين بها وهي التقارب التركي مع المحور الشرقي (الروسي -الصيني – الأيراني )، وملف الأزمة القبرصية وتداعيات المطالبة بالحقوق التركية في ثروات البحر المتوسط قبالة سواحلها و ايضا ملف العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية و الخلاف التركي (السعودي -الإماراتي )، والانتشار التركي العسكري في بعض مناطق افريقيا والخليج العربي وكلها ملفات لا تمس اللاجئ السوري في تركيا بصلة .

 إلا أن السوريين وجدوا انفسهم اداة لاثبات الجدية السياسية، والولاء الوطني في تركيا، وتحولوا الى مكسر عصا لدى كل من الحزب الحاكم الذي يحاول إرضاء جمهوره وايضا لدى المعارضة التي ترى فيهم ورقة ضغط قوية ضد الحزب الحاكم هكذا ودون اي ذنب اصبح السوريون مسؤلين عن كل شئ في تركيا من هبوط قيمة العملة وحتى ارتفاع معدلات البطالة، ليصبح اللاجئ السوري مسؤول عن كل المصائب والمشاكل في تركيا، بل وسيل من التهم التي تبدأ بتغيير القيم الإجتماعية التوزع الديمغرافي ولا تنتهي بالإستحواذ على مناطق وتغيير طابعها العام وهي تهم يسهل تفنيدها و تبدو جليا عدم جديتها فضلا عن الإساءة الى أخلاقهم و وطنيتهم والإشارة الى فرارهم من سورية وعدم تدخلهم في النزاع المسلح سواء ضد (قسد -النظام – المجموعات الاسلامية ) وهي تهم مردودة بالنسبة الى لاجئين خرجوا من بلادهم بسبب الحرب باحثين عن مكان أمن و فرصة للحياة .

السوريون في تركيا لو تم النظر اليهم بحياد فهم عامل إيجابي وداعم للمكان المتواجدين فيه ماليا و إقتصاديا وثقافيا وعلميا ويشكلون رافدا هام من الخبرات المتنوعة في مختلف المجالات و رافعة اقتصادية وهم ساعدوا الإقتصاد التركي وهذا اعترف به مصدر حكومي تركي وقد قدموا عمالة رخيصة للسوق التركي وذات أداء عالي و تشغيل اطول وبلا ضمانات او حماية للعمال و خبرات أفضل في بعض المجالات فالعامل السوري ليس مفضلا لسواد عينيه ولكن لما يشكله من قيمة مضافة لأرباب العمل من التوفير الاقتصادي وزيادة الإنتاجية وإنخفاض التكلفة وهذا حرك عجلة الإنتاج بشكل أكبر رغم تأثيراته السلبية على العمالة السورية التي وجدت نفسها بلا حقوق او ضمانات وكانت مجبرة على العمل لساعات طويلة دون رقابة او ضمانات صحية او حماية من المخاطر رغم كل الظروف السيئة التي تحيط بهم بحثا عن لقمة العيش والحياة الكريمة وتمسكا بأمان حالي توفره لهم البلدان المستضيفة وحيث المعادلة التركية في استضافة اللاجئين السوريين تختلف عن نظيرتها اللبنانية والأردنية في مساحة الدولة وقوتها وقدرتها وعدد سكانها .

كما ان رؤوس الأموال السورية التي ضخت في السوق التركية ساهمت في تحريك عجلة الإقتصاد فضلا عن مصروفات اللاجئين أنفسهم والتي لو اقتصرت على ليرة واحدة يوميا لكانت الحصيلة 3,5 مليون ليرة يوميا تضخ في السوق التركي، و ملايين الدولارات القادمة لدعم اللاجئين من الأمم المتحدة والإتحاد الأوروبي والعديد من الدول العربية والتي انفق جزء جيد منها على اصلاح وتحسين الخدمات التركية بشكل عام،فضلا عن ان أراضيهم اصبحت سوق لتصريف السلع التركية و مجال اقتصادي تمارس فيها القوة المسيطرة والمتحكمة سياساتها الديمغرافية والاقتصادية والعسكرية .

في ظل الظروف الحالية والتوترات المستمرة وجد اللاجئون السوريون انفسهم وحيدين دون حماية او قدرة على الدفاع عن أنفسهم وممتلكاتهم وسمعتهم في ظل موجة إعلامية كبيرة تحرض عليهم وصمت مطبق من جميع الأطراف المحلية والدولية (الإعلامية والإنسانية ) حول ما يعانونه من صعوبات وما يتعرضون له من مشاكل وانتهاكات .

و وسط قرارات متزايدة تضيق الخناق على تحركاتهم وحياتهم وتقييد نشاطاتهم و تجعلهم أكثر طواعية وخضوع لنظام جديد عليهم وتجبرهم على تحمل العديد من التوترات والاهانات و مواجهة العنصرية والكراهية المتزايدة بحقهم، بعد أن تم استخدامهم كورقة سياسية في فترة حرجة من تاريخ المنطقة وأثناء اندلاع نزاع قاسي مستمر في بلادهم وبعد الإنتهاء من هذه الورقة واستنزافها كان لابد من القائها بعيدا مع الحفاظ على جزء منها دون النظر الى التبعات ذلك انسانيا على أقل تقدير خاصة بالنسبة الى الفئات الهشة والضعيفة اجتماعيا و اقتصاديا .

هي فترة عسيرة من الإنتظار المر والقلق هول ما تحمله الايام القادة للسوريين في مختلف مناطق لجوئهم خوفا من إجبارهم على العودة قسرا الى مناطق غير أمنة ولا تتوفر فيها فرص العمل والحياة ويغيب عنها القانون والنظام، كما حدث مع المئات منهم الذين القي بهم على معابر حدودية ومناطق هم غرباء فيها رغم انها جزء من وطنهم، كما انهم قد يواجهون العديد من المخاطر مع سلطات الأمر الواقع الموجودة في تلك المناطق الحدودية التي لاتزال غير أمنة وغير مستقرة .

ويا حسرة الحياة، وذل الحرب و الغربة حين يجد أبناء سورية التي تحملت الكثير من موجات اللجوء خلال تاريخها يجدون أنفسهم مشردين ومحاصرين بالعنصرية والكراهية والخوف دون أي ذنب منهم لتحرقهم مرة أخرى بعد أن أحرقتهم نيران الحرب في وطنهم .

كاتب سوري

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. عسى ان تكرهوا شيئاً وهو خير لكم .
    نهاية فترة حكم العداله والتنميه برئاسة اردوغان المتوقعه ، وبداية عهد جديد ، ينهي ما افسده من سبقوه .
    يُتوقع وبعد ان تستلم المعارضه الحاليه مقاليد الحكم ، ان تُغلق الحدود وتُنهي تعاونها مع المنظمات الاجراميه ، وتتواصل مع الحكومه الشرعيه في سوريا ، عندها يكون الحل باسرع ما يمكن ،
    خاصةً ان المسؤولين السوريين يفتحون صدورهم لعودة اللاجئين من كل الاتجاهات .
    واخيراً يجب ان تُفتح الملفات في تركيا لمحاسبة المسؤول الاول والمجرم بحق سوريا وشعبها ، وتعاونه مع المنظمات الارهابيه بشكل علني ، لا لشيء سوى إرضاء الامريكان ، بتقديمه سوريا على طبق من فضه للصهاينه !.
    اردوغان وحزبه كان بمثابة نقطه سوداء في التاريخ الحاضر !، اردوغان قدم خدمات كبيره لاعداء الامه ، بالوقت الذي اعاق تقدمها لعشرات السنين !!.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here