“الخط الأحمر”.. مقال د. حسن حنفي المثير الذي تسبب في تلقيه تهديدات أمنية 

القاهرة – “رأي اليوم” – محمود القيعي:

قال أستاذ الفلسفة الشهير د.حسن حنفي إنه تلقى تهديدات أمنية من جانب النظام المستبد بغلق صفحته الرسمية على الفيسبوك، وأردف حنفي: “عذرا سيتم غلق الصفحة نهائيا في غضون 48ساعة “.

كان آخر ما نشره د.حنفي مقال بعنوان  “الخط الأحمر”، جاء فيه: “كثرت الخطوط الحمراء حتى لم يعد المواطن قادرا على السير فى أى اتجاه. وعادة ما تستعمله السلطة السياسية والدينية لإيقاف خطر داهم لا يقوى المجتمع على الصمود أمامه. يُستعمل كأنه مظهر قوة، وأن ما وراء الخط الأحمر هناك الأسود والنمور المفترسة، والبراكين المشتعلة. فلا داعى لإلقاء النفس إلى التهلكة. وهو فى الحقيقة مظهر ضعف وخوف، أن السلطة عاجزة عن المواجهة وخائفة من المجهول.”.

وتابع حنفي: “واللون الأحمر من الألوان الفاقعة ذات الدلالة المزدوجة على الخطر والفرح، الحظر والإغراء..

فالإشارة الحمراء تعنى التوقف، وقميص النوم الأحمر ليلة العرس وسيلة للإغراء والدعوة إلى العبور. وهى صورة فنية وليست أمرا مباشرا أو نهيا صريحا. فمعظم النواهى والمحرمات صور فنية حتى تتقبلها النفس وتتذوقها بل تؤولها إلى ضدها. فقد يعنى الأحمر الأخضر. وقد يكون الأحمر إشارة للعبور كما يقول الصوفية. فلكل شىء ظهر وبطن. والأحمر هو الظهر، والأخضر هو البطن. المقصود منها مخاطبة الجماهير مثلما يقال عن كل من يقترب من سيناء أو حبة رمل منها بقطع اليد، وكسر الرجل، ومن يحفر قبره بيده. فمازالت الصورة الفنية أفضل وسيلة للتأثير فى الجماهير فى ثقافة اللغة والخطاب والبلاغة والشعر. وكثير من النواهى فى القرآن إنما بلغت بهذه الطريقة. فالخمر رجس من عمل الشيطان، والاحتيال والنصب والغش والخداع كمن «يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا».”.

وتابع حنفي: “ومن كثرة الخطوط الحمراء وشدتها يتحول ما وراء الخط الأحمر إلى «تابو» أى إلى مصدر للخوف والرهبة. ثم يتحول شيئا فشيئا إلى مقدس لاتقاء غضبه وجلب رضاه. وكلما زاد الجهل به اشتد الخوف. وكلما اشتد العجز أمامه عظم التقديس لتحويل العجز إيهاما إلى قوة. ويُعوض عن الجهل بالخرافة والأسطورة. فالخرافة تقوم بدور الوئام المعرفى. والأسطورة تقوم بدور المعرفة الشعبية للتعامل مع المجهول.

وفى ثقافتنا خطوط حمراء ثلاثة تحولت إلى مقدسات يتقرب إليها أو محرمات لا يجب الاقتراب منها: الدين، والسلطة، والجنس. فمن المقدسات الدينية الله والرسول والقرآن والصحابة والشريعة لا يجب الاقتراب منه. بل إن الغيبيات التى اعتبرها القدماء من الظنيات والفلاسفة والمعتزلة من التأويلات يجب الإيمان بها دون أى سؤال حولها مثل الملائكة والشياطين والجن والعفاريت وعذاب القبر ونعيمه. والسلطة خط أحمر لا يجب تجاوزه. وتشمل الرئيس والسيدة الأولى وربما أنجاله وأحفاده وحاشيته وبطانته حفاظا على هيبة الدولة.”.

الجيش خط أحمر!

وتابع أستاذ الفلسفة الشهير : “والجيش خط أحمر يمثل هيبة الدولة واحترام الأعداء لها مهما كان. وكذلك الشرطة وأجهزة الأمن أيضا خط أحمر إذ إنها تمثل عصب الدولة واستقرار الأمن.

والسلطة الدينية بجميع مؤسساتها: الأزهر، والإفتاء، ومجمع البحوث تمثل خطا أحمر حفاظا على قدسية الدين وجلال المنصب. وطالما كتب المفكرون عن فساد المؤسسات الدينية والسياسية والعسكرية والأمنية. والجنس خط أحمر عن طريق الستر والمنع والقهر مع أنه انتشر فى القنوات الفضائية مع فتيات الإعلانات قدر انتشار القنوات الدينية. يفكر فيه الشباب ليل نهار. ويحسدون الغربيين على كشف الستار. فأصبح الجنس من حقوق الإنسان الطبيعية. كتب فيه القدماء فى اللواط والسحاق صراحة ورمزا كما هو الحال فى «طوق الحمامة» لابن حزم. ولا توجد حضارة عظمت الغناء والحب والقصور والمرأة والحياة الناعمة قدر الحضارة العربية.”.

وتابع حنفي قائلا: “ولم يمنع الخط الأحمر الناس من عبوره سواء فى إشارات المرور أو فى المحرمات الدينية والاجتماعية والسياسية. ولذة العصيان أعظم من لذة الطاعة. فقد عصى إبليس الله. ورفض السجود لآدم «خَلَقْتَنِى مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ».

يسهل وضع الخط الأحمر فى ثقافة التحريم التى تعودت على المنع والإبعاد والإقصاء. وهى ثقافة القمع. إذ يأتى الاستبداد من داخل هذه المناطق المحرمة حتى يستسلم له الناس. فالموقف من الخط الأحمر هو الطاعة والاستسلام. وهى ثقافة القمع لأن تجاوز الخط الأحمر يجلب العقاب العاجل والآجل، الدنيوى والأخروى.

وهى ثقافة التكفير التى نعانى منها. فإذا تجرأ أحد وعبر الخط الأحمر وأدلى برأى فإنه يتهم بالكفر لأنه فكر فيما لا يفكر فيه، وعبر ما لا يمكن عبوره.

 

الكفر!

فنحن الذين ندفع إلى الاتهام بالكفر لوضع الخطوط الحمراء التى يقترب منها العقل أو يتجاوزها دون أن يقابل الرأى بالرأى، والبرهان بالبرهان. فلماذا لا نتحول من ثقافة الخط الأحمر إلى ثقافة الخط الأخضر، من ثقافة المنع والزجر والتحريم إلى ثقافة السماح والقبول والحلال؟

لماذا نسأل عن الحرام مع أن الأشياء فى الأصل على الإباحة. وكثرة السؤال عن الحرام تحرم «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ. قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ». وبدلا من أن يذيع الخط الأحمر فى النفس الخوف والوهم ويقوم على الجهل والخرافة فإن الخط الأخضر يدل على الثقة بالنفس، والرغبة فى المعرفة، وارتياد المجهول، وعدم الخوف من المستقبل. والعاقل قادر على أن يعرف ما لا يُعرف. ثقافة الخط الأخضر هى ثقافة التحرر من القيد، ثقافة الإقدام على المجهول. هى ثقافة الإبداع.”.

وخلص حنفي إلى أننا  نعانى إما من النقل أو التقليد،مشيرا إلى أن الغرب يظل متفوقا علينا بأنه أسقط الخطوط الحمراء الدينية والسياسية والاجتماعية منذ بداية الإصلاح الدينى فى القرن الخامس عشر، وعصر النهضة فى القرن السادس عشر حتى أخذ العقل مكانه فى القرن السابع عشر «أنا أفكر فأنا إذن موجود». 

وواختتم قائلا: “فى كل مرة تقع الثورة وتعود إلى ما كانت عليه قبلها لأن الخطوط الحمراء مازالت موجودة بل تزيد جيلا وراء جيل دون أن نعلم أن اللون الأحمر هو أيضا لون الدم، والنار التى تحرق.”.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here