الحيرة بين الإسعاد و الانتقام.. قراءة في الفيلم الأمازيغي “مَلاكْ”

لحسن ملواني ـ المغرب

     فيلم ناطق بالأمازيغية مفعم بالأسئلة والصراعات العاطفية عبر سلسلة من الأحداث التي جسدها بطلا الفيلم وهما “ربيع” ابن الحاج صاحب شركة لتصميم المجوهرات ، و”ملاك” التي تحايلت حتى صارت موظفة في الشركة من أجل مآربها الشخصية المتوزعة بين التقرب اللطيف من ربيع ،والتفكير في الانتقام لأمر يبدو للمشاهد مثيرا و مجهولا ،فهل تود كانت تفكر في الانتقام لأنها تشك في كونه السبب في وفاة أختها التي أغرم بها قبل أن تفارق الحياة ؟أم لأنها طامعة في أن تصير ذات مركز أرقى في الشركة؟؟؟تسلؤلات تطرح نفسها عب الخط التطوري للأحداث حتى النهاية حيث فشل البطلة ملاك من الانتقام القاتل لربيع الذي أحبها فعلا لأنها تذكره بكل ما له علاقة بفرح، الفقيدة التي كان يحلم بأن تصير زوجة له.

الفيلم مفعم باستعادة الماضي المرتبط بحياة فرح التي كانت محبوبة من قبل ربيع المغرم بها والتي ملكت عليه قلبه منذ اشتغالها في الشركة،والتي كانت من جهة أخرى محبوبة من قبل أختها ملاك التي تستعيد ذكرياتها معها في مشاهد تجعلها تلوذ إلى الحزن والبكاء وهي تذكر سلوكاتها وصفاتها النبيلة إزاءها.

1 ـ قصة الفيلم :

يحكي الفيلم عن ربيع ابن الحاج صاحب شركة لتصميم الحلي والمجوهرات الذي غادر عمله في الشركة بمجرد موت فتاة تعمل معه في الشركة تدعى “فرح” فهاجر عامين ليعود إلى الشركة بتشجيع من بعض أصدقائه ، وهنا يلتقي بملاك التي تحايلت حتى التحقت بالشركة مصممة بعد أن زورت شهادة أختها المتوفاة ،فصارت المقربة إليه تأتيه بكل ما ألفه من فرح بدءا من تنظيم المكتب واللوحات المعلقة في محيطه…وتحاول أكثر من مرة قتله عن طريق دس السم له في مشروبات ، لكنها فشلت في ذلك ،لتكتشف سر وفاة فرح ،وتركب سيارتها لتغادر إلى مكان مجهول.

2ـ هموم البحث المستميت عن الحقيقة:

الفيلم جسد بأحداثه المتواصلة جري ملاك وراء حلمها الوحيد ساعية بكل ما أوتيت من حيل وشطارة من أجل الظفر بربيع وجعله في عداد الموتى بعد وفاة أختها التي تحبها كثيراظنا منها بأنه السبب في موتها رغم أنها لم تتأكد من ذلك بعد.

 في كل الأحداث المرتبطة بربيع وملاك يحظر شبح فرح ببسمتها وعنفوان شبابه وطيبوبتها..مما جعلها في أغلب لقات الفيلم المعتمد بشكيل كبير على فنية الاسترجاع مما حول الفيلم لتتوزع مشاهده بين الحاضر والماضي. هذا الاسترجاع الذي جسد لحظات مؤثرة في الفيلم وهي تقوم باستحضار صور وذكريات الفتاة المتوفاة  مما يجعلها تنخرط في لحظات مأساوية حيث تحاول أن تتواصل معها أو تسترجع تواصلها معها في الماضي ، ومن بين ذلك :

ـ استحضار صورتها وفرحتها وهي تبارك لها قبول الشركة لطلبها. وتعترف لها بجميلها المتعلق بمساعدتها في إنجاز كثير من التصاميم.

ـ استحضار ذكريات معها وهي تنظر إلى صورتها معها موجهة الخطاب إليها: لقد حققت لي حلمي وأنا سأحقق حلمك ” ، وقد يكون ذلك عبر إماتة ربيع سما ليلتحق بها .

ـ وهي تقرأ مذكرات فرح :اليوم أما مسرورة جدا لأنه يصادف عيد مولدي ، لكن من اليوم سيصبح الاحتفال بعيدين عيد مولدي وعيد الحب الذي يجمعني بربيع…فرحتي لا تسعها الدنيا لأن ربيع منحني اليوم حبه وقلبه…تنظر إلى الصورة وتبكي حزينة جدا.

ـ وهي تزور قبرها عبر مشهد حزين صامت.

ـ احتفالها بعيد ميلادها وهي تنظر إلى صورتها وكأنها حية تشاركها الاحتفال فتلوذ إلى البكاء والتحسر.

ـ وهي تقول مخاطبة صورتها في يوم عيد ميلادها:لا تحزني يا فرح إن لم يحتفل معك “ربيع” بمناسبة عيد ميلادك ، وسأجعله يحتفل معك بعيد ميلاده ، وهذه المرة سأحقق ما أقول فعلا.(يبدو أن ما تفكر فيه هو جعله يموت ليلتحق بها في العالم الآخر).

ـ عودتها لمخاطبة صورتها متسائلة عن سر موتها كي تنتقم لها فتستريح ،أو تعرف السبب فتبرئ ساحة ربيع الذي صارت تحبه والشك يستبد بها في اقتراف جريمة قتل أختها.

قوة الاستحضار للفقيدة:

يصور الفيلم واقعا مضى ، وواقعا استيعاضيا تحاول ملاك خلقه من أجل إسعاد ربيع ،ولكن هذا الإسعاد سرعان ما تفكر في تكديره حين تفكر في قتله وتفشل في ذلك متراجعة وضميرها يؤنبها. فربيع كما ظهر حبيبا يظهر عدوا أيضا.

وفي مقابل تعلق ربيع بملاك المجسدة لدور فراح بطريقة خداعية ناجعة تجده يكره “حنان” التي تحاول جاهدة الارتباط به بإيعاز من خالتها لكن حصيلة التقرب إليه لم تُجد نفعا، مما جعل ربيع متعلقا بملاك المعوضة له لما افتقده بصدد فرح المتوفاة.

لقد كان التضاد والتواؤم عنصرين رُؤْيَوِيَّيْــن انبثقت عنهما تحولات مشوقة جعلت للفيلم نكهة خاصة لا تخلو من إثارة. صار الفيلم محطة تجمع بين الماضي الجميل والحاضر الذي تحاول ملاك ترميمه وتجميله ليلقى القبول من قبل ربيع،وقد نجحت في ذلك لحسن تجسيدها لكل ما يرضي ربيع ، وكان ذلك انطلاقا من معلومات استقتها من أختها عن ذوق وميولات ربيع قبل وفاتها. فقد أحضرت صنف ذات الزهور التي أهدتها فرح لربيع. بل لقد دست بنفس العقد الذي أهداه ربيع لاختها فرح في طبق حلوى،واعتذرت بكونه سقط منها سهوا لتعلقه على عنقها وكأنها تمثل فرح التي ألبسها إياها ربيع وهو عازم على الارتباط بها زوجة له.

صراع المواقف جعل الفيلم يحظى بسمة تشويقية ملفته ،فـ”ربيع” يعيش ماضيا جميلا مع “فرح” ،لكنه في ذات الوقت ماض يجعله يشعر بجرح يأبى الاندمال. أما “ملاك” فهي بدورها تعيش هذا الماضي بنفس إيقاع ومشاعر ربيع.

وحبكة الفيلم تدفعك فعلا للتفاعل مع أحداثه لكونه تعاطى للرمزية عبر الفلاش باك وحيل “ملاك”التي تجعل المعيش يعاش مرتين بطريقة المحاكاة والتمثيل لأدوار فرح وهي على قيد الحياة.

وانصباب الأحداث على العلاقة الثلاثية بيم كل من ملاك وربيع وفرح (المستلاجعة في الأحداث مما كثف حضورها) جعل المشاهد مثيرة ومهومة بعيدا عن الانزياحات التي قد يحدثها كثرة الشخصيات التي تستتبع كثرة الأحداث وردود الأفعال …

3 ـ تعليق عام :

تموضع الفيلم واستند على وثيرة دررامية زاوجت بين الوفاء للماضي ومتطلبات الحاضر بما في ذلك العمل للشركة والبحث عن الشريك الحياتي البديل ، وقد تحكمت في الاحداث خلفية الحب الثنائي للفتاة المتوفاة والتي حركت كل العوامل المتحكمة في الأفعال والحوارات. وشخصيات الفيلم قليلة مقارنة بأفلام أخرى ، وقد خدمت وحدة الحدث الطاغي على الفيلم من بدايته حتى النهاية. وتحيل حبكة الفيلم على سيناريو محكم من حيث قصته وتتابع الحدث من أجل تجسيدها تجسيدا مقبولا عبر خدمة الصورة لها في لقطات ومشاهد جميلة. مما جعل الفيلم بنية متناسقة تحاول أن توصل فكرة أن الميل إلى الخير كثيرا ما يفرض على الإنسان تجنب إيذاء أخيه الإنسان تجاوزا للشك الذي قد يورط الإنسان في اقتراف كثير من الجرائم التي تضيق على سعادته بالتأسف والندم بعد الفعل.

وقد اشتغل السيناريست على خيط سردي واحد يتعلق بغرام وعشق ربيع لفرح ،وبتقرب ملاك إليه مجسدة كل ما يحبه في فرح،وفي المقابل نجد حنان التي تحاول عرقلة هذا التجانس والتقارب بين الشخصيتين. من مميزات هذا العمل إثارة التساؤلات أمام تبتدعه ملاك مما له علاقة بفرح طوال مدة العرض مما يذكي فضوله على المستجدات التي طالت الفيلم من بدايته حتى النهاية. أما الشخصيات والأحداث فقد خدمت هذا الخط السردي وجعلته مفعما ومشحونا بما نفخ سمة الانفعال والتفاعل مع أحداث الفيلم.

وأعتقد أن المخرج نجح في اختيار الشخصيات في أدوار جعلتها تسير وفق الخط السردي الذي عمق العلاقة بين الشخصيتين الرئيسيتين اللتين عاشتا ضمن الفضاء الزماني والمكاني للفيلم لحظات رومانسية تسرق بعض بهجتها التفكير المزدوج في المدعوة “فرح “التي توفيت وتركت شرخا في نفسية كل منهما. كما نجحت حبكة الفيلم في اتساقها مع الخيط المتبع في سبيل الوقوف على حل لغز وفاة الفتاة “فرح” والذي يعود إلى زوجة أب ربيع التي كانت تريد أن يتزوج ربيع من حنان ، فكذبت على فرح خطيبة ربيع حين زعمت لها أن حنان خامل من ربيع مما دفع بفرح إلى الانتحار، وهو السر الذي لم يعرفه ربيع إلا في آخر الفيلم فيغادر المنزل والشركة معا .

وجاء الحوار عاديا اقتضته أجواء ومشاكل الشركة ، وقد خدم الصراع في الفيلم متناسبا مع الشخصيات المسند إليها مما غيب الافتعال والتصنع في الفيلم برمته. فيلم ينقلك من أجواء الأسى إلى أجواء الرومانسية إلى أجواء الصراع من أجل الشركة من أجل الارتباط العاطفي ومن أجل تحقيق أهداف محددة.

الفيلم إضافة نوعية للفيلم المغربي ، والفيلم الناطق بالأمازيغية بالخصوص حيث خرج بالأحداث من الفضاءات والقصص النمطية المعتادة المرتبطة بالذاكرة الشعبية إلى فضاءات أوسع  وأحداث لها وقع خاص على نفوس المشاهدين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

+ فيلم “ملاك ” من إخراج : فاطمة بوبكدي ـ سيناريو: الزاهية الزاهيري.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. الفلم الامازيغي لا يفهمه الا الامازيغ و هذا شيء جميل ليس فيه احاءات و لا ما يمس بالخلاق النبيلة و تستطيع كل الاسرة ان تتفرج .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here