الحلفاء خذلوا الهاشميين ومشروعهم الوحدوي.. فلماذا الإصرار على صداقتهم؟ وهل يحل كوشنر محل مكماهون؟

د. معن علي المقابلة

    إنَّ مشروع الهاشميين في تأسيس مملكة عربية تضم الجزيرة العربية والهلال الخصيب ( بلاد الشام بما فيها فلسطين) والعراق قد ارتبط بالتحالف مع بريطانيا العظمى من قبل الشريف الحسين بن علي، وهذا ما أكدته مراسلاته في ما عرف بمراسلات حسين- ماكماهون ، وتسميته ملكاً عليها. والذي أفشل المشروع هو الحليف الأساسي بريطانيا العظمى ، ففي الوقت الذي كان ماكماهون يراسل الحسين ابن علي لترتيب هذه المملكة بعد التخلص من الحكم العثماني، كانت هناك اجتماعات بين الفرنسيين والإنجليز لتقاسم المنطقة فيما بينهم، تمخض عن هذه الاجتماعات اتفاقية سايكس/ بيكو، وتم تطبيقها بالفعل ضاربين بعرض الحائط ما كان قد اتفق عليه الإنجليز والحسين بن علي.

   أقول ارتبط مشروع الحسين بن علي، كبير الهاشميين آنذاك وشريف مكة، بالقوى الدولية الفاعلة على الساحة الدولية في تلك المرحلة، أي بريطانيا وفرنسا، اللتين كانتا تخوضان الحرب العالمية الأولى ضد ألمانيا والدولة العثمانية ، وكانت موازين القوى قد بدأت تميل لصالح دول الحلفاء (بريطانيا وفرنسا) في هذه الحرب، وعلى ما يبدو فإنّ الشريف حسين قد أدرك أنّ العثمانيين في طريقهم إلى الهزيمة، وأنّ الإمبراطورية العثمانية في طريقها إلى التفكك، فوجد بالتحالف مع بريطانيا، من خلال إعلان الثورة ضد العثمانيين، فرصته لتوحيد الهلال الخصيب والجزيرة العربية والمناداة به ملكاً عليهما ، إلا أنه لم يدرك أنّ بريطانيا وحليفتها فرنسا كان لهما حسابات أخرى مرتبطة بترتيب الإقليم، على رأسها تفكيك العالم العربي إلى دويلات تابعة لهما، بالإضافة إلى ترتيب خاص بفلسطين التي منحها البريطانيون لليهود من خلال تصريح بلفور ، والعمل على تنفيذه، وعلى ما يبدو فإنّ البريطانيين كانوا يدركون أنّ قوة الهاشميين في الجزيرة العربية آخذة بالتراجع أمام قوة ابن سعود، لاسيما أنّ الأخير حسم صراعه مع خصمه ابن رشيد لصالحه في موقعة البكيرية سنة 1904م، وفي اعتقادي أنّ الإنجليز آثروا ابن سعود على الشريف حسين لأسباب تتعلق بقوة ابن سعود وامتداده داخل الجزيرة وقدرته على عقد تحالفات مع القبائل فيها ممّا سهل سيطرته على حائل مقر ابن رشيد الخصم الأقوى داخل الجزيرة، ثمّ للتخلص من تعهداتها ووعودها التي قطعها مكماهون له من خلال مراسلاتهما، إلا أنّ السبب الأهم في اعتقادي هو إبعاد الهاشميين عن حكم الجزيرة التي تضم مكة والمدينة المنورة حتى لا يرتبط حكم هذه الأماكن المقدسة بهذه الأسرة التي يمتد نسبها إلى النبي محمد –عليه الصلاة والسلام- ومن ثم سيأخذ هذا الحكم بعدًا دينيًّا في العالم الإسلامي ، وسيترتب على هذه الأسرة مواقف أخلاقية لن تستطيع تجاوزها في ما يتعلق بفلسطين على وجه الخصوص، وهذا ما أدركته بريطانيا فتحللت من وعدها للشريف حسين الذي كان يقتضي المناداة به ملكاً على الهلال الخصيب والجزيرة العربية من خلال خطوات عدة، أولها دعم ابن سعود في السيطرة على الجزيرة بعد خسارة الشريف سنة 1924م في معركة تربة ضد ابن سعود، مما أدى إلى الخروج النهائي للهاشميين من الحجاز، وقبلها خسر الملك فيصل ابن الشريف حسين سوريا سنة 1920بعد معركة ميسلون، كما خسر المشروع الوحدوي للشريف الجزء الأول من فلسطين سنة 1947 وهو قرار هيئة الأمم المتحدة بتقسيمها لثلاث مناطق، عربية ، ويهودية ، ودولية (القدس)، وفي سنة 1958خسر المشروع الوحدوي للشريف حسين العراق بعد الثورة التي أطاحت بأحفاده بطريقة دموية بقتل آخر ملوك العراق الملك عبد الإله بن علي بن الشريف حسين، ثم تأتي ثالثة الأثافي سنة 1967 بخسارة هذا المشروع لسائر فلسطين بعد حرب الأيام الستة ، ليبقى الأردن الدولة الوحيدة من هذا المشروع الذي يحكمه الهاشميون.

   فكَّ الأردنّ ارتباطه الإداري والقانوني بالضفة الغربية، التي كانت جزءًا من الأردن منذ مؤتمر أريحا عام 1949 حتى حرب الأيام الستة، لصالح منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1988م، وكان ذلك تحت الضغوط العربية التي اعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية الممثل الوحيد والشرعي للشعب الفلسطيني في مؤتمر الرباط سنة 1974م ، إلا أنّ الملك حسين أصر حينها على الاحتفاظ بالوصاية على المقدسات الإسلامية والمسيحية فيها، هذه الوصاية التي أخذت تشكل عبئاً على كل الأطراف، وموقفا أخلاقيا ودينيا ، يجعل من الملك عبدالله الثاني – عميد آل هاشم كما يسمي الهاشميون كبيرهم – يتعرض لضغوط أمريكية لتقديم تنازلات في حل القضية الفلسطينية على حساب الأردنّ، من خلال توطين اللاجئين الفلسطينيين في الأردنّ، وهذا ما أصبح مؤكداً من خلال التسريبات من عراب ما يعرف بصفقة القرن (كوشنير).

   هذه الخسارات، أي الجزيرة العربية وسوريا والعراق، التي مُني بها الهاشميون من الشريف حسين بن علي إلى أبنائه وأحفاده، كانت تحت مرأى ومسمع بل وتواطؤ من حلفائهم التاريخيين الإنجليز ثم الأمريكان. السؤال الذي أطرحه هنا: لماذا هذا الإصرار من الهاشميين، ولا أقول من قبل الأردن كدولة وشعب، على هذا التحالف مع بريطانيا والأمريكان، رغم كل هذا الخذلان!!!!؟ وهل ستكون صفقة القرن آخر هذا الخذلان للهاشميين!!!؟

باحث وناشط سياسي \ الاردن

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. الغريب في الأمر أن الساسة السعوديين الذين يحاولون تزعم العالم العربي والإسلامي يقومون هذه الأيام بتكملة ما قامت به فرنسا وبريطانيا في السابق بتقسيم العالم العربي لمصلحة إسرائيل بعد تدميرهم العراق وسوريا على اعتقادهم بأنهم سينجوا من دهاء ساسة الغرب الذين تحركهم اسرائيل وأول خطط اسرائيل السيطرة على السعودية باعتبارها العاصمة الروحية للمسلمين من خلال العبث بتعاليم الدين الامارات هي من التي خططت مع إسرائيل لوصول اسرائيل لهذه النقطة.

  2. عبر عقود حققت حكومات متعاقبة رقم قياسي بإعدام فرص وجلب مصائب وتدفقات لاجئين وفقدان مساعدات خارجية وتنفير استثمار وحد فرص تشغيل مغتربينا ومضاعفة مديوينة الدولة وقتل قطاع خاص، حيث في 1988 تم فك ارتباط ضفة غربية فانهار اقتصاد ودينار للنصف وفي 1990 ضد مجتمع دولي باحتلال الكويت بينما قامت مصر وسوريا ولبنان وإيران بالعكس وحلت مكاننا بدول الخليج وفي 1994 وقعنا سلام بلا مقابل فأصبحنا بلا دور ولو ثانوي وفي 2011 قررنا حياد بسوريا بينما قامت إيران والعراق ولبنان وتركيا بالعكس وحققت تموضع استراتيجي بسوريا.

  3. لقد كان هناك جناحين متصارعين ،وهما الجناح الالماني والعثماني من حهة ،والحناح البريطاني والفرنسي من جهة اخرى،ضد بعضمهما،ولو انتصرت المانيا والعثمانيين لترسخ حكم الهاشمين على امتداد الجزيرة وماحولها من بلاد عربية اخرى،لان الدولة العثمانية كانت في مرحلة الانكماش والتقوقع وكان لابد لها من خلق خريطة عربية هاشمية جديدة تضم الجزيرة وماحولها لكي تكون معينة ورديفة لها،لكن انتصار بريطانيا وفرنسا افشل كل شيء ،ولم يكن الهاشميين بذلك الغباء ليصدقوا وعود بريطانيا وتزلفها ،واتت الرياح بما لاتشتهي السفن،

  4. اخي الدكتور معن. الانجليز نقضوا عندهم مع الشريف حسين لانه لم يظهر للانجليز التجاوب فيما يفعلوه بالمنطقه وخصوصا احتلال القدس من اللنبي. ابن سعود اتفق معه الانجليز ليس لقوته بعقد اتفاقيات مع قبائل الجزيره ولكن لانه أظهر من الولاء للعرش الانجليزي أكثر مما توقعوا. تخيل بأن مراسلات بين ابن سعود والمندوب السامي البريطاني في العراق كان يطلب فيها ابن سعود بالنص من بريطانيا العظمى ان تبقى في البلاد العربيه لمءة عام اضافيه. الهاشميين ضحية التاريخ على مر السنين واعتقد بأن الملك عبدالله الثاني يسعى بأن يستمر الحكم الهاشمي المدعوم شعبيا واردنيا. لا اعتقد بأن أحد يريد ويتمنى أن يكون الحكم الهاشمي في الاردن قد بدأ بالحسين وينتهي بالحسين. كلنا نريد الهاشميين.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here