الحريري يُعارض زيارة أحد وزرائه لدِمشق لبحث حل أزَمة النّازحين السوريّين.. أين يُريده أن يذهب إلى تل أبيب أم سيريلانكا مثلًا؟ ولماذا أصاب الرئيس عون عندما تحدّث عن ضرورات الجُغرافيا وضرب مَثَلًا بديغول ونابليون وتقاطُر العرب للتّطبيع مع الأسد؟

تظل الديمقراطيّة اللبنانيّة نموذجًا فريدًا من نوعِه في الوطن العربيّ، لما تتّسم به من مُفارقات ومُلاسنات صريحة وواضحة تعكِس الخلافات الحزبيّة، ولكنّها في نهاية المَطاف تتمسّك في مُعظمها بمصلحة البلد، وتُؤكّد على التّعايش السلميّ بين “الأفرقاء”.

في لبنان أزمة محورها السيد صالح الغريب، وزير الدولة لشؤون النّازحين، الذي قام بتلبية دعوة من نظيره السوري حسين مخلوف بزيارة دِمشق لبحث مسألة وجود مليون ونِصف المليون نازح على الأراضي اللبنانيّة، وكيفيّة تسهيل عودتهم، فانهالت عليه الهَجَمات الشّرسة، وأحيانًا البَذيئة، من وزراء ومسؤولين في حزب القوّات اللبنانيّة وشريكه حزب “المستقبل” بزعامة السيد سعد الحريري، رئيس الوزراء.

الهُجوم تركّز على أنّ الوزير الغريب، المحسوب على حزب الزعيم الدرزي طلال أرسلان، ذهب إلى العاصمة السوريّة بمُبادرةٍ شخصيّةٍ، ودون التّنسيق مع رئيس الحُكومة، وبما يتعارض مع سياسة “النّأي بالنفس” المُتّفق عليها، وهي اتّهامات نفاها الوزير الغريب كُلِّيًّا، وأكّد أنّه التقى الرئيس ميشال عون، ورئيس الوزراء الحريري فور عودته لاطلاعِهما على نتائج زيارته.

لا نُريد تِكرار العبارات والألفاظ التي قيل أنها وردت على لسان السيد بشار قيوميجان، المتحدث باسم حزب القوّات اللبنانيّة، وتخرج في اعتقادنا عن أدبيّات الحوار المُتعارف عليها، ولكنّنا نسأل: هل قام السيد الغريب بزيارةٍ إلى دِمشق الدولة العربيّة التي جاء منها هؤلاء النّازحون، أم من تل أبيب الدولة العدوّة التي تخترق طائراتها أجواء لبنان وسيادته بصُورةٍ شِبه يوميّة؟ وهل كان الوزير نفسه سيُواجَه بمِثل هذا الهُجوم لو زار الأخيرة، أيّ تل أبيب، أو أيّ عاصمة أوروبيّة أُخرى تتدخّل عسكريًّا في المِلف السوريّ وتدعم الجماعات المُسلّحة؟

تكتّل الرئيس الحريري كان الأكثر شكوى من وجود النّازحين السوريّين في لبنان، وحِرصًا بالتّالي على عودتهم، ولذلك من المفروض أن يكون ورئيسه الأكثر حِرصًا أيضًا على التّواصل مع الحكومة السوريّة لإيجاد حُلولٍ لهذه الأزَمة، وإلا أين سيبحث الوزير المُكلّف هذه الأزَمَة، مع سيريلانكا مَثَلًا؟

الرئيس عون كان في قمّة الحِكمة والمسؤوليّة عندما حذّر من مُحاولات التّقسيم والتّوطين المُتصاعدة في المنطقة، في إشارةٍ إلى مُحاولات إقامة دولة للأكراد شرق الفرات، ووجود وطن قوميّ لليهود في فِلسطين المحتلة، مُؤكّدًا على ضرورات احترام عامل الجِوار الجُغرافيّ وأحكامه، ومشيرًا على أنّ دولًا عربيّة تُرسل الوسطاء إلى دِمشق هذه الأيّام لاستعادة علاقاتها معها في الوقت الرّاهن، وتسهيل عودة الجامعة العربية إليها.

سياسة النّأي بالنّفس التي يتمسّك بها السيد الحريري وبعض وزراء تكتل المستقبل لإدانة أيّ اتّصالات تشكّل مع سورية باعتبار أن هذه الاتصالات خُروجًا عنها، تتعارض في رأينا قانونيًّا وإنسانيًّا وسياسيًّا مع قضيّة عودة النازحين السوريّين وكيفيّة حلها، وأصغر مُبتدئ في علم السّياسة يُدرِك هذه الحقيقة، فكيف ستُعيد هؤلاء إلى بلدٍ تُقاطعه وترفُض زيارته، والحديث معه من أجل التوصّل إلى حُلولٍ وتسهيل هذه العودة؟

يبدو أنّ السيد الحريري وأعضاء حُكومته لم يسمعوا بالاتّصالات السريّة بين الحُكومة السعوديّة ونظيرتها السوريّة، والقرار السعوديّ برفع الحظر عن زيارة المُواطنين السعوديّين للبنان، وقريبًا جدًّا إلى دِمشق، وربّما من المُفيد تذكيرهم بهذا القرار في ذروة الضّجيج والحملات الإعلاميّة حول زيارة الوزير الغريب.

إذا صحّت التّسريبات التي قالت إنّ أحد وزراء تكتّل الحريري “عاير” الرئيس عون بما فعله السوريين به قبل 30 عامًا، فان هذا يصُب في مصلحة الرئيس، وأنّ الوزير يستحق الدّرس الأخلاقيّ الذي وجّهه إليه الرئيس عون بقوله، إنّ تشارل ديغول ذهب إلى المانيا بعد الحرب العالميّة الثانية، واستعان بمقولة نابليون “السياسة ابنة التاريخ، والتاريخ ابن الجغرافيا، والأخيرة ثابتة لا تتغيّر”.

مشكلة لبنان الكبرى على مر العُصور هي تقسيماته الطائفيّة، ومُشكلته الحاليّة الأكبر عدم وجود زعماء للطوائف يُقدّمون مصلحة لبنان الأكبر على مصلحة طوائفهم الأصغر، والطائفة السنيّة على وجه الخُصوص.. واللهُ أعلم.

“رأي اليوم”

Print Friendly, PDF & Email

22 تعليقات

  1. أخي خواجه فلسطين العزيز .
    فرنسا ’’ مظلة مطرية ’’ بالنسبة للبعض .. سوريا ’’ مظلة شمسية ’’ لكثير من العرب .. لا ننسى .
    لك تحياتي .

  2. هذه المشكلة عندما يحمل رءيس الوزراء جنسيتين! هل يكون ولاءه للبنان الذي يقود وزارته ام ولاءه للسعوديه التي يحمل جنسيتها أيضا وهي صاحبه نعمته وبلايينه وهي التي تمسك بزمامه بشهادته يعقوبيان وماكرو. بالمختصر ، عندما يترشح احدهم لمنصب عام عليه فقط الاحتفاظ بجنسيه واحده.

  3. الى غازي الردادي

    الاخ العزيز taboukar يتكلام عن الحريري ليس عن فخامة الرئيس عون . توقف عن التطرف كل شيء متطرف عندك

  4. يا ريت الحريري يعارض تحليق الطيران الصهيوني فوق سماء لبنان والاغتيالات الصهيونيه لاشخاص داخل لبنان. وي اليته يطلب صواريخ متقدمه اسقاط هذه الطاءرات. ويا ريه يوافق على من الكهرباء لبنان من مصر او تركي ااو ايران ويحل مشكله الكهرباء للبنانيين.

  5. We are very sorry for this schismatic policy in our counters
    …Our dignity is just in our unification no hesitation on this truth.
    Yes for harmonies our target against our colonisers

  6. أخي الفاضل غازي الردادي
    هذا يرجع بالأساس إلى أن لبنان ’’ يتمتع ’’ بوضع خاص لدى فرنسا .. لأسباب معروفة . شكرا على التعقيب و على الإضافة . على العموم نقول أن المتحصن بالغير لا يجوز له أن يرسم سياسة أو توجه ما . تحياتي و تقديري الأخ الردادي .

  7. الاخ الفاضل / taboukar ،، لا تنسى يا اخي فضل الفرنسيين على عون ، فلولا الفرنسيين
    لما كان عون رئيسا للبنان اليوم ، لانه لن يكون على قيد الحياه اليوم ، الفرنسيين انقذوا
    حياته ، ثم اصبح سجينا محاصرا في السفاره الفرنسيه لمدة عام ، هربا من جيش النظام
    السوري ، وليس أيام مثل الحريري على افتراض سجنه في الرياض ، ثم صار لاجئا لمدة
    عشرين عاما في فرنسا ، ولولا اغتيال الحريري وطرد جيش النظام السوري لربما مازال
    عون لاجئ في فرنسا ،، يعني فضل الفرنسيين على عون لا يقارن بفضلهم على غيره ،،
    تحياتي وتقديري لك ،،

  8. الدولة السورية تعارض اقامة اي اتصال مع الحريري شخصيا لانه يتعاون مع الاستعمار ضد امتع العربية !!!

  9. في أوروبا ، على سبيل المثال لا الحصر،اذا أخطأ مدرب فريق كرة قدم،وتسبب في خسارة شنيعة لفريقه،من باب الأدب والاحترام،يقدم استقالته واعتذاره لجمهور النادي ويغيب عن المشهد،،ويتمنى للنادي المزيد من النجاح،وفي لبنان على سبيل الحصر،وليس على سبيل المثال،اذا تسبب زعيم ما بمأساة،لجمهوره،يجب على الجمهور الاعتزال والاعتذار،لانهم لم ينجحوا في التعاقد مع زعيم عليه الءيمه،الى ان نسمع اعتذارا من جمهور ،تسبب لزعيمه بعشر سنوات سجن،نكون تعادلنا مع اوروبا،واحد واحد.

  10. مشكلة لبنان هي الجهل والتخلف والتطرف ويأتي فوق ذلك الحقد والكراهية والطائفية البغيضة.
    ومشكلة النازحين مشكلة من بين عدد مخيف من المشاكل أساسها مصالح السياسيين المالية، يعني الحريري لو تقول له السعودية إلى سوريا در، يدور وبسرعة البرق وغيره كذلك.
    أما القوات اللبنانية فمسألة أخرى لا دخل فيها للمصالح حيث أن كرههم لكل ما هو سوري كره مرضي متأصل في جيناتهم كون لبنان أقتطع من سوريا كرمى لعيون أجدادهم.

  11. اي ديقرطيه في لبنان تتحدثون بل توجد طائفيه فقط تعمقها ايران

  12. ____ كثر خير الرئيس الفرنسي ماكرون .. فلولاه .. لما زال هذا الحريري قيد الإستقالة الجبرية في زنزانة جبرية .

  13. اكثر الأحزاب التي اشتكت وتذمرت من وجود اللاجئين السوريين كان ولازال هو التيار، حزب الرءيس عون، وليس تكتل حزب المستقبل.
    ورقة اللاجئين السوريين في لبنان، كالجوكر في الورق، يستخدمها كل من خدمت هذه الورقة مصالحه.

  14. اللهم احفظ لبنان باهله ومقاومته وليعلم العابثون ان من يحب صعود الجبال لاتهمه التلال او بمعنى اخر من مرغ انف اسرائيل في التراب لن يلتفت لامريكا ر عملائها

  15. من حقه ان يعارض زيارة وزير الى سوريا لكنه سيقف في ذيل الطابور طويلا بانتظار السماح له ان يدخل سوريا ولن يدخلها الى ان يكفر عن كل بذآته و كلماته

  16. الى استاذي الفاضل عبدالباري عطوان المحترم
    بعد التحيه والسلام
    العنوان يجب أن يكون وين هو عايش في تل أبيب أو سيريلانكا

  17. القوات اخر من يحق له ان يحكي لان السوريين دخلوا لبنان في ٧٦ لحمايتهم من الفلسطينيين و لولا السوريين لكان الفلسطينيه اكلوهم بساعتين و الان ينكرون كل ذلك و يهاجمون سوريا أما ال الحريري أيضا يجب أن يكونوا ممتنين للسوريين لأنه لولاهم لما قعد رفيق الحريري يوم رئيس وزراء و لما جمع ٣٠ مليون دولار من وراء السوليدير و مشروع ردم البحر و بيعه و كان السوريين يسهلوا له ذلك على هؤلاء الاثنين ان يضعوا مصلحة لبنان قبل مصالح السعوديه و محور إسرائيل أمام أعينهم. ام إن الخيانه تجري في دماءهم

  18. مشكلة السيد الحريري أنه مهووس ومتأثر جدا بما يقول زنه كان مؤلما له أن يصافح يد قاتل أبيه (في اشارة لاتهامه لسوريا بقتل والده ومصافحته للرئيس الأسد فيما بعد)، لكنه لا يتألم (ويا للمفارقة) للوضع المزري والمخزي الذي وُضع فيه عندما أُجبر على الاستقالة!
    لو كنت لبنانيا، لوقفت بقوة ضد ترأس السيد الحريري للحكومة وطالبت بشخصية أخرى (وما أكثر الخيارات داخل حزب المستقبل وخارجه من الاحزاب “السنية”) قادرة على أن تقود الحكومة إلى بر الأمان (والازدهار) في هذه المرحلة الحساسة.
    اسأل الله الذي مكن اللبنانيين من اعتماد القانون الجديد للإنتخابات أن يعينهم على الغاء “تفاهم” المحاصصة الطائفية المقيت الذي لم يقتصر أذاه على لبنان فحسب، وإنما طارت عدواه المرضية للعراق الجريح!
    إذا تم الغاء هذه المحاصصة سيكون لبنان انموذجا للحرية والديموقراطية يحتذى به، وسيسبق جارته سوريا في ذلك، وإلا فالركب سيسبقهم.

  19. عندما يتعرض شخص ما لحادثة حيث تصدمه سيارة ؛ ويصيبه ما أصابه من أضرار وآلام ؛ قد يضطر حتى بعد شفائه “توخيا للحذر” إلى الوقوف طويلا “فوق الطوار” في انتظار خلو الطريق “تماما” من السيارات ؛ “فلا الطريق تخلو من السيارات” “ولا صاحبنا يجرؤ على العبور” : “إنها عقدة الحادثة المؤلمة” التي لا تغادر مخيلة وخزان ذاكرة صاحبنا المصاب” الذي لا يفارقه “شريط الأحداث” بكل تفاصيله فيضطر لاجترار الكابوس “لحظة بلحظة” إلى أن تصاب “ملكة المبادرة بالشلل” و”العدوى”!!!

  20. لم يسجل التاريخ نموذج مسؤول مثل هذا المسؤول اللبناني. يقبل على نفسه الضرب والإهانة. ولا يحرك ساكنا
    يعتقل ويحتجز ولولا تدخل دول بالأمر لكان لتاريخه معتقل لدى أولياء نعمته غريب أمره يعرف من اغتال والده ولكنه يصدق روايه الآخرين.
    راهن كثيرا على ذهاب النظام السوري وصدق نفسه كثيرا
    ولا يسعنا إلا أن نقول ربنا كان بعون الشعب اللبناني المغلوب على أمره بوجود سياسيين قسم كبير منهم مرتزقة.
    وتحيه إلى الرئيس العربي اللبناني الأصيل ميشال عون

  21. سعد الحريري كل أملاكه او معظمها في السعودية لانه هى اصلا سعودي وهو واقع تحت ضغط بن سلمان واضح ان الرجل لا يملك قراره والدليل انه تعرض للاهانة في السعودية من سعود القحطاني ( حسب رويترز )) ولم يعترض او يثور لكرامته وطبعا سعودالقحطاني لا يقدح من رأسه كما نعلم لذاك سعد الحريري بنفذ اوامر ولي امره وانه من الخطأ على لبنان ان يضع رئيس وزراء يحمل جنسية اخرى بل يحمل ثلاث جنسيات ومنها الجنسية الفرنسية والتي لولاها لما توسط الرئيس الفرنسي لفك اعتقاله من الرياض وكنا نتوقع ان يغضب سعد من احتجازه في الرياض وإجباره على تقديم استقالته لكنه للأسف لم يفعل ذلك لذلك هو ليس حرا ولا تتوقعوا منه ان يغضب ولي امره المهم مبروك النصر لسورية ومبروك هزيمة الدواعش والمرتزقة وقاطعي الرؤوس وهزيمة من ارسلهم ومن أفتى لهم بالجهاد في بلاد العرب والمسلمين في النهاية لا يصح الا الصحيح

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here