الحرب على الإرهاب دوليا: هيستيريا امريكية.. قلق اوروبي.. اندفاع روسي

fawzi-naji-

د. فوزي ناجي

ان الإرهاب ظاهرة عالمية لا تنحصر في منطقة الشرق الأوسط و لا على أيامنا هذه. ان الاغتيالات السياسية تعتبر نوعا من أنواع الإرهاب و قد تم في خضم الصراع على السلطة قتل الملك الآشوريسنحاريب من قبل اثنين من أبنائه عام 680 قبل الميلاد، و في عام 44 تم قتل يوليوس قيصر في روما من قبل بروتس و اعوانه. كما قتل رئيسين للولايات المتحدة الأمريكية ابراهام لينكولن عام 1865 و جون ف. كينيدي عام 1963. اما في الهند فقد تم اغتيال رئيسة وزراء الهندانديرا غاندي السابقة عام 1984، كما اغتيل ابنها راجيف غاندي، الذي اصبح أيضا رئيسا للوزراء، عام 1991. اما المنظمات التي استخدمت الإرهاب كوسيلة سياسية فقد نشأت في مشارق الأرض و مغاربها و شمالها و جنوبها، في ايرلندا، المانيا، اسبانيا، اليابان، اندونيسيا، تايلاند، نيجيريا و بلاد عديدة أخرى.

لا ينحصر الإرهاب في دين معين و امة معينة. فكل الأديان منه براء، إذ تدعو جميعها الى نبذه و نشر مفاهيم المحبة و الاخاء و الاحترام و بناء جسور الأمن و السلام.

ان القضاء على الإرهاب يتطلب جهدا دوليا تتشابك فيه السياسة مع الثقافة و الاقتصاد و تنصهر في بوتقته الخلافات ليحل محلها روح الجماعة و التكافل و التعاون من اجل الوصول الى عالم افضل تسود فيه العدالة و المساواة.

ان من اهم الأسباب التي تؤدي الى الإرهابهو الشعور بالظلم و انعدام العدالة و التهميش و الاقصاء من الحياة السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و عدم إمكانية حل المشاكل بالطرق السلمية القانونية و عدم تطبيق القانون الدولي و الدساتير الوطنية.

انه من المحزن ان نعترف بان أنظمة الحكم في عالمنا العربي ليس لها تأثيرا فعالا على المستوى الدولي. إذ لا يتعدى دورها دورالكمبارس على المسرح السياسي، بينما كانت أدوار البطولة المطلقة منحصرة في الولايات المتحدة الأمريكية حتى نهضت روسيا من كبوتها الاقتصادية مؤخراو بدأت تزاحم أمريكا في ذلك. اما أوروبا فبدأت تتململ من التهميش الأمريكي لها.

الولايات المتحدة الأمريكية:

ان الاستراتيجية الهستيرية الأمريكية التي افرزتها الأعمال الإرهابية في 11 سبتمبر/ تموز 2011 أدت في النهاية الى القضاء على أسامة بن لادن و لكنها لم تستطع القضاء على تنظيم القاعدة الذي انتشر و تمدد في دول عربية و إسلامية عديدة. كما ساهمت في نشوء داعش التي تعتبر اكثر تشددا و بطشا في اعدائها من تنظيم القاعدة.

يتأرجح الموقف الأمريكي بين المطالبة بإسقاط نظام الأسد و الموافقة على القبول به في مرحلة انتقالية الى الموافقة عليه بدلا من تولي داعش و المنظمات الإرهابية الأخرى الحكم في سورية. فقد طالب الرئيس الأمريكي باراك أوباما عدة مرات بتنحي الأسد عن السلطة بينما صرح جون برينان رئيس المخابرات المركزية الأمريكية بتاريخ 13 مارس/ اذار 2015 بأنه “لا احد منا روسيا، الولايات المتحدة، الاتحاد الدولي ضد الإرهاب و دول المنطقة يرغب في انهيار الحكومة و مؤسسات الدولة في دمشق. لا احد يريد بان تزحف الدولة الإسلامية او القاعدة على دمشق”.

دعمت الولايات المتحدة الأمريكية بالتعاون مع حلفائها في منطقة الشرق الأوسط المعارضة السورية و الجيش العراقي و شاركت في تسليحهم و تدريبهم للقتال ضد المنظمات الإرهابية و قامت الطائرات الأمريكية بشن الألاف من الهجمات الجوية على مواقع داعش في العراق و سوريةالا ان ذلك النشاط العسكري لم يتكلل بالنجاح. و حسب تقرير لجريدة الجارديان البريطانية بتاريخ 3 يونيو/ حزيران 2015 فان المخابرات البريطانية قد تعاونت مع المخابرات المركزية الأمريكية في تزويد المعارضة السورية بأسلحة من ليبيا تم الحصول عليها بعد سقوط نظام القذافي.

يرى الجنرال الأمريكي ديفيد باتريوس بان المشكلة الرئيسية في العراق لا تكمن في وجود داعشو انما بوجود الميليشيات المدعومة من ايران.

ان فشل استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية في القضاء على الإرهاب يتطلب منها دعم الحلول السياسية بمشاركة روسيا و ايران.

الاتحاد الأوروبي

 اقترح توني بلير رئيس الوزراء البريطاني السابق و مبعوث الرباعية الدولية للشرق الأوسط في شهر ابريل/ نيسان 2014 تشكيل جبهة دولية لمحاربة الإسلام الراديكالي تتكون من أمريكا، بريطانيا، روسيا و الصين،  و أضاف بلير بانه على الغرب ان يسعى لعقد اتفاق مع الرئيس السوري بشار الأسد لأن بقائه في السلطة أفضل من دعم المعارضة السورية المشرذمة.

إرضاء للحلفاء العرب حاول الغرب تجاهل الدور الروسي و الإيراني في حل الأزمة السورية، على الرغم من اعترافه بان الحل العسكري غير ممكن وان البديل الوحيد هو الحل السياسي، مما اطال من امد الحرب و زاد من القتل و الدمار و تشريد ملايين السوريين من بيوتهم.

ان جشع رجال اعمال أوروبيين الذين لم يصمدوا امام سحر البترودولاريلقي ظلالا من الشك على نجاعة الجهود الأوروبية في الحرب على الإرهاب. لقد نبهت ياناهيباشكوفاسفيرة الاتحاد الأوروبي في العراق الى مشكلة شراء البترول من المناطق التي يسيطر عليها تنظيم داعش مما يقويه مالياو طالبت بإنزال عقوبات صارمة ضد الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التي تقوم بذلك.

تقوم بريطانيا و فرنسا بالمشاركة بالطلعات الجوية لقصف مواقع داعش في سورية و العراق، كما تساهمان في تسليح و تدريب الأكراد في شمال العراق و تمتنعان عن القيام بذلك في شمال سورية إرضاء لتركيا.

ان الحل الفعال لمشكلة تدفق اللاجئين السوريين الى أوروبا يكمن في توقف دعم الحل العسكري و إيجاد حل سياسي للأزمة السورية.

روسيا

 يرتكز الموقف الروسي فيما يخص الشرق الأوسط على المبادئ التالية:

أولا: عدم السماح للغرب بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى و تغيير أنظمتها حسب المفهوم الغربي. إذ يؤدي ذلك الى نشر الفوضى و القضاء على الاستقرار، والأمثلة على ذلك ما يحدث حاليا في ليبيا، العراق و سورية.

ثانيا: الحفاظ على المصالح الروسية و مساندة الحلفاء.

ثالثا: محاربة الإرهاب فعليا. من اجل ذلك اقترحت روسيا في يونيو/ حزيران 2015 تشكيل جبهة لمحاربة الإرهاب تتكون من تركيا، السعودية، الأردن و سورية.

تعتبر روسيا ان المحاربة الفعلية للإرهاب تتطلب التعاون مع النظام السوري بدلا من محاولة اسقاطه. عندما امتنعت الدول العربية المعنية و تركيا عن الاستجابة للاقتراح الروسي تدخلت روسيا عسكريا و بطلب من الحكومة السورية لمساعدة الجيش النظامي السوري في حربه ضد القوى الإرهابية التي تشمل داعش و تنظيمات اخرى دربتها و سلحتها الولايات المتحدة الأمريكية.

عدم توفر الفهم المشترك لمصطلح الإرهاب بين روسيا و الغرب سيجعل من تعاونهما لحل الأزمة السورية امرا غير قابل للتحقيق. إذ يفرق الغرب بين معارضة معتدلة و يسلحها و يدربها بينما تعتبر روسيا كل من يحمل السلاح في وجه النظام السوري إرهابي. يعتبر النظام السوري إرهابيا في نظر الغرب بينما تعتبره روسيا مقاوما للبربرية و الإرهاب. هذا التضارب في المفاهيم حول معنى الإرهاب يمكن ان يؤدي الى تصادم روسي مع حلف شمال الأطلسي في الأراضي السورية.

للقضاء على الإرهاب دوليا يجب تحقيق ما يلي:

أولا: لا بد للغرب ان يغير من سياسته الخاطئة تجاه الشرق الأوسط التي يتبعها منذ عشرات السنين و كان انتاج الإرهاب إحدى إفرازاتها. تشمل هذه السياسة:

الدعم السياسي و العسكري لإسرائيل رغم إدانة السياسة الإسرائيلية من قبل المجتمع الدولي و خصوصا ما يتعلق بإقامة المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية و إنشاء الجدار العازل.

دعم الديكتاتوريات العربية و أنظمةالجهل و التخلف، على الرغم من الزعم بمساعدة القيام بإنشاء أنظمة ديمقراطية في العالم العربي.

تخلي الغرب عن مبادئه الديمقراطية مقابل البترول العربي.

تغذية الطائفية بين أبناء الشعب الواحد و دغدغة مشاعر الشعوب الأخرى التي تعيش في البلدان العربية في الاستقلال من اجل إثارة الشغب و القلاقل بين المواطنين.

تجاهل رغبات شعوب العالم العربي و الإسلامي في الحرية و الاستقلال و العدالة والكرامة.

ثانيا: دعم المجتمع الدولي الاقتصاديو العلمي للأنظمة العربية التي ستنشأ بعد انتهاء فترة مخاضها العسير من اجل مكافحة الفقر و الامية و البطالة.

ثالثا: عدم التدخل الأجنبي في الشؤون العربية. فأهل مكة ادرى بشعابها. ان التدخل الأجنبي في العراق و ليبيا و سورية لم يصب في نهر الديمقراطية و انما نشر الفوضى و التعصب و جلب الدمار و الإرهاب، و تنكر لأماني و رغبات شعوب المنطقة.

رابعا: القضاء على الإسلاموفوبيا في العالم الغربي. فما دام التحريض على الإسلام و المسلمين بحجة حرية الراي منتشرا في الغرب فسيبقى دعم الإرهاب من المجتمعات الغربية قائما و يشكل خطورة ليس على المنطقة العربية و الاسلامية فحسب و انما على المجتمعات الغربية أيضا.

خامسا: تحديد تعريف لمصطلح الإرهاب يتم الاتفاق عليه دوليا و يلزم الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بتنفيذه و محاسبتها حين الخروج عن نصوصه.

سادسا: يجب ان يعتمد الغرب على الحلول السياسية و يبتعد عن الحلول العسكرية للأزمات الدولية، حيث ثبت نجاح ذلك في التوافق على البرنامج النووي الإيراني.

سابعا: يجب على الغرب احترام مصالح روسيا كدولة عظمى و ايران كدولة إقليمية فاعلة في الشرق الأوسط.

ثامنا: يجب على الغرب ان يسعى جديا لإيجاد حل منصف للقضية الفلسطينية و انهاء حالة الدلال الإسرائيلي و وضعها فوق القانون الدولي. ان قيام دولة فلسطينية حرة و مستقلة و ذات سيادة فعلية سيكون اكثر نجاعة للقضاء على الإرهاب الدولي من استخدام الأسلحة الفتاكة الحديثة.

إذا لم تتم المعالجة الجذرية لمسببات الارهاب فسوف تنشأ منظمات إرهابية أخرى تكون اكثر فتكا و تدميرا من داعش.

*أكاديمي فلسطيني مقيم في المانيا

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here