الحرب الأمريكية الروسية المباشرة على أرض الشام إسرائيل الخاسر الأكبر وتركيا تائهة وواشنطن تبحث عن منفذ الخلاص

عمر نجيب

  مع انتصاف شهر مارس 2018 دخلت الحرب شبه الدولية الدائرة على أرض الشام منذ سنة 2011 سنتها الثامنة، موازاة مع هذا التوقيت زادت توقعات عدد من المراقبين والسياسيين بأن المواجهة مرشحة للتصعيد وربما تؤسس لحرب كبرى تحمل في طياتها فتيل حرب عالمية ثالثة. هناك تباين في تقدير تبعات التصعيد حيث أن محللين يرون أن الولايات المتحدة رغم زيادة حدة لهجة تهديداتها غير مستعدة لركوب مغامرة حرب كبرى أو مواصلة السير لمدة طويلة على ما يسميه السياسيون حافة الهاوية وذلك رغم إدراكها أنها خسرت الحرب في بلاد الشام وبالتالي تعثرت خططها الأساسية لإعادة هيكلة المنطقة العربية على أساس مشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير الذي وضعه المحافظون الجدد والقاضي بتفتيت دول المنطقة بواسطة الفوضى الخلاقة وتقسيمها على أسس عرقية وقبلية ودينية ومناطقية بحيث يتم إنشاء ما بين 54 و 56 دولة.

خلال أسابيع

  موجهو سياسة واشنطن وتل أبيب اساسا ومعهم جوقة من قوى اقليمية لكل طرف منها ترتيباته الهامشية، راهنوا في سنة 2011 أن سوريا ستسقط خلال أسابيع وقد أكدوا ذلك علنا ومرارا ودون أدنى ملل، بل وشرعوا في الاعداد إلى ما بعد سقوط دمشق.

  صمود الجيش العربي السوري ومعه حليفه حزب الله اللبناني بمفردهما تقريبا لحوالي خمس سنوات في مواجهة التنظيمات المسلحة والممولة أساسا من طرف واشنطن وتل أبيب وباريس ولندن وأنقرة وغيرهم، بعثر توقعات من قدروا أن دمشق ستسقط خلال أسابيع. أمام هذا الصمود زادت واشنطن وتل أبيب وأنقرة من تدخلهم المباشر في الحرب التي استوردوا لها عشرات الألاف من المقاتلين من أكثر من 80 دولة عبر العالم، وأصبحت طائراتهم تطارد القوات السورية في وضح النهار وتقصفها وهنا اختارت موسكو التدخل العسكري المباشر يوم 30 سبتمبر 2015 لإعادة نوع من التوازن إلى ساحة المعركة. معركة كان من المقرر امريكيا أن تتوسع بعد حسمها في منطقة الشرق الأوسط الكبير إلى روسيا ثم الصين لترسيخ الهيمنة العالمية الأمريكية.

 أدار الكرملين تكتيكه في معركة بلاد الشام على أساس اسلوب تدرج وإنتقال خاصة بعد كل خطوة ناجحة، كما تمكن الروس من إتقان اسلوب تبديد آثار الحرب الاعلامية التضليلية الغربية، وهكذا ومع مرور الوقت تم عكس إتجاه الحرب لمصلحة دمشق وتبعثرت وتقلبت التحالفات وسقطت تركيا أحد أهم مكونات التحالف المناهض لسوريا في دوامة أفقدتها بوصلة الاختيار الأسلم لمصالحها القومية وتركتها تائهة بين سراب أحلام الأمبراطورية العثمانية في نسختها الجديدة وبين تبديل أشكال التحالفات خاصة تلك مع حلف الناتو.

  مع إنتصاف شهر مارس 2018 دخلت معركة بلاد الشام مرحلة جديدة بسقوط أحد أهم معاقل التنظيمات المسلحة قرب العاصمة دمشق أي الغوطة الشرقية في يد الجيش السوري، وكشرق حلب، سقطت المنطقة ولم تنجح التهديدات والدعاية والحرب الإعلامية في منع إنهيار التنظيمات المسلحة، غير أن واشنطن وتل أبيب وأنقرة استطاعت قبل التسليم في إخراج أكثر من 1120 من جنود وعملاء قواتهم الخاصة من الغوطة الشرقية وتجنب كشف جزء كبير من المستور.

حرب مباشرة

 يوم الاحد 18 مارس 2018 شن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف هجوما جديدا على الولايات المتحدة وحلفائها في سوريا. وقال إنهم “يديرون حربا مباشرة وليس بالوكالة” وانتقدت وزارة الدفاع الروسية رفض واشنطن تسليم الأجزاء التي تسيطر عليها شرق مدينة دير الزور إلى الحكومة السورية.

وشكلت التطورات الميدانية في الغوطة وبشكل خاص تكثيف عمليات إجلاء المدنيين من المنطقة، عنصر ارتياح واسع برز من خلال تعليقات المسؤولين السياسيين والعسكريين الروس. واعتبر بعضهم أن التطورات دلت على “صحة الموقف الروسي منذ البداية وأنه لا يجب أن يكون ثمة تهاون مع الإرهابيين” وفقا لتعليق نقلته شبكة “نيوز رو” عن مسؤول عسكري روسي يوم السبت 17 مارس.

وكشف لافروف جانبا من النقاشات التي أجراها مفاوضون عسكريون روس مع ممثلي بعض الفصائل المسلحة في الغوطة، وقال إنها أسفرت عن تسريع عمليات الإجلاء، بعدما مالت أطراف إلى تعزيز التقدم نحو فك الارتباط بـ”جبهة النصرة”. وزاد الوزير الروسي أن “جبهة النصرة الإرهابية أخضعت لنفوذها جميع الفصائل المسلحة الأخرى العاملة هناك، إلى حد تشكيل قيادة موحدة بينها”. ورأى أن “منطقة الغوطة الشرقية لخفض التصعيد وقعت تماما تحت سيطرة جبهة النصرة، وهي أخضعت الفصائل التي يفترض أن تكون جزءا من العملية التفاوضية… شكلوا قيادة موحدة وبدأت ثلاث فصائل وهي فيلق الرحمن وجيش الإسلام وأحرار الشام تتحالف مع جبهة النصرة التي صنفها مجلس الأمن الدولي إرهابية”.

وأشار لافروف إلى أن العسكريين الروس “بذلوا جهودا كبيرة لمساعدة المفاوضين السوريين في إقناع هذه الفصائل بضرورة فصل نفسها عن النصرة لإفساح المجال أمام محاربة الإرهابيين من دون أي التباس، وتعثر إطلاق هذه العملية لفترة طويلة، لكن الآن هناك أمل في أن ذلك بدأ يتحقق أخيرا”.

وأشار لافروف في حديث لوكالة أنباء كازاخية إلى تراجع مستوى العنف في سوريا في الفترة الأخيرة، ورأى أن تلك “نتيجة أساسية لجهود مسار آستانة بعد مضي عام على انطلاقه”.

في غضون ذلك، أكدت وزارة الدفاع الروسية أن “روسيا نفذت كل التزاماتها حيال قرار مجلس الأمن 2401 المتعلق بإيقاف إطلاق النار، وأن مركز المصالحة في سوريا يتفاوض بنشاط مع قادة الجماعات المسلحة”.

ولفتت الوزارة في بيان إلى أن “العمليات العسكرية للقوات الحكومية السورية مستمرة فقط ضد الجماعات المسلحة التي لا تقبل المصالحة وتعمل على ترهيب السكان المحليين”.

وفي مسار مواز، تصاعدت حدة التعليقات الروسية ضد النشاط العسكري الأمريكي في سوريا، وانتقد لافروف بقوة “الوجود غير الشرعي للقوات الأجنبية”، موضحا أن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لا يحظى بشرعية ويزيد من تعقيد الموقف”.

وزاد أن موسكو “مع ذلك، تتعامل بواقعية وتدرك أن محاربة الأمريكيين أمر غير مطروح… لذلك ننسق تحركاتنا، على الأقل فيما يتعلق بتجنب الصدامات غير المقصودة. ويبقى عسكريونا على اتصال دائم مع القادة الأمريكيين، الذين يديرون العمليات على الأراضي السورية”. ولفت لافروف إلى أن وجود وحدات عمليات خاصة تابعة للولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا على الأرض في سوريا، يجعل الوضع الحالي “ليس حربا بالوكالة وإنما مشاركة مباشرة في الحرب”.

تزامن ذلك، مع إعلان رئيس غرفة العمليات في الأركان الروسية سيرغي رودسكوي، أن لدى موسكو معطيات عن تحضيرات تقوم بها واشنطن لشن ضربات قوية في سوريا. وقال في مؤتمر صحافي في موسكو، إن الولايات المتحدة “تحضر لتوجيه ضربات ضد أهداف حكومية سورية باستخدام صواريخ مجنحة”. وزاد أن المعطيات تدل على “ضربات محتملة بصواريخ مجنحة من أساطيل أمريكية انطلاقا من الجزء الشرقي من البحر الأبيض المتوسط والخليج العربي والبحر الأحمر”.

وتطرق إلى الملف الكيماوي، مشيرا إلى أن واشنطن “دربت مسلحين في سوريا لتنفيذ استفزازات باستخدام أسلحة كيماوية”، موضحا أن “مسلحين في جنوب البلاد حصلوا على مواد كيماوية لتصنيع الأسلحة، تحت غطاء حمولات من المساعدات الإنسانية”.

وفي تأكيد على أهمية مواصلة عمليات الإجلاء من “منطقتي خفض التصعيد في الغوطة وإدلب”، أشار المسؤول العسكري الروسي إلى أن البلدان الضامنة وقف النار في سوريا، وهي روسيا وإيران وتركيا، “أقامت ممرا إنسانيا جديدا للخروج من منطقة وقف التصعيد في إدلب باتجاه مدينة حلب”. وأكد أن 3806 أشخاص خرجوا من إدلب إلى حلب عبر الممر الإنساني في أبو الضهور وتل السلطان.

في السياق، أعلنت وزارة الدفاع في بيان أن وحدات الجيش الأمريكي الموجودة في شرق محافظة دير الزور تعرقل عودة هذه المناطق إلى سيطرة السلطات السورية، وتمنع خروج المدنيين من الرقة. وأفادت الوزارة أن السلطات السورية “تعمل على مسار مهم، هو تسهيل عودة السكان في المناطق الشرقية من محافظة دير الزور، الذي يقع تحت سيطرة القوات الموالية للولايات المتحدة مما يسمى بقوات سوريا الديمقراطية “قسد” ووحدات الجيش الأمريكي الموجودة في تلك المناطق تعرقل عودة السلطة الشرعية”. وزادت أن “الجزء الذي تسيطر عليه قوات الجيش السوري من محافظة دير الزور، شهد عودة أكثر من 23 ألف شخص منذ بداية ديسمبر 2017”.

كما لفتت الوزارة إلى أن “السلطات” التي شكلتها الولايات المتحدة من “الاتحاد الديمقراطي لشمال سوريا”، ترغم السكان على البقاء في الرقة وتمنعهم من المغادرة إلى مناطق سورية آمنة”. كما أشارت إلى أن الأمريكيين “لا يسمحون بدخول المساعدات الأممية أو أي منظمة دولية إلى الرقة علما بأن القرار الأممي الدولي 2401 ينص على إيصال المساعدات الإنسانية إلى جميع المناطق السورية من دون استثناء”. وأوضحت أن ممثلي الجيش الأمريكي أبدوا استعدادا لتمرير قافلة مساعدات إنسانية للاجئين في مخيم الركبان في منطقة التنف، وعادوا عن قرارهم في وقت لاحق.

عواقب وخيمة

يذكر أنه قبل تصريح وزير الخارجية الروسي حذر رئيس هيئة الأركان العامة الروسية “فاليري غيراسيموف”، الولايات المتحدة من توجيه ضربات لأهداف حكومية في دمشق، وتوعد بـ “عواقب وخيمة” و “برد شديد”.

وصرح غيراسيموف أنه “في حال قامت أمريكا بمهاجمة سوريا، فلن نكتفي بفتح النار على الصواريخ الأمريكية، إنما وعلى حواملها من المدمرات البحرية والطائرات الأمريكية”.

وجاءت تصريحات “غيراسيموف” ردا على خطاب السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة “نيكي هالي، بأن واشنطن “مستعدة لإجراءات جديدة في سوريا”.

ووفقا لمصادر روسية، فإن “قدرات الدفاع الجوي الروسي في حميميم وطرطوس تتيح تغطية المنشآت العسكرية الروسية من الجو، أما بخصوص دمشق، فالوضع أكثر تعقيداً”.

وبحسب المصدر فإنه “على الرغم من أن الخبراء الروس ساعدوا القوات المسلحة السورية في صيانة أنظمة الدفاع الجوي السوفيتية الصنع منذ العام 2015 ، فإن قدراتها ليست كافية لصد هجوم صاروخي كثيف، لهذا السبب حذرت روسيا الولايات المتحدة بضرب الصواريخ الأمريكية وحاملاتها”.

الاستنزاف

 مصادر رصد في العاصمة الالمانية برلين لمحت يوم الأحد 18 مارس 2018 إلى أن الجيش الأمريكي وليس المتعاقدين معه في نطاق ما يسمى الشركات الأمنية الخاصة مثل بلاك ووتر بدأ يخسر جنودا ومعدات في سوريا ويحاول إخفاء ذلك.

يوم الخميس 15 مارس 2018 أعلنت القوات الجوية الأمريكية أن سبعة جنود أمريكيين قتلوا في تحطم طائرة هليكوبتر طراز إتش.إتش 60 بيف هوك قرب القائم بمحافظة الأنبار على مقربة من الحدود السورية وإنه يجري التحقيق في الحادث الذي لم يكن على ما يبدو نتيجة نشاط معاد. وتقر الولايات المتحدة بأن لها قوات قوامها حوالي 5200 فرد بالعراق زيادة على 2000 جندي في شرق سوريا.

 مصادر رصد أوروبية ذكرت أن قوات سورية وأخرى رديفة ومنها حزب الله توجد في منطقة البوكمال السورية المقابلة مباشرة للقائم العراقية. وكان الجيش السوري وحزب الله قد حررا المنطقة يوم 9 نوفمبر 2017 رغم تدخل القوات الأمريكية إنطلاقا من العراق وقاعدة انكرليك في تركيا لمنع هزيمة داعش.

 المحلل السياسي الروسي أندريه أونتيكوف تحدث عن خيارات موسكو في مواجهة التواجد الأمريكي غير القانوني في سوريا وقال: إن خطوات روسيا بتوسيع قاعدة طرطوس البحرية الروسية وخطوات أخرى تتخذها روسيا، هي قوة ضامنة للحفاظ على سيادة الدولة السورية، فقاعدة “حميميم” وقاعدة “طرطوس” تساهمان في الحفاظ على سيادة الدولة السورية، وروسيا أعلنت موقفها الرافض لتواجد التحالف الأمريكي، وفي نهاية المطاف ستكون الولايات المتحدة مضطرة لتهرب من سوريا، لأنه لا توجد أي آفاق لتحقيق النوايا الأمريكية، وهنا أقصد إسقاط نظام الحكم في سوريا بشكل غير شرعي. والآن نحن بحاجة إلى عملية سياسية وانعقاد الحوار الوطني السوري، ولكن روسيا ستمنع كل المحاولات لتقسيم سوريا أو تدميرها، القاعدتان الروسيتان في حميميم وطرطوس ضمان للسياسة الروسية في سوريا والحفاظ على سيادة وحدة وسيادة الدولة.

“لقد صارت الولايات المتحدة على يقين تام بضعف مواقعها في سوريا، وتدرك جيدا أن مواقعها سوف تضعف أكثر مع الوقت، فيما موسكو مصممة على موقفها حتى النهاية، ولن تنسحب من اللعبة المتمسكة بربحها بفارق كبير”.

محاولات تعطيل تقدم الجيش السوري

 جاء في تقرير بثته وكالة رويترز الدولية للأنباء يوم 15 مارس 2015: سريعا وصلت الحرب السورية إلى أعتاب مرحلة قد تؤدي فيها محاولة الرئيس بشار الأسد لاستعادة أراض إضافية إلى نشوب صراعات أوسع مع القوى الأجنبية التي أرسلت قوات عسكرية إلى سوريا.

وستمثل السيطرة المتوقعة على الغوطة الشرقية علامة بارزة جديدة في مسعى الأسد لسحق المسلحين مع دخول الحرب عامها الثامن حيث لا تزال روسيا وإيران تقفان بثبات خلفه.

وأعرب أعداء الأسد الخارجيون عن إدانتهم للهجمات في الغوطة لكنهم فشلوا في وقفها وهو ما حصل في السابق في حمص وحلب ومناطق أخرى حيث سحقت القوات المؤيدة للحكومة المسلحين .

لكن خريطة الصراع تشير إلى أن أمام الأسد مرحلة أكثر تعقيدا في سعيه لاستعادة ”كل شبر“ من بلد مزقته الحرب وأودت بحياة نصف مليون شخص ودفعت 5.4 مليون شخص إلى الخارج كلاجئين.

وتوجد قوات أمريكية في مناطق شاسعة من الشرق والشمال الشرقي والذي تسيطر عليه الجماعات الكردية التي تسعى للحصول على الحكم الذاتي من دمشق. واستخدم الجيش الأمريكي القوة للدفاع عن تلك المناطق من هجمات القوات الموالية للأسد.

وأرسلت تركيا قوات إلى الشمال الغربي لمهاجمة وعرقلة تقدم المجموعات الكردية ذاتها حيث أقامت منطقة عازلة بينما أعاد المسلحون المناهضون للأسد تجميع صفوفهم.

وفي الجنوب الغربي حيث يسيطر المسلحون على أراض على الحدود الإسرائيلية والأردنية يواجه الأسد خطر الصراع مع إسرائيل التي تريد إبعاد حلفائه المدعومين إيرانيا عن الحدود وشنت إسرائيل هجمات جوية شرسة في سوريا.

ويعتقد البعض أن سوريا المقسمة إلى مناطق نفوذ قد تبقى على ما هي عليه لبعض الوقت، وربما لسنوات، مع اضطرار الأسد إلى قبول التقسيم الفعلي وعدم وجود احتمال لسلام من خلال التفاوض.

ويخشى آخرون من تصعيد آخر يشمل تركيا والولايات المتحدة وإسرائيل وإيران وروسيا.

وقال ديفيد ليش الخبير في شؤون سوريا ”لا أعتقد أن النصر قريب كما تعتقد الحكومة السورية“ مشيرا إلى أن الأسد يواجه الآن ”مستنقعا دبلوماسيا“.

ويعتقد الأسد أن لديه القدرة على ”الانتظار“ أكثر من القوى الأجنبية في سوريا لا سيما تركيا والولايات المتحدة ولكن ”سيمضي الكثير من الوقت قبل أن يستطيع بسط سيطرته الحقيقية على بقية البلاد إذا استطاع كما قال ليش.

وتعكس حركة السيدة الأولى أسماء الأسد في الحياة العامة الثقة بدمشق بشكل متزايد. فقد زارت أطفالا من ذوي الاحتياجات الخاصة ورافقت الأسد في عيادة الجرحى. وظهرت صورة الأسد على العملة الوطنية لأول مرة.

كما أنه ومنذ زمن تمت تنحية أي نقاش جاد حول مستقبل الأسد. فالدول الغربية والعربية التي دعمت المعارضة تجنبت المسألة كليا في التوصيات الأخيرة للمسار السياسي الجامد الذي تشرف عليه الأمم المتحدة.

وما زال الغرب يأمل أن تمارس روسيا ضغوطا على الأسد. وتحجب البلدان الغربية مساعدات إعادة الإعمار حتى يتم تنفيذ عملية الانتقال السياسي. لكن العديد من المحللين في الشؤون السورية يقولون إنه بالنسبة لروسيا لا يوجد بديل للأسد يمكن الاعتماد عليه.

في عام 2015 كانت الدولة السورية تسيطر على أقل من خمس سوريا. ووصلت القوات الجوية الروسية ليتحول مسار الحرب في سبتمبر بعد العمل بشكل وثيق مع إيران والقوات التي تدعمها ويشكل حزب الله اللبناني رأس الحربة فيها. ويقاتل حزب الله دعما للأسد منذ عام 2012.

وبعد هزيمة المسلحين في حلب اكتسح الأسد وحلفاؤه سوريا في عام 2017 واستعادوا الأراضي على طول الطريق إلى الحدود العراقية من ”الخلافة“ المتداعية للدولة الإسلامية.

ويسيطر الأسد الآن على نحو 58 في المئة من سوريا وفقا للمرصد السوري لحقوق الإنسان بما في ذلك المدن الرئيسية والساحل امتدادا إلى الصحراء غرب نهر الفرات.

وتحاول الحكومة الآن القضاء على المسلحين في المناطق المتبقية في الغوطة الشرقية. وقد تساهم هزيمة الغوطة الشرقية في التعجيل بزوال جيوب المسلحين المتبقية في دمشق وحمص وحماة.

ردع إسرائيل

 عادت إلى الأضواء مناطق الجنوب الغربي. وقال المسلحون هذا الأسبوع إن الحكومة شنت أولى غاراتها الجوية هناك منذ هدنة عام 2017 التي توسطت فيها روسيا والولايات المتحدة والتي تهدف جزئيا إلى معالجة المخاوف الإسرائيلية.

وقال قائد في التحالف العسكري الإقليمي الذي يقاتل لدعم الأسد إن المطالب الإسرائيلية بمنطقة ”عازلة“ تمتد من حدود الجولان إلى سوريا غير مقبولة.

وأضاف القائد الذي طلب عدم نشر اسمه ”هذا ما لن نقبل به ولم تقبل به الدولة السورية… سنرفع نسبة قوة الردع بوجه الإسرائيلي بالجنوب السوري“.

وتشمل أهداف الأسد إعادة فتح المعبر إلى الأردن وهو شريان تجاري حيوي. ويتلقى المسلحون في جنوب سوريا دعما من الأردن والولايات المتحدة وحسب ما يقول المسؤولون السوريون من إسرائيل أيضا.

وأبرز إسقاط طائرة إف 16 إسرائيلية أثناء عودتها من قصف جوي في سوريا شهر فبراير 2018 مخاطر نشوب صراع بين وإسرائيل في سوريا.

واحتواء خصوم إسرائيل والولايات المتحدة هو أحد أهداف السياسة الأمريكية المتبلورة حديثا تجاه سوريا حيث أقامت واشنطن نفوذا من خلال تحالفها مع وحدات حماية الشعب الكردية التي تسيطر على حوالي ربع البلاد وهو ما يعد ثاني أكبر جزء من سوريا.

وانتشر حوالي 2000 من القوات الأمريكية في الأراضي التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب التركية وحلفاؤها خلال الحملة ضد الدولة الإسلامية. وهذه المنطقة على الضفة الشرقية لنهر الفرات تشمل حقول النفط والأراضي الزراعية الحيوية للاقتصاد.

اتسعت أهداف الولايات المتحدة وتريد تمهيد الطريق دبلوماسيا لرحيل الأسد في نهاية المطاف رغم أن دعوة واشنطن إلى ”الصبر“ على هذا الصعيد تشير إلى صعوبات في تحقيقه.

وقال جوشوا لانديس الخبير في الشؤون السورية ”السوريون يحلمون بكيفية استخدام حرب العصابات ضد الأمريكيين لكن من الصعب الوصول إليهم وهم محميون من قبل وحدات حماية الشعب. الولايات المتحدة أصبحت أكثر ذكاء بشأن احتلال الدول العربية“.

وتحاول الولايات المتحدة إدارة التوتر مع تركيا شريكتها في حلف شمال الأطلسي بسبب دعمها للأكراد. وهدف أنقرة الأساسي هو ضرب وحدات حماية الشعب التي تعتبرها امتدادا لجماعة كردية مسلحة تشن هجمات في تركيا.

وهي بصدد توسيع نطاق المنطقة العازلة في منطقة عفرين الكردية حيث يبدو أن أولويات موسكو تختلف عن أولويات دمشق وطهران. وقد أعطت روسيا تركيا الضوء الأخضر للهجوم في حين أن طهران ودمشق قلقتان من نفوذ تركيا المتنامي.

يمتد المجال التركي أيضا إلى محافظة إدلب لكن هذه المرة بموافقة كل من روسيا وإيران. ويسيطر على إدلب مسلحون وهي تعاني من فقر في الموارد وتستضيف الآلاف من السوريين الذين أجبروا على الانسحاب من مناطق أخرى.

ويبدو أن إدلب ليس في قائمة أولويات الأسد. وقال القائد المؤيد للأسد إن الأمر متروك لتركيا للانتشار وفقا لاتفاقها مع إيران وروسيا و“إنهاء وجود تنظيم القاعدة مثل جبهة النصرة وغيرها“ في إدلب.

وأضاف القائد ”المشكلة مع تركيا في عفرين“. وأضاف ”لن نقبل أن يتقدم الإرهابيون… ويحتلون عفرين“ في إشارة إلى الجماعات السورية المناوئة للأسد التي تقاتل إلى جانب القوات التركية.

واشنطن و”الخطة ج”

 جاء في تقرير نشر في العاصمة اللبنانية بيروت “عام ثامن من حمام الدم انطلق من دون أن يمنح السوريين فرصة لالتقاط الأنفاس. كان العام السابع عام الخرائط المتبدلة بشكل متسارع، فيما يبدو خلفه مؤهلاً ليكون عام “الجيوش النظامية” وطي صفحة “الميليشيات”.

“لا يجب الافتراض أن الأسد سوف يقاتل حتى النهاية”. كانت هذه أشبه بخلاصة انتهت إليها دراسات كثيرة أعدتها مراكز بحثية أمريكية في العام الأول من عمر الأزمة السورية. من بين تلك الدراسات ما صدر عن مراكز تعد مؤثرة في صناعة القرار الأمريكي، مثل “مركز الإجراءات الوقائية” التابع لـ”مجلس العلاقات الخارجية”. المركز ركز على أن الرئيس السوري إذا “استنتج عند نقطة ما أن استمراره بالحكم لا يمكن الدفاع عنه أو على الأقل في موضع شك كبير، فقد يسعى إلى إيجاد ملجأ آمن لعائلته”. في السنوات التالية طبقت كل التوصيات، لكن الغاية المنشودة لم تتحقق”. بداية سنة 2017 بدا أن واشنطن قد اختارت التوجه نحو “الخطة ب” التي تقوم في الدرجة الأولى على إطالة أمد الحرب ودعم “المعارضة المفحوصة”. لكن التطورات توحي بأن “المعارضة المفحوصة” لم تحقق نجاحا يذكر، فيما عملت واشنطن على زيادة حضورها العسكري المباشر سواء عبر زيادة عدد القواعد، أو عديد الجنود، ثم الإعلان عن خطط لتشكيل “قوة حرس حدود”. اليوم، يبدو أن سؤال الحرب الأهم: ما هي “الخطة ج”، وهل تنطوي على تصعيد أمريكي غير مسبوق في العام الثامن؟.

جبهات أخرى

 سقوط الغوطة الشرقية يحرر جزء جد هام من الجيش العربي السوري الذي كان يحاصر المنطقة على مدى أكثر خمس سنوات لحماية العاصمة دمشق، ونتيجة لذلك سينقل الجيش ثقله إلى جبهات أخرى حيث تحاول واشنطن التمسك بطوق من النجاة يحمى بعضا من مصالحها. الأخطر بالنسبة للبيت الأبيض هو توجه دمشق ثقلها العسكري بدعم من موسكو إلى الجبهة الجنوبية الغربية المحاذية للأردن وشمال فلسطين المحتلة وبالضبط لهضبة الجولان التي لا تزال إسرائيل تحتل 1200 كلم مربع منها بعد تحرير سوريا لمساحة 400 كلم مربع منها خلال حرب أكتوبر 1973.

يوم 13 مارس 2018 أي عندما تبين أن معركة الغوطة الشرقية قد حسمت نقلت وكالة أنباء رويترز رويترز عن مصادر للجماعات المسلحة المعادية لدمشق وسكان بأن طائرات سورية قصفت بلدات يسيطر عليها المسلحون في جنوب البلاد يوم الاثنين 12 مارس في أولى الضربات الجوية على هذه المنطقة منذ أن توصلت الولايات المتحدة وروسيا عام 2017 لاتفاق لجعلها ”منطقة عدم تصعيد“.

وقال مسؤولان من المسلحين لرويترز إن الطائرات السورية نفذت ثماني ضربات جوية على الأقل على مناطق ريفية في محافظة درعا هي بصر الحرير والحراك والغارية الغربية والصورة.

وذكر مصدر بالجماعات المسلحة أن بعض الأهداف التي تعرضت للقصف في الغارات كانت قريبة من خط المواجهة في شمال درعا.

والمنطقة الجنوبية المحيطة بدرعا واحدة من منطقتين رئيسيتين في سوريا لا تزال تحت سيطرة المسلحين بالإضافة إلى منطقة شمالية قرب الحدود مع تركيا والعراق.

وفي نوفمبر 2017 مدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين هدنة السابع من يوليو في المثلث الجنوبي الغربي على الحدود مع إسرائيل والأردن.

أثر القصف السوري ذكرت وزارة الخارجية الأمريكية أن الولايات المتحدة قلقة من العنف وأنها دعت إلى ”اجتماع عاجل“ في الأردن لضمان الحفاظ على منطقة عدم التصعيد.

وقال مسؤول بالوزارة ”إذا صحت تقارير الضربات فإن هذا يمثل انتهاكا واضحا من قبل الحكومة السورية لوقف إطلاق النار في جنوب غرب البلاد من شأنه أن يوسع نطاق الصراع“.

وتخشى تل أبيب والجماعات المسلحة التي تحصل على دعمها منذ فترة طويلة من أن تعود القوات الحكومية السورية لمهاجمتها بمجرد تحقيق مكاسب في الشمال ومناطق أخرى.

وقال دبلوماسيان غربيان بارزان لرويترز إن المخاوف تتزايد بين القوى الغربية من أن الجيش السوري المدعوم من موسكو ومقاتلين من حزب الله سيمضي قدما في تنفيذ هجوم كبير لاستعادة الجنوب بعد أن تمكن من استعادة الغوطة الشرقية.

إسرائيل والاستنجاد بالأمريكي

 جاء في تقرير نشر في بيروت يوم الاثنين 19 مارس 2018:  قبل سبع سنوات، كان يمكن تقبل ارتباك البعض في فهم حقيقة سياق الأحداث التي بدأت في الساحة السورية، وأهدافها، وعلاقتها بالمخطط الأمريكي المرسوم للساحتين السورية والإقليمية، الذي كان من الطبيعي أن يتغلغل من خلال ثغرات فعلية قائمة في الواقع السوري، ويستغل عناوين وشعارات لاستقطاب قطاعات واسعة لمصلحة المخطط الذي باتت معالمه وأهدافه أكثر وضوحا من أي وقت مضى.

الآن، يفترض أن الصورة باتت أكثر جلاء للبعض، على أقل تقدير، لجهة موقع الأحداث السورية ودورها، منذ البداية، في سياق المخطط الأمريكي للمنطقة.

وتحديدا بعدما تحولت الولايات المتحدة إلى طرف عسكري مباشر في الصراع، وهو ما اضطرت إلى انتهاجه بعد فشل الوكلاء في أكثر من عنوان. فقد فشل هؤلاء في إسقاط النظام السوري واستبدال آخر معاد للمقاومة به، ولم يعودوا أيضا قادرين على “توفير البضاعة” المأمولة منهم، على الأقل استنزاف محور المقاومة بالمقدار الذي يمنح الإسرائيلي هامشا أوسع في المبادرة العملانية في مواجهة المقاومة، حققوا بعض هذه النتائج في الساحة السورية، وبقدر ما نتيجة هذا الفشل المتعدد الطبقات، عمدت الولايات المتحدة إلى اعتماد سياسة التوثب، حتى الآن، تلويحاً وتهويلا لفرض خطوط حمراء على الساحة السورية، ووضع شروط للتسوية السياسية تهدف من خلالها إلى تحقيق ما لم يتحقق في الميدان. وفي السياق نفسه، يندرج الحضور العسكري الأمريكي المباشر في بعض المناطق السورية، شرقي الفرات تحديدا، بهدف بلورة واقع ميداني يهدف إلى احتواء مفاعيل انتصار محور المقاومة، ومحاولة تغيير المعادلة التي ترتبت عن فشل الرهان على “داعش” و”النصرة” وأخواتهما.

وهكذا لم يعد بالإمكان التشكيك الموضوعي في حقيقة المعركة الدائرة على الأرض السورية، وموقعها من مستقبل الصراع مع إسرائيل، ومن المعادلات التي ترى تل أبيب أنها تمس عمق أمنها القومي. ولم يعد باستطاعة أحد أن يتجاهل حقيقة أن المعركة الدائرة في الساحة السورية، هي ساحة اشتباك إقليمي دولي، تشكل الدولة السورية أحد أطرافه الأساسيين، وهي هدفه أيضا، ومن خلالها لتحقيق أهداف إقليمية ودولية أخرى… وهو ما يشكل تظهيرا وكشفا لحقيقة الأبعاد التي انطوت عليها المعركة في سوريا منذ اليوم الأول.

لم تخف إسرائيل حقيقة أنها فوجئت بالنتائج التي آلت إليها معركة سبع سنوات حتى الآن على الساحة السورية. وبدت أن مؤسساتها الاستخبارية والعسكرية، ومن ورائها القيادة السياسية، باتت تواجه معضلة لم تخطر بمخيلة أي من المنظرين والمخططين والقادة. في البداية، حمل راية التبشير بإسقاط الرئيس بشار الأسد، خلال عامي 2011 و2012، وزير الأمن إيهود باراك، الذي وصف سقوطه، في حينه، بـ”البركة على الشرق الأوسط”، وبأنه يشكل ضربة لما سماها الجبهة الراديكالية. ثم كرر خلفه، في المنصب، موشيه يعلون، الموقف الرسمي الإسرائيلي في أكثر من مناسبة، معلنا أن “من غير المسموح أن ينتصر محور الشر، في الحرب الدائرة في سوريا”. ثم كرر مواقف مشابهة أمام مؤتمر معهد أبحاث الأمن القومي الأخير، يناير 2016.

لكن بعد سبع سنوات، لم تحل البركة التي توقعها باراك على المعسكر الغربي في المنطقة، ولم تتمكن القوى الإقليمية والدولية من الحؤول دون انتصار محور المقاومة، كما توعد يعلون، ولم تحل تحذيرات نتنياهو المتكررة من مفاعيل القضاء على دولة “داعش”، من اجتثاثها، وتحولها إلى مجموعات تديرها الولايات المتحدة وتوظفها في هذه المنطقة أو تلك على الساحتين السورية والعراقية. وبالتالي تكون إسرائيل، حتى بالاستناد إلى المعيار الذي حدده نتنياهو، قد خسرت الحرب. وبمعايير معادلات الصراع مع إسرائيل، صحيح أن هذه الحرب التي أنتجتها ومولتها الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة، أدت إلى قتل وتدمير وتهجير هائل، وإلى استنزاف الدولة السورية، إلا أن حضور محور المقاومة في الساحة السورية أصبح أكثر تجذرا، وتتعاظم قدراته في الساحة السورية ومن خلالها، وبفعل ترابط الجبهات تعززت قوة ردع محور المقاومة، ويتبلور بيئة إقليمية تشكل عمقا استراتيجيا لمقاومة الشعب الفلسطيني.

منذ اليوم الأول لبدء الأحداث السورية، كانت أهداف تل أبيب هي نفسها التي ترفع شعاراتها الآن. لكن الذي تغير هو إمكانية تحقيق هذه الأهداف عبر الجماعات المسلحة. وطرأت مستجدات ميدانية وإقليمية ودولية، فرضت السعي إلى أهداف جديدة، تصب في الاتجاه نفسه، ما يحول دون تعزيز قوة المقاومة ويفاقم التهديد على الأمن القومي الإسرائيلي. وهو ما حددته القيادة الإسرائيلية على أعلى مستوياتها، بمنع التمركز العسكري المعادي في سوريا، ومنع نقل منظومات صاروخية متطورة إلى لبنان، ومنع بناء قدرات هذه الصواريخ وتطويرها على الساحة السورية، ومنع وجود لحزب الله في الجنوب السوري… وهي ما سماها نتنياهو الخطوط الحمراء في حالتي السلم والحرب.

خلال السبع السنوات الماضية، كان حزب الله والدولة السورية يخوضان معركة وجود في مواجهة الجماعات الإرهابية والتكفيرية. أما الآن، فبات التهديد بالهجوم الأمريكي الإسرائيلي، بهدف منع سيادة سيطرة محور المقاومة من لبنان إلى سوريا فالعراق. وباتت إسرائيل تضع خطوطا حمراء منعا لتعاظم محور المقاومة في الساحة السورية. وتضع شروطا للتسوية السياسية، بهدف منع تشكل جبهة عسكرية في الجنوب السوري تكون امتداداً للجنوب اللبناني، وهو ما فرض على الجيش الإسرائيلي، كما ورد على لسان وزير الأمن أفيغدور ليبرمان، الاستعداد والمناورة لخوض معركة عسكرية على الجبهتين السورية واللبنانية.

قبل سبع سنوات وبعدها، كان الموقع الجيوسياسي لسوريا، وما زال وسيبقى هو نفسه، وكانت سوريا وستبقى ذات أهمية حاسمة في معادلة الصراع مع إسرائيل، وفي مواجهة مخطط الهيمنة الأمريكية في المنطقة، وبالتالي ستبقى الأطماع الأمريكية والإسرائيلية في الساحة السورية هي هي، وإن تغيرت أدواتها وأشكالها من مرحلة إلى أخرى. لكن المتغير الذي استجد هو أن المعركة في المراحل السابقة كانت مركزة على الوكلاء. أما الآن، وبعد فشل هؤلاء، فبات الأصيل في تل أبيب وواشنطن، يهدد بالتدخل العسكري المباشر تحت عناوين متعددة… ويعتمد حتى الآن سياسة حافة الصدام الواسع. ومع الإقرار بحساسية هذا التطور ودقته وما ينطوي عليه من سيناريوات واحتمالات، إلا أنه يكشف أيضا عن حقيقة أن قوى الخارج استنفدت رهانها على أوراق الداخل السوري من دون التدخل العسكري الخارجي الواسع، وهو ما فرض عليها دراسة خيارات التدخل المباشر التي تلوح بها. وكشف أيضا أن من بقي من الوكلاء لم يعودوا قادرين على الصمود من دون النجدة الأمريكية والإسرائيلية. ومن جهة أخرى، كشف أيضا عن أن إسرائيل التي كان يفترض أن تقوم بالمهمة كجزء من دورها الوظيفي الإقليمي، باتت هي أيضاً بحاجة إلى تدخل الجيش الأمريكي كي يدافع عن جبهتها الداخلية في مواجهة صواريخ حزب الله، وإلى الولايات المتحدة كي تحميها من سوريا وحلفائها… وفي مواجهة الوجود الروسي، نتيجة فشل رهان تل أبيب على أن تلعب موسكو دور الاحتواء لمحور المقاومة، وعامل كبح لتناميه وتطوره في الساحة السورية وعبرها.

وبفعل إدراك تل أبيب لمحدودية خياراتها العملانية، لم يعد قرار العدوان بحجم إحداث تغييرات جذرية في بيئتها الإقليمية يصنع على طاولة مؤسسة القرار السياسي الأمني الإسرائيلي، على الأقل ابتداء، ومن ثم تقدم واشنطن الدعم والغطاء المطلوبين. بل بات أكثر ارتهانا من أي وقت مضى، بخيارات واشنطن، ابتداء ومسارا وخاتمة. وهو ما سيساهم في تقييد خياراتها الذاتية، نتيجة إدراكها وتسليمها بأن الأمر يفوق قدراتها، ويضيق هامشها في المناورة أمام الإدارة الأمريكية، إلا في حالة حروب اللاخيار الفعلية وليس المختلقة”.

احلام اليقظة

 في كتاب “نشوء وسقوط القوى العظمى” يجادل المؤرخ الأمريكي بول كيندي بأن قدرة قوة عظمى يمكن قياسها على النحو الملائم فقط مقارنة بقوى أخرى، ويقدم نظرية حول ذلك: هيمنة القوى العظمى على المدى البعيد، أو في صراعات محددة لها علاقة قوية بالموارد المتاحة والتحملية الاقتصادية، التمدد العسكري المفرط والأفول النسبي المصاحب هو التهديد المستمر الذي يواجه القوى ذات الطموح والمتطلبات الأمنية التي تتجاوز ما يمكن تقدمه مواردها المتاحة.

ويقول كيندي: “المساعي العسكرية والبحرية لم تكن دائما سبب وجود الدول الجديدة، لكنها بالتأكيد كانت نشاطها الأكثر تكلفة وإلحاحا”، وتظل كذلك حتى أفول القوة. ويستنتج أن الدول آفلة القوة تختبر صعوبات أكثر في الموازنة بين تفضيلاتها من البنادق، والزبدة، والاستثمارات.

  يوم 16 مارس 2018 وفيما اعتبره البعض مزحة أو خرافة ومحاولة دس وتفرقة قالت صحيفة “واشنطن بوست”، إن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، طرح فكرة على السعودية، تتعلق بتعجيل خروج الولايات المتحدة من سوريا مقابل دفع السعودية مبلغا ماليا.

وجاء في المقالة أن ترامب، عرض على العاهل السعودي خلال مكالمة هاتفية جرت في ديسمبر 2017، فكرة مفادها تسريع إنهاء التواجد العسكري الأمريكي في سوريا، مقابل الحصول من الرياض على مبلغ 4 مليارات دولار.

ونقلا عن مصادر لم تذكرها الصحيفة، أوضح ترامب للملك سلمان ونجله الأمير محمد، المبلغ مطلوب لإنهاء الالتزامات الأمريكية في سوريا.

وتدعي الصحيفة، إن البيت الأبيض يريد الحصول من السعودية ودولا أخرى، على أموال “للمساعدة في إعادة بناء واستقرار الأجزاء السورية التي يحتلها الجيش الأمريكي وحلفاؤه المحليون.. الهدف بعد الحرب هو منع الرئيس السوري بشار الأسد وشركائه الروس من الحصول على هذه المناطق”.

ووفقا للصحيفة الأمريكية، فإن ترامب، الذي “لطالما عارض القسمة غير المتكافئة بين أعضاء التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، يعد إجبار الأعضاء على دفع فاتورة جهود ما بعد الحرب باهظة الثمن، أمرا مهما”.

عمر نجيب

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here