الحراك المغربي المضاد من الفيسبوك.. إلى الواتساب

ramia najmieh.jpg55

رامية نجيمة

منذ أيام غادرت، بشكل مؤقت، موقع الفيسبوك بسبب ما راج على صفحاته من جدال بين مؤيدي ومعارضي الحراك الريفي/المغربي. كان موقفي محددا منذ البداية، لكن انحدار النقاش بين فئتين من أبناء الوطن الواحد إلى حضيض الشتم والتخوين جعلني أنوء بنفسي عن كل ثرثرة من شأنها أن تؤثر على تسلسل الأفكار داخل رأسي وتجرفني نحو سيل العاطفة بعيدا عن خطاب العقل. في اعتقادي، أن الحراك الريفي أكبر وأعظم في معناه وتجلياته من أن أسمح لأفكار الآخرين المتباينة بأن تضغط علي وتحرّف ما يمكن أن أخلص إليه نتيجة تفكير هادئ ومنظم..لقد كنت منذ مقتل شهيد لقمة العيش؛ محسن فكري، مع فكرة الاحتجاج على ما يُعانيه المواطن المغربي وسكان الريف بشكل خاص، وذلك ليس لأني أميز أهل الريف عن بقية الشعب المغربي الأبيّ، وليس في الأمر انفصال بمعناه المعنوي النفسي عن باقي مكونات هذا الوطن ناهيكم عن معناه السياسي، ولكن لأني أنتمي رغما عني إلى هذه المنطقة الموجوعة من الوطن.

 أنا في الواقع، لم أغادر الموقع الأزرق وحسب، ولكني غادرت كل نقاش حول الموضوع مع من أعرف ومن لا أعرف.. لم أشأ لشيء أن يشتّت ذهني.. وخشيت أن أكون ضحية تأثير واستلاب من أطراف شاء لها القدر أن تكون هي الأخرى ضحية استلاب من نوع ما.. لم أشأ أن أكون جزءا من جماهير غوستاف لوبون.. تلك المندفعة مسلوبة العقل التابعة تماما لزعيم تغلب على خطاباته العاطفة ويغيب فيها العقل والرصانة.. أردت أن أجلس مع نفسي وأسائلها بكل هدوء: هل لهذا الحراك من مشروعية؟ ماذا ستكون نتيجة هذا الحراك؟ خير يعمّ أم مصائب؟ والتفكير هنا في انزلاق خطير هو أمر مشروع أيضا، ومهما كنت، وعديدون أمثالي نسخر من أولئك الذين يسعون لتعطيل هذا الحراك بحجة أن مصيرنا، إذ ما انجرفنا إليه، شبيه بمصير بلدان أقحَطها الربيع العربي.. أقول برغم من أني كنت أسخر من هؤلاء.. إلا أنه لا شيء يمنع أن لدى كل واحد فينا تخوف من انحراف غير محمود، انحراف إن حدث، فإن الدولة ستكون مسؤولة عنه بشكل كبير نظرا لتبنيها المقاربة الأمنية ولجوئها إلى العنف عوض تعاملها بذكاء وحكمة مع مطالب جزء من أبناء هذا الوطن.

أقول إني غادرت الفيسبوك متوقعة أني سأهدأ وأني سأستطيع لملمة أوراقي التي بعثرها الغضب والتشرذم، استطعت أيضا أن أتجنّب كل نقاش حول الموضوع وأحوّل كل برنامج أو نشرة إخبارية تتناول الحراك بالسلب أو الإيجاب.. فغدا كيفما كان الوضع الذي ستؤول عليه الأمور وحين سيصمت الجميع.. سيكون علي أن أواجه نفسي بجرأة وأقنعها أني اتخذت قراري برويّة بعيدا عن كل تأثير أهوج.. هذا هو التحدي الذي ينتظرني وينتظرنا جميعا سواء وضعت الدولة يدها في يد المحتجين، أو وضعتها عليهم.

وقد يسألني سائل عن الكيفية التي سأخلص بها إلى وجهة نظر سليمة حول الموضوع إن كنت قد أغلقت على نفسي كل باب من شأنه أن يُسرب إلي معطيات حول أحداث الريف، وهنا أقول إني أعيش هنا.. هنا في الريف. فأنا لا أحتاج إلى تقارير فرانس 24 المغاربية ولا إلى نشرة الأخبار المغربية ولا أي برنامج حواري يُستضاف فيه ممثلون عن أحزاب فقط ليخبرونا عن دعمهم للحراك أو رفضهم له.. إني هنا، هنا وحسب.. أمشي في الأسواق، أركب الحافلة المهترئة، ألجأ للمرافق العمومية وأقابل بشكل يومي عددا من هؤلاء الكادحين الذين ضاقت بأبناءهم المدارس التي همشتها الدولة، ولفظَهم المستشفى الإقليمي بسبب ضعف إمكاناته.

أعرف كل ما يحدث هنا.. ولا أحتاج إلى جرائد أو مجلات أو نشرات تخبرني بهذا أو ذاك.. وأنه على المرء أن يكون حكيما وغيرها من الخطابات الخشبية التي لا تلامس إلا المرفهين وعديمي المشاعر الممنوعين من كل حس تضامني. ثمة مشاكل تعانيها الساكنة، الساكنة المهمشة تحديدا، وما نعايشه هنا لعله يمثل معاناة كل ساكنة ما يسمى بالمغرب العميق.. الاختلاف الوحيد، هو أننا هنا نعايش مآسينا ونحن أدرى بها من كل القنوات التلفزية والأحزاب المرفهة التي تتبجج بخدمة المواطن، المواطن الذي فقد الثقة في الأحزاب، ويوشك أن يفقد الثقة في الحكومات إن لم يكن قد فقدها بالفعل.

لذلك لم أغير وجهة نظري من الحراك، لكني أجدها مثيرة للسخرية وأحيانا للغثيان، تلك الإشارات السخيفة التي تجول في الواتساب (الذي لم أقاطعه بعد).. والتي تحاول النيل من الحراك بشكل أو آخر، وآخرها منشور/مقال منسوب للكاتب البريطاني روبرت فيسك يقول فيه ما مفاده إن ثمة فرق بين الوطن والحكومة، وأن الشعب إن كان عليه أن يحتج فإن الاحتجاج يكون على الحكومة وليس على الوطن.. أجده سخيفا بحق، وموجها لفئة لا تفكر إلا في حالها، إنه إمعان آخر في استغباء الأغبياء.. وهل نحن نحتج على الوطن؟ ثم ما الغاية من مثل هذه المنشورات إن لم يكن إشاعة ما مفاده أن حراك الريف هو موجه ضد الوطن؟

ثم ما الوطن؟ أليس نحن؛ أنا وأنت.. وهو..؟ بالطبع نحن الوطن ! ومُدلِّس من يقول إن الوطن شيء آخر لولانا.

الحكومة التي تحتقر الشعب، هي حكومة تحتقر الوطن. والدولة التي تعتمد على مواطنين آخرين مغفلين أو مستغفلين أو مأجورين للنيل من فئة من هذا الشعب طفح كيلها ولم تعد قادرة على تحمل المزيد.. دولة لا تحترم مواطنيها. ما فائدة أن تحدثني عن أضرار الماء الملوث وأنا أكاد أموت من العطش؟ وهل يصغي المحتاج الذي ينقب في حاويات الأزبال عن بقايا طعام يأكله إلى نصائح طبية حول أضرار الأكل الملوث؟ !

المواطن الذي يطالب بتحسين أوضاعه الاجتماعية والاقتصادية هو مواطن بار بالوطن، والدولة التي تتجاهل مطالب بسيطة تنحصر في مستشفى وجامعة وبضع مناصب شغل هي دولة عاقة بالوطن. ممارسة الغباء الماكيافيلي المستهلك عبر الفيسبوك والواتساب لا يزيد المحتجين الآملين بآذان صاغية إلا خيبة في من يحكمهم وإصرارا على مواصلة احتجاجهم.. أما الذين يتوعّدوننا بمصير الدول التي خرجت من الربيع العربي يابسة الأخصان، مفتتة الجذور.. فإنهم يبرهنون، بشكل ضمني، على عدم ثقتهم بمن يحكمونهم، وخوفهم من أن تأتي المقاربة الأمنية بأسوء ما يمكن أن يكون. وهذا، بالتأكيد، ما لا يرجوه أحد لهذا الوطن.

منذ فترة استخدمت الدولة المساجد لتأليب الرأي العام على حراك الريف.. كذلك استخدمت الفيسبوك ولم توفِّر الواتساب.. ولقد نجحت في زعزعة تضامن عدد من المواطنين المغاربة مع حراك الريف، وزادت آخرين يقينا بشرعية الحراك.. لكن إلى متى؟ وماذا إن لم يزد ذلك المحتجين إلا إصرارا؟ ماذا لو فشلت المقاربة الأمنية في شقِّها التأليبي الاستغبائي؟ أليس الجلوس إلى طاولة النقاش أيسر وأهون من تخوين أبناء الوطن الواحد وزرع العداوة بينهم من خلال ضرب بعضهم ببعض؟

ما زلنا نثق في حكمة الدولة.. وأن هناك من يصغي بعين العقل إلى كل الحناجر المطالبة بالتغيير.

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. 2—انا ابن الحسيمة وملم بحيثيات ما يجري بصورة دقيقة ،الشهيد محسن فكري لم يكن مجرد بائع اسماك عادي كما صورته وسائل الاعلام اما عن جهل او بغرض الاثارة، بل كان تاجرا ضمن الحلقة الضيقة التي تضارب في الاسماك المصنفة -ورقم معاملته الشخصية كمعدل وسطي حوالي4مليون دولار سنويا في اعقاب الوفاة الدرامية لفكري جابت مسيرات تضامنية ربوع المغرب دون ان تخدش فراشة واحدة، لان الاحتجاج تقليد مكرس في المغرب، وعليه فان الوقفات التي شهدتها بعض المدن مؤخرا لا تتعدى ابداء التضامن مع حراك الحسيمة – لا ننسى ان سقف المطالب يرتفع احيانا لان للجغرافيا احكامها فالمقارنة مع اوروبا تفرض نفسها اغلب الساكنة تتحدث الاسبانية وتواصلها الاعلامي مع اوروبا عبر استقبال البث جرى قبل ظهور القنوات الفضائية بعقود بحكم القرب الجغرافي -الذين يتحدثون عن تهميش الريف منقطعين عن الواقع التهميش ارتبط بحقبة المرحوم الحسن الثاني ،ومن الاجحاف انكار ان منطقة الشمال المغربي ،ومنه الريف ، شهد في عهد محمد السادس انقلابا بنيويا ،الارقام صارخة بحقائقها، بمشاريع عملاقة مثلا طنجة المتوسط كلفة 7 مليار دولار استقرت مئات الشركات الدولية في منطقته الصناعية الحرة . مشروع مارتشيكا في الناظور بكلفة 5مليار دولار ميناء الناظور بكلفة اجمالية 4مليار دولار انطلق شطره الاول ب1 مليار دولاروبمنطقة صناعية حرة كبيرة جدا .انا اتصفح الاعلام الاسباني ورأيت حجم مخاوفهم من هذه المشاريع حتى ان حكومة مليلية طالبت بميزانية مضاعفة لتوسيع مينائها في مسعى للتخفيف من تداعيات العملاق الناضوري ; اول قطارسريع في افريقيا بكلفة4مليار دولار لربط الشمال بcasa بناء مدينة صينية عملاقة في الشمال باستثمار10 مليار دولارمستقطبة 200شركة دولية دفعة واحدة ستحدث100 الف منصب شغل و مناطق صناعية بأيت قمرة و مدن رياضية ومارينات بحرية ومشاريع كثيرة.اذن كلها مشاريع ستوفر بدائل اقتصاديةستجهز بالضربة القاضية على التهريب والمخدرات .المشاريع الكبرى تأخذ مداها قبل ان تنعكس على معيشة كل السكان

  2. أنا لست مغربي، ولكنني أعرف المغرب جيدا، وأعرب مشاكل المغرب، وأعرف أن هناك من لا يريد الإستقرار في المغرب، وأعرف أن من يريد تقسيم المغرب الى شعبين أعتمادا على الأصل واللغة. هذه حقائق لا يستطيع أي مغربي مطلع وعاقل ووطني أن ينكرها . طبعا، يجب على الدولة المغربية العمل على الأهتمام بجميع المناطق على التراب المغربي ودون تميز. وكذلك من واجب الحكومة المغربية أن تسمح بحرية الأحتجاج والنقد السلمي ضمن القانون. وأنا أعتقد أن القائمين على حراك الريف في غالبيتهم العظمى مغاربة وطنيين، ولكن مع الأسف هناك أفراد قلة يعملون من الخارج لزيادة التوتر بين أهل الريف والدولة المغربية، ويعملون من حيث لا يعلمون بأعطاء مظاهرات أهل الريف لونا باهتا يصب في هدف بعيد. فمثلا تم رفع فقط أعلام الريف في المظاهرات وتم إستعمال شعارات مستفزة لوحدة تراب الوطن . فأنا كما أعرف وتعرف الكاتبة، بأن االعوز ونقص الخدمات الصحية وتوفر الوظائف لا يشمل فقط مناطق أهل الريف، وأنما مناطق واسعة من المغرب. فالموضوع يشمل كافة التراب المغربي، وليس مختصرا على أهل الريف. وختامأ، أتمنى على أهل المغرب الأشاوس أن يبقوا متنبهين، بأن هناك سياسات عالمية لا تريد أن يستقر المغرب كما يفعلون حاليا في باقي الوطن العربي، وهم لا يريدون أن يكون المغرب بالأساس جزء من المنظومة العربية. لأنهم يعرفون أن وحدة البلدان العربية وخاصة المغربية تهدد مصالحهم وأهداف إسرائيل الإستعمارية في فلسطين والتحكم بالذات بالمشرق العربي. وللعلم تاريخيا، كان المغرب العربي الأسلامي دائما منقذا وحاميا للمشرق العربي، وتقريبا ربع سكان بلاد الشام أصولهم مغربية وعائلتي واحدة منهم. ولا غالب إلا الله.

  3. اهلا وسهلا بك يا راميا مع السيد عطوان…
    اتذكر ين مادار بينتا في الخاص على الفايسبوك عند بداية الازمة! ربما لا..على كل سعيد بملاقاتك مجددا هنا…
    فانا من قدماء قراء القدس العربي منذ انطللاقتها في لندن ..والان مع راي اليوم..
    كان الله في عوننا جميعا..والله يجازي اللي كان السبب المباشر فيما وصلت اليه اوضاع الناس..

  4. القضية ليست فقط لقمة العيش، بل كذلك الإستفزازات التي تقوم بها الحكومة بوضع أشخاص بملفات مشبوهة وبماض ليس بناصع في مراكز السلطة…
    فمنهم من عليه ضرائب وتهرب منها مستعملا التقادم، ومنهم (وزير الداخلية الحالى وآخرون) من اشترى أراضي الدولة بأسعار بخسة وقيمتها أعلى من ذلك، وهكذا اغتنى بين عشية وضحاها. هناك متابعات لم تنفذ ضد فاسدين…هذه الأشياء الشعب لا يريد أن يراها تقع أمام أعينه…هذا ما يجعل الفساد على الصعيد المحلي يستشري إسوة بمن في فوق…
    .
    خدام الدولة ينبغي أن يردوا الأراضي، لأن هؤلاء هم أصحاب الفتنة بعملهم الإستفزازي هذا، والشعب ليس بغبي، يكفينا أن نسمع الهتافات والمطالب…
    .
    كل من له ماض أو ملف مشبوه ينبغي أن لا نرى وجهه في دوائر القرار.
    .
    كل متابع ينبغي أن تتم المتابعة ضده… العلاقات والمعارف التي تدفع ببعضهم في الوصول ينبغي أن تتوقف وأن يتابع أصحابها…
    .
    هذه الحكومة حسب ما يظهر ينبغي حلها، فبعض الوجوه فيها فقط وجودها هو استفزاز ووقود للفتنة…

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here