الحراك الشعبي في الجزائر : قراءة استشرافية

 

الدكتور قادة جليد 

لقد شهدت الجزائر كأمة نقلة نوعية على مستوى الوعي الجماعي و هذا منذ 22 فبراير، هذا الوعي الإيجابي بقدرة الذات على الرفض و التغيير كان بمثابة الروح التاريخي الذي انبعث من جديد و عبر عن نفسه من خلال مواقف و مطالب و بطريقة سلمية و حضارية أبهرت العالم و المحللين و السياسيين ، لقد انتفض هذا الروح التاريخي في الأمة الجزائرية و الذي خبا لعقود طويلة من حيث لم يتوقعه الجميع، باعتبار أن الشعب في نظرهم قد استقال من الحياة السياسية والعامة و أنه يعيش قدره المحتوم في إطار الإستسلام و اليأس الفردي و الجماعي ، لقد رفع الشعب مطالب حضارية و كأنه يقول إن الجزائر لا تستحق هذا الوضع المهين بين الأمم و أنها تملك كل الطاقات و الوسائل والفرص لتكون دولة رائدة ، لقد جاءت هذه المطالب لتصب في إتجاه واحد وهدف واحد وهو التغيير وضرورة الإنتقال إلى جزائر جديدة وفق أهداف جديدة ، و إذا كان هذا المسار قد إنطلق وهو في طريقه لتحقيق أهدافه كاملة ، فمن الأحرى أن نتساءل عن أسباب هذا الحراك و تمظهراته الثقافية و النفسية والعقائدية و كذلك عن مآلاته المستقبلية لأن كل حركة تاريخية تقاس بنتائجها و مآلاتها .

1_ حراك نتاج تراكمات تاريخية :

يرى الفيلسوف الألماني هيجل، أن كل ما هو واقعي عقلي، بمعنى له أسباب معقولة تفسره لأنه لا توجد صدفة في التاريخ ، فالتاريخ سيرورة مرتبطة الأجزاء و الوحدات ، و إذا تمعنا في التاريخ البعيد والقريب للجزائر،و رغم الإنجازات المحققة، فهو عبارة عن سلسلة من الأخطاء في تدبير الشأن العام و إنتاج الأزمات غير المحلولة والتي تراكمت عبر السنين و أدت إلى التدهور و حالة الشلل الجزئي و الكلي و عطلت الإرادة العامة للجزائريين و قيدت حرية الفكر والإبداع و حاصرت الفضاء العمومي للمجتمع الذي يتنفس من خلاله سواء من خلال الجمعيات أو الأحزاب السياسية الجادة و المسؤولة ، لقد أصبحت الدولة و مؤسساتها مختصرة في الزعيم الذي بيده كل السلطات و الذي يفكر نيابة عن الشعب و يقرر مصيره ،كما ساهمت أحزاب السلطة و جمعيات المساندة والتعبئة من المجتمع المدني في مواكبة هذا السرك الدونكشوتي من خلال تحالفها مع رجال المال و الأعمال و الإستحواذ بطريقة غير قانونية و غير شرعية على مدخرات الأمة و أموال الشعب و تبني سياسة الأمر الواقع و تجاوز المؤسسات القائمة و قوانين الجمهورية  بدون أدنى شعور بالمسؤولية و احتقار الشعب و استغبائه بخطب دبماغوجية لا تنطلي على المجانين

2_ ثورة أم حالة ثورية ؟

رغم أن التناقضات في الجزائر بين الخطاب والواقع قد وصلت إلى المستوى القياسي الذي يؤدي إلى الإنفجار الحتمي ، فإننا اليوم نعيش حالة ثورية تحمل مشروعا ثوريا ، بمعنى تحمل يقظة ووعي جماعي جديد بأهداف محددة تسعى في المستقبل إلى التغيير الجذري  على كل المستويات ، السياسية والإقتصادية و الثقافية و الإجتماعية إلخ … لأن الثورة هي تغيير جذري للواقع ، والتغيير الجذري يتطلب وقتا لأنه مسار تاريخي مترابط ، ولكن الأهم من ذلك كله أن يتجه المسار أو الثورة نحو الإتجاه الصحيح ، لأن كل ثورة لها ثورات مضادة و قد تنحرف عن مسارها نحو أهداف أخرى ملغمة ، لأن هناك قوى رجعية معاكسة متضررة من التغيير تحاول بشتى الوسائل و الطرق أن تشوه هذه الثورة و تحاصرها في إطار ظروف مصطنعة و مخادعة دون أن ننسى المخابر العالمية و خاصة فرنسا لأنها ترى في هذا الحراك تهديد مباشر لمصالحها .

3_ الحراك و رمزية الجمعة :

إن الحشود الكبيرة من الشعب التي تخرج كل يوم جمعة للتظاهر في الشارع ، هي في حقيقة الأمر تعبر عن انتمائها العقائدي الإسلامي لأن يوم الجمعة و ما يحمله من رمزية دينية عند الجزائريين هو طاقة روحية معبئة يلتمس من خلالها الإنسان الجزائري المسلم الدعاء والبركة و التوفيق من الله ، لذلك تكون المشاعر في هذا اليوم صادقة ويلتحم فيها الشعب بطريقة إيمانية عجيبة ، حيث تلتقي مطالب الأرض بعناية السماء و يلتحم فيها الواقع بالغيب و يذوب الأفراد في الإرادة العامة للأمة على اختلاف أفكارهم و انتماءاتهم و قناعاتهم ، لقد ظهرت الفكرة الدينية بقوة وعبرت عن نفسها كمركب حضاري كما يرى مالك بن بني رحمه الله هذا المركب الذي انصهرت داخله كل العوامل الأخرى .

4_ الحراك كساحة للتطهير :

لقد كان الحراك بالفعل ساحة للتطهير والتطهر والتخلص من الوعي الزائف وشرعية الواقع المكرس ، كان بمثابة مراجعة حقيقية للذات و المواقف والتحرر من الإكراهات السابقة و الولاءات القاتلة و هذا بالنسبة لمختلف الطبقات الإجتماعية التي أعلنت صادقة انخراطها في هذا الحراك التاريخي الذي يحمل حلما تاريخيا يمكن تحقيقه ، حلم كل الجزائريين والجزائريات ، حلم تحقيق الجزائر الجديدة ، جزائر الحرية والفكر والعلم و الإبداع ، الجزائر التي تعترف بكل أبنائها و بدون استثناء، جزائر النهضة المأمولة التي لم تتحقق بعد ، إن التطهر الفردي والجماعي من خلال هذا الحراك معناه تحقيق قانون تاريخي و مبدأ أساسي في عملية التغيير التاريخي وهو تغيير الذات قبل تغيير الواقع مصداقا للآية الكريمة ((إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم )) و تحقيق هذا المبدأ هو الأساس في الإقلاع الحضاري لأي أمة و الدخول في عملية الإبداع بكل أنواعها و التراكم التاريخي الذي يؤدي إلى النهضة الحقيقية و الشاملة.

5/ الحراك و أبعاده المستقبلية .

إن هذا الحراك الشعبي وما يحمله من وعي تاريخي جعل الإنسان الجزائري ينتصر على واقعه و يأسه ويعبر عن نفسه من خلال مبادئ و مطالب مشروعة لتجاوز هذا الواقع البائس و الدخول من جديد في دورة الحضارة .

لقد وجد الشعب الجزائري طريقه إلى المستقبل ، هذه الطريق التي أبصرها بكل إيمان و صدق حيث لا يمكنه أن يرجع إلى الوراء أبدا و كأنه يقول (( بعد أن رأيت النور لن أعود إلى الظلام  )) و لكن هذا الوعي التاريخي حتى يحقق أهدافه وهي التقدم و النهضة يجب أن يتمأسس بمعنى يجب أن يعبر عن نفسه من خلال تواجده في المؤسسات سواء أحزاب و جمعيات أو مجالس منتخبة وطنية و محلية ، فيجب أن يكون هناك تطابق بين الوعي التاريخي و مؤسسات الدولة التي هي في طريقها إلى البناء مع المحافظة على المؤسسات القائمة مؤقتا لضمان ديمومة الدولة و تصريف شؤون المواطنين

 كما أن مأسسة هذا الوعي التاريخي بحاجة إلى نقاش طويل و نضال مستمر لأن مطالب الحراك لا يمكنها أن تتحقق دفعة واحدة ،و لكن من خلال ترتيب الأولويات و احترام عامل  الزمن ، فلكل مرحلة أولوياتها و شروطها ، وهذا المسار يجب أن ترافقه و تقوده النخبة و التي رغم احترامنا للبعض منها إلا أنها ما زالت غارقة في أنانيتها و حساباتها الذاتية، لا بد أن تبرز نخبة جديدة خاصة من الشباب تقود هذا المسار التاريخي الذي لن يغير في الجزائر فقط و لكن سيكون له تأثير على العالم العربي والإسلامي كله، و سيكون الحراك التاريخي في الجزائر وما يحمله من مبادئ وتطلعات منذ 22 فبراير مرجعية فكرية و ثورية وتاريخية لشعوب أخرى مثل الثورة الفرنسية سنة 1789 التي حررت أوروبا من الطغيان و تحالف الكنيسة مع الملوك .

[email protected]

أستاذ جامعي و باحث أكاديمي – معسكر-

Print Friendly, PDF & Email

6 تعليقات

  1. شكرا جزيلا
    نحن الشباب نطالب بتغيير جذري
    و حيل كل الرموز القديمة

  2. مقال قراءته تدفع إلى التفكير في بعض النقاط المهمة، مثل : الثورة والحالة الثورية، الوعي التاريخي، القيادات الجديدة ، فشل ونجاج الثورات……إلخ الدكتور مشكور على مقاله

  3. تشكر جزيل الشكر يا أستاذ على المقال الرائع ، الذي يحمل طموحات طوباوية ـ ليتها تتحقق ، ولو بنسبة ضئيلة . ويمكن أن نستنتج من بين سطور المقال ، أنه يدعو إلى نكران الذات ، لنخرج من أزماتنا المتعددة و المتنوعة ، لكن للأسف أن صفة نكران الذات مرفوضة كل الرفض ، وتعتبر فكرة اشتراكية ، يجب دفنها إلى الأبد . ولا يزال الرئيس الراحل هواري بومدين ، رغم وفاته منذ عقود ، يتعرض للشتم و السب ، بسبب صفة نكران الذات التي تميز بها طيلة حكمه ، وحاول فرضها على المجتمع ، فدفع الثمن غاليا . وجاءت الديمقراطية حيث ترفض هذه الصفة ( نكران الذات ) جملة و تفصيلا. فمادامت الديمقراطية قائمة كنظام سياسي في بلدنا فلننتظر المآسي تلو المآسي ، وهذه البداية ، وستأتي مآسي رهيبة و رهيبة يشيب لها الولدان قبل الشيوخ. وشكرا جزيلا .

  4. كأن حالة الوعي التي تتحدث عنها واقع معاش في جمعات الخروج الى الشارع انا اقول لك اما انك غائب او مغيب او تحلم في اكثر الاحيان خرجت الى الشارع ورايت بعيني …. هي ثورة غرائز فقط وفي اشد حالات التفاؤل ثورة احلام واهمة وواهية ذلك ان الغوغاء مدفوعون بغرائزهم وتقودهم فئة شريرة واعية حقيقة لكنها لا تبغي الا الثار ممن يحبون هذا الوطن … اما عن حرية الشتم والشب والطم فلم يكن النظام ابدا قامعا لها بل شجعها على مر السنين فترى الجزائريين يسبون الرئيس والوزير والمدرب واللاعب وكل مسؤول علانية وبدون عقاب … ارى انه الشيئ الوحيد الذي يملكه الجزائريون وهو سلاحهم الوحيد … اما كلمات وعي وتحضر واحترام للراي الاخر فلا توجد الا في قاموسك يا سيدي

  5. أهلا دكتور قادة

    اوافقك تماماً في تحليلك للحدث الجزائري الراهن الذي اصطلح على تسميته بالحراك، وكما يقال في الحركة بركة…وتطبيقا لما ذكرته في مداخلتك القيمة، سبق لي ان وجهت لك دعوة للنظر في إمكانية تأسيس حركة تمأسس للمرحلة الجديدة التي نأمل جميعا ان تكون فاتحة خير لأبناء الجزائر ونموذجا يقتدى به في الدول الشقيقة…وعليه آمل أن توافيني برأيك حولها. مع تمنياتي بكامل التوفيق.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here