الحراك الأردني الشعبي القادم

 

خالد عياصرة

عندما بدأت المظاهرات في الأردن، وجهت أجهزة الدولة لإحتوائها، بكافة الوسائل المتاحة لها. القوالب الجاهزة التي أعتمد عليها آنذاك اتسمت بالإتهام والتخوين لكل من يعارض الدولة في سياستها ومشاريعها

لأجل ذلك، وجهت مجاميع التابعين للأجهزة الأمنية، و العديد من صفحات ما أطلق عليهم الموثرين على وسائل الاتصال المجتمعي، إضافة الى بلطجية الشوارع الذين وقع على كاهلهم مواجهة الفعاليات باستخدام العنف القوة المفرطة لترهيب الناس وتخويفهم.

عملياً، أسهم هؤلاء جميعاً في تشتيت حقيقية الفعاليات التي  شهدتها محافظات المملكة، البعض اعتبرهم وسائل مطواعة بأيد جهات خارجية تسعى لنشر الفوضى، أو أحزاب داخلية تبحث عن توسيع وتقوية أذرع سيطرتها، الكثير من الصدامات تمخضت عن تحريك أدوات الدولة، إلا أن الكثير من الأمال التي عقدت على الحراك وأدت في مهدها. نتيجة  الأفعال الممنهجة، التي قادتها أجهزة الدولة بحرفية تامة، أسهمت لاحقاً في تفتيت الحركات، أما بإعتقال افرادها، أو بتهديد أرزاقهم، أو بإستدراجهم لخدمة مصالحها.

وأد الحراك بكافة أطيافة الحزبية والعشائرية والشبابية، خسر الجميع، هنا، لكن هذه الخسارة لا يمكن تحميلها لقوة وجدية افعال الحكومة، فالاحزاب والحركات والشخصيات المعارضة أسهمت هي الأخرى في ذلك، نتيجة فرديتها، ونظرتها الإقصائية التي لا تحترم الشركاء، بأعتبارهم الأقدر على قيادة المرحلة دون سواهم.

إنتهت الجولة الأولى من الإحتجاجات، لنتائج مأساوية، تحمل تبعاتها جميعاً الشعب الأردني، فالرعب الذي أصاب الحكومة جراء حركات الشارع تلاشي، وتحول إلى تغول جنوني على شكل ضرائب تعتمد على ما في جيب. المواطن بإعتباره القادر على إنتشال الحكومة من أزماتها المفتعلة، وديونها المتراكمة.

الجميع، اشترك في الجريمة، الجريمة هنا مجتمعية لا قانونية، أي أن الذي يجري في الأردن اليوم ليس انقلاباً من قبل الدولة على القوانين وتحطيمها لصالح استمراريتها، بل على افتراس للأخلاق والقيم والمبادى والعادات والتقاليد والتفاهمات التي ربطت ما بين استقرار المجتمع والدولة، لصالح ضرب الإستقرار وتحويله إلى سلعة يمكن جني المرابح من وراءها، حتى وإن ترتب على ذلك نشراً للجريمة، وتوسيعاً لدوائر العوز والفقر والحاجة، وإباحة الجوع والقبول به، بإعتبار ذلك ضرورة حتمية لإنتشال الدولة بكل تشكيلاتها من مستنقعات أفعالها.

هذا السقوط يشترك فيه النائب الذي عارض رفع الأسعار مع الذي ساند جريمة الحكومة، كما الوزير الراسمالي الذي ضغط لتطبيق سياسية الحكومة مع اليساري أو الليبرالي الذي رفض ربتزاز الناس في أرزاقها، لكون النتيجة واحدة، التوافق على استهداف الناس، وارهابهم وتهديد حيواتهم، لصالح الدولة العميقة بما تمثلة من أجهزة غير ظاهرة وشركات وبنوك وملوكاً غير متوجين !

خلال هذا الشهر يمكن القول : أن الدولة باتت تشهد المرحلة الثانية من الإحتجاجات الشعبية على سياستها، احتجاجات أكثر مشروعية واقناعاً للشعب، فالضرائب الشيطانية التي فُرضت ليست إلا وسيلة لإرضاخة، وطريقة للمساومة على المشاريع القادمة التي تتفاعل في المنطقة، لا نتيجة حاجة الدولة الفعلية للأموال لتسيير اعمالها، جراء ايقاف المساعدات والهبات الخارجية، أو بسبب زيادة ضغوط اللأجئين السوريين، او مفاعيل ملفات القدس وتصفية القضية الفلسطينية.

فهل من يخرج اليوم في المظاهرت يعتبر عميلاً، وخائناً لا وطنياً، تم شراءه من قبل الأحزاب المدعومة من الخارج، هل من يخرج اليوم للتظاهر ضد الدولة الاردنية بكل مؤسساتها يعتبر ذلك في سبيل رغيف الخبز وقطرة الدفئ في الشتاء يعتبر خائناً، المطالب اليوم لم تعد اصلاحية، بقدر ما هي حقوقية معيشية بحته تطالب برحمة الناس من شياطين الحكومة ومن يعمل معها، في سبيل التخفيف عن الناس الذين اشتعلت قلوبهم هماً، وباتوا قاب قوسين أو أدنى من الإنفجار بعد الضغط الذي تقوده الحكومة ضدهم. لكن المؤسف حقاً ان الحكومة لن تجد الكثير ممن يدافعون عنها اليوم، فالزعران والبلطجية باتوا معرضين اكثر من غيرهم لازمات الجوع والفقر والعوز، والموثرين على السوشل ميديا اضحوا مكشوفين للرأى العام وتاثيرهم محصور وساذج يفتقد للحقيقية والعمق في محتواه!

ماذا عساها أن تفعل الدولة اليوم، لمواجة الشعب كله بطيافه كافة، لمواجة اندفاع الناس للدفاع عن حقهم في العيش، وحقهم في الأردن، فهل تقلب الدولة على استقرارها، لحماية ذاتها ؟

 

kayasrh@ymail.com

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here