“الجيش الحر “تسمية تناقض الواقع

كمال خلف

هل كان هناك على الأرض السورية جيشا موحدا، لديه رؤية لشكل سوريا حرة اسمه “الجيش الحر”؟ هل كان جزءا منشقا عن الجيش السوري رفض تنفيذ الاوامر؟ هل مازال موجودا؟  من أجل الإجابة عن هذه الأسئلة لابد من العودة إلى الوراء قليلا.

في محاولة استنساخ النموذج الليبي عام 2011، وتطبيقه في سوريا، ظنا من المهندسين له أنه نموذج ناجح في قلب نظام الحكم، تم تشجيع الإنشقاق عن الجيش السوري، والمراهنة على هذا النهج في انقسام الجيش ما يؤدي بالضرورة إلى انهيار نظام الحكم بالكامل، تماما مثلما  جرى إستدعاء صورة العلم القديم كما في ليبيا وتشكيل مجلس وطني يحاكي المجلس الانتقالي الليبي  ليكون البديل السياسي، حجم ما سمي انشقاقات لم يكن بالمستوى المطلوب، فصطلح انشقاق تم استخدامه في غير معناه، لأن الإنشقاق كما هو معروف تمرد تشكيلات عسكرية كاملة، “كتائب أو ألوية أو فرق”، وليس أفرادا كما جرى في الحالة السورية وهذا يسمى عسكريا “فرار من الخدمة” وليش انشقاقا، هذا ليس المثال الوحيد عما كان يجري في بعض الإعلام من خرق للمعايير المهنية والصحفية ربما وفق مقولة الغاية تبرر الوسيلة، وبروز مصطلحات وكليشيهات رددها البعض دون البحث والتدقيق، ومن كان وقتها لديه الوقت أو الرغبة في فعل ذلك.

لذلك جرى تشكيل ما يعرف “بالجيش الحر” وفق خليط غير متجانس في ما يشبه المليشيا، من مدنيين وقلة من العسكريين .  ولأن التوجه كان دعم وتسليح كل من لديه استعداد للقتال في ذاك الوقت  ، فإن زعامات محلية ومناطقية  نشأت في ظروف من الفوضى  ، و من كان يستطيع أن يجمع حوله عدد من المقاتلين يصبح زعيما عليهم في منطقته ، ويحصل على  الموارد من المال والسلاح  والتغطية الإعلامية.

ومن أجل أن تحصل هذه الجماعة على إمتيازات و حظوة أكثر من غيرها، كان عليها أن تثبت حضورها، ومن هنا برزت ظاهرة التسابق بين هذه المجموعات، وبرز البعد الطائفي الذي تم اذكاؤه كوسيلة لحشد أكبر عدد من المقاتلين في بلاد غالبيتها من السنة.

كان يطلق على مجموع هذه الجماعات المنفصلة عن بعضها اسم “الجيش الحر” ووفق الوقائع لم يكن هناك جيشا واحدا متناسقا له قيادة واحدة اسمه “الجيش الحر”.

أما في الفضاء الإعلامي والافتراضي، الأمر كان يبدو مختلفا ، فالكل يدعي أنه “الجيش الحر”، ويتحدث عن عمليات عسكرية للجيش الحر وكان هناك ناطق واحد باسمه يتحدث من خارج البلاد  وكأنه كان جيشا . ولكن سرعان ما  تظهرت الهويات المستقلة والمنفصلة لتلك الجماعات ، بعد أن  ابتلع الكبير فيها الصغير واختفت بعضها واندمجت أخرى، ليكشف المشهد عن  فصائل تتنوع مشاربها حسب اتجاهات الداعمين في الإقليم، برزت “جبهة النصرة” وكان مقاتلوها سابقا يدرجون وفق تصنيف “الجيش الحر” قبل الإعلان عن هويتها، وكان هناك إنكار لوجودها، واعتبار الإشارة إليها نوعا من الدعاية الذي يمارسها النظام ضد ما يسمون بالثوار والجيش الحر، وبرز تنظيم الدولة كذلك من خليط من مقاتلين محليين وأجانب عبروا الحدود تحت عنوان الانضمام للثورة والجيش الحر، وحصلوا على التسهيلات الممنوحة لكل حامل سلاح وقادم للقتال ايا كان.

وبات في المشهد عشرات الفصائل لكل فصيل اسمه وعلمه و أيديولوجيته، واختفى الجيش الحر الذي لم يكن أكثر من غطاء لجماعات مقاتلة مختلفة وغير متحدة بجيش أو رؤية.

تم صرف مبالغ فلكية على هذه الفصائل، حسب بعض ما كشفه الداعمون مؤخرا، لكنها لم تحقق أهدافها، انما اقتتلت فيما بينها ، وقتلت وشردت مئات الألاف من المدنيين نتيجة هذا الاقتتال الدموي. وفي كل منطقة كانوا يسيطرون عليها كانوا يرتكبون المجازر، كما حدث في ريف دمشق تحديدا أحياء جنوبي العاصمة، ومذبحة مدينة عدرا العمالية شمال العاصمة، ومجازر قرى ريف اللاذقية، وغيرها، عدا عن فرضهم الأحكام الشرعية المتشددة تتراوح  بين الجلد وقطع اليد والرأس، هذا كله لم يكن في مناطق “داعش” او على يدها وهي فعلت بالطبع ذات الافعال، انما كان بفعل هذه الفصائل، رغم ذلك  بقيت الكليشه المتداولة إلى اليوم هي مقولة” النظام يقتل شعبه”.

رغم كل هذه الوقائع إلا أن التسمية أو المصطلح “الجيش الحر” لم ينقرض بعد، فمازال صالحا للتوظيف بشكل محدود مع تقلص رقعة المعارك وانحسار المشروع القديم .

في شمال سوريا جماعات مسلحة  تتبع لتركيا مباشرة، يطلقون عليها اليوم “الجيش الحر” هو ليس حرا في الواقع لأنه يقاتل لحساب تركيا ووفقا للمصالح التركية.

أطلق عليهم في البداية اسم فصائل “درع الفرات” أو “قوات درع الفرات” بسبب قتالهم لحساب تركيا في صيف العام 2016 ضد الأكراد، في عملية درع الفرات، ومن ثم دخلوا عفرين في العام التالي مع الجيش التركي وهجروا معظم سكانها واحتلوا بيوتهم.

تحشدهم اليوم تركيا لحسابها أيضا لمحاربة الكرد شرق الفرات و منبج ، يقول أحد قادة هذه الفصائل بعد أنهوا الاستعداد   لمعركة شرق الفرات ، “نحن ننتظر الأمر التركي لبدء القتال”، وبهذا الشكل يبدو الترويج لهم  على أنهم” جيش حر” نوعا من الدعاية التي لاترتكز إلى الواقع ولا معنى لها، فأي حر هذا الذي يقاتل لحساب دولة أجنبية وضد أعداء تلك الدولة حصرا .

واكثر من هذا فإن ممارسات هذه الفصائل المسماة اليوم “جيش حر”، تؤشر إلى نوع همجي من المقاتلين، لا يتمتع هذا النوع بادنى الاخلاق والانسانية ، لنتذكر المشهد الذي صدم العالم بعد دخول هذه الفصائل إلى عفرين السورية  بمساندة تركيا، مشهد المقاتلة الكردية “بارين كوباني” التي اسرها ما يسمى “الجيش الحر” وقام عناصره بنزع ثيابها والقفز على صدرها  وقتلها والتمثيل بجثتها وتصوير كل ذلك.

قام هؤلاء أيضا  بفرض اتاوات على الناس  في مناطق سيطرتهم وعلى مالكي أشجار الزيتون في عفرين ممن تبقى من أهلها  كمبالغ مالية لقاء كل شجرة زيتون أو عدد محدد من غالونات “زيت الزيتون” حسب الكمية التي ينتجها المالك، مع تزايد حالات الاختطاف والاعتقالات التي طاولت مهجرين في المنطقة.

إن اكبر خطأ ارتكبته ومازالت ترتكبه المعارضة السياسية السورية، إنها أخذت على عاتقها تجميل صورة هؤلاء ، والتستر عليهم بدلا من التبرؤ منهم ، بل تصديرهم على أنهم ثوار ، والاستمرار بحالة الإنكار ورمي المسؤولية على النظام  رغم كل هذه الحقائق، أي جيش وأي حر.. إنها أيها السادة الأساطير المؤسسة، التي تغطيها الغرابيل.

 كاتب واعلامي فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email

9 تعليقات

  1. قائد الجيش الحر عصام زيتون يزور تل أبيب في ٢٠١٨ وكمال االبواني زارها ٤ مرات ,,,, فان كان اردوغان من خلفهم فزيارتم تل أبيب تأتي بناء على توجيهات داعمهم ان كانت تركيا او قطر او اي كان داعمهم ,,
    الفساد واالفلوس الكبيرة التي دخلت سوريا من دول خليجية وغيره كانت من احد الاسباب
    حركة الاخوان المسلمين التي لم تقاتل صهاينة ولا غزاة بل تخطط لقلب حكم من هم ضد الصهاينة ,, حاولوا اغتيال عبد الناصر ومحاربة الاسد ,, بزمن حافظ الاسد وبشار ,, واتفقوا مع اميركا لاستلام الحكم ومرسي نادى رئيس الصهاينة بالصديق ونادى لحرب ضد الاسد ,,, فهذا حزب وجد ليكون هكذا طائفيا تكفيريا ,,,وكذلك الوهابية وتاريخها وحاضرها كان تكفيريا وجد مخابراتيا ويتنقل من بريطانيا لاميركا مثلما بدأ الصهاينة من حضن بريطانيا لاميركا ….

    فالتكفير الصهيوني والوهابي والاخواني تلاقوا وانتجوا ما حصل

  2. اعتقد ان هناك تنسيق واسع في الصحافه الغزبيه و وسائل الاعلام بتسميات مضلله تلبس الاشرار ثوب الاشراف و بالعكس او تقاب الامور و منها تعابير الجيش الحر و المعارضه التي تستعملها صحافة الغرب او وصف فلسطين بالاراضي غرب الاردن حتى لا تستعمل كلمة فلسطين و الرجوع الى حماس بالحركه الاسلاميخ الراديكاليه و كل هجوم اسرائيلي على عزه جاء ردا على اطلاق نيران من هناك و كل ذلك يصب في المصالح الصهيونيه و تعمل على تضليل المواطن الغربي و خصوصا في اوروبا و شكرا للاعلامي الحر فعلا كمال خلف على كشفه عن الحقائق فلا نقابل الاكذيب المحرّضه الا بالتوعيه

  3. إلى الجزاير، بالله عليك كيف فرق الكاتب بين أهل سورية؟ تاريخ السيد الرئيس بشار الأسد وأبوه أغنى من أن يعرّفا. هناك أخطاء عندهما ولكن كل هذا ماتراه أخطاء كان لصالح الدولة وليس ضدها وعندما جاء الرئيس بشار الأسد وأظهر شيء من الليونة أستأسدت النعاج وتذأبب الخرفان والأرانب. لو كان حافظ الأسد مازال بين ظهرانينا لما حدث ما حدث

  4. الجيش السوري هو جيش الجمهوريه العربيه السوريه الحره و من يخروج عن هذه المنطق فهو خائن

  5. الى الاخ الجزائري اذا اردت انبئك بانجازات اسرائيل وانجازات السلطة الفلسطينية! هل يعطي هذا الحق لصهيون ان يحتلوا فلسطين

  6. التعليق:صدقت ووفيت بكلامك هذا، اين الحرية للجيش الحر- كما يسمونه- إن كانت الأوامر تأتي من الخارج، واصبح جيشا مسيرا ليس بمخير ولا حول له ولا حرية. فهو (الجيش المستعبد).

  7. لا شك أن هذا المقال أصدق وأدق وأجرأ مقال كتب عن هؤلاء العضاريط الفارّين من صفوف الجيش العربي السوري والذين خانوا القسم والشرف العسكري , خانوا الجيش الذي تقوم عقيدته القتالية أساساً على أن العدو الوحيد هي اسرائيل ومن يساندها , هذا الجيش صاحب التاريخ العسكري الطويل والمشرِّف في الدفاع عن حياض الأمة العربية والذي ما بخل في تقديم عشرات الآلاف من الشهداء من خيرة منتسبيه في سبيل الدفاع عن الواجب الوطني والقومي المقدس .

  8. عملوا لصالح من يدفع اكثر هم حفنة من المرتزقة لا تهمهم الوطنية بل تلاميذ نجباء لمؤسسهم وممولهم الصهيوني بيرنارد هنري ليفي.

  9. اليوم يوم الالفة والتجميع. استاذنا نتمنى ان تكتبوا على صفحات هذا الموقع المحترم للم شمل السورين لا لتفريقهم.
    ان شئت سطرت لكم ولمتابعي الموقع تاريخ ٱل الاسد، ومنجزات ٱل اردوغان.
    لن افعل هذا، وقد عزمت على ان تكون مداخلاتي لجمع فرقاء سوريا الحبيبة.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here