الجـرف الصـامــد: مـن أروقة السياسة إلى ساحة الحرب

nouh-fsases666

 

نوح فسيفس

انتهت المهلة المقررة للمفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية أواخر أبريل/ نيسان الماضي، بعد وساطة أمريكية بين الطرفين استمرت 9 أشهر، من دون تحقيق أية نتائج. وهي المفاوضات التي كانت مقررة بين الجانبين ضمن مشروع”اتفاق الإطار”الأمريكي لإحلال تسوية سياسية شاملة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

على ما يبدو فإن حكومة نتنياهو ترى نفسها في حالة فقدان للوعي بعدما تم التوقيع على اتفاق الشاطئ في غزة بين حركتي فتح وحماس في 22 نيسان/ابريل 2014, والذي تمخض عنه انهاء مرحلة الانقسام المريرة بين الضفة وغزة وتشكيل حكومة التوافق الوطني, وعلى الجانب الآخر فقد وجدت الحكومة الإسرائيلية نفسها في مأزق كبير أمام تلويح القيادة الفلسطينية بالتوجه للحصول على العضوية في المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة وهو ما تعتبره إسرائيل بمثابة الأمر الخطير وغير المقبول وكفيل بنسف أي مشاريع للتسوية السياسية بين الجانبين, وهو ما أفصح عنه رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو “أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يتقدم نحو تحقيق التصالح مع حركة حماس عوضا عن تحقيق السلام مع اسرائيل, وأضاف أنه يتعين على عباس أن يختار أحد الأمرين، لأنه لا يمكن تحقيقهما في آن واحد، معربا عن أمله بأن يختار السلام مع اسرائيل، وهو ما لم يفعله حتى الآن. وزعم نتنياهو ان اسرائيل تحاول في هذه الاثناء، التوصل الى اتفاق لاستئناف المفاوضات مع الفلسطينيين، واتهم عباس بوضع شروط جديدة، رغم معرفته بأن اسرائيل لا يمكن ان تقبل بها”.

ولا شك أن المصالحة الفلسطينية لدى حكومة اسرائيل تُعني بالضرورة اللجوء إلى التصعيد, ويجب التدخل بكل الوسائل لإفشالها والتصدي لها وبأي ثمن. فقد قال رئيس الوفد الفلسطيني المفاوض عزام الأحمد، إن إسرائيل لا تريد أن تستمر المصالحة بين الفصائل الفلسطينية، مشيرا إلى أن أحد أهداف الحرب الإسرائيلية على غزة هي إفشال حكومة التوافق الوطني.

لقد واجه نتنياهو الفشل أيضا حين قوبلت دعوته الصريحة لحكومات الدول الكبرى لعدم الاعتراف بحكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية بعكس ما طالب به، فخاطب واشنطن عبر تصريح لوكالة «أسوشييتد برس» قائلا: «أشعر بقلق بالغ إزاء إعلان الولايات المتحدة عن استعدادها للتعاون مع حكومة تدعمها حماس».

عقب الإعلان عن موت المفاوضات بين السلطة الفلسطينية واسرائيل أواخر أبريل/نيسان الماضي أعلنت القيادة الفلسطينية عزمها اتخاذ خطوات مهمة وجريئة من جانب واحد كرد فعل على فضل المفاوضات وهي : أولا: التوجه الفوري إلى إتمام المصالحة الفلسطينية وإنهاء حقبة الانقسام بين غزة والضفة الغربية للوصول إلى حكومة توافق وطني, وثانيا: الانضمام إلى الهيئات الدولية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة, وهو ما اعتبرته اسرائيل تصرفا غير مقبول من الجانب الفلسطيني من شأنه إلحاق الضرر بعملية السلام. وحسب نتنياهو “فإن هذا لن يقوي السلام, إنما سيعزز الإرهاب”.

لقد كان الرد الإسرائيلي على هذه الخطوات الفلسطينية هستيريا وبشدة لأن حكومة نتنياهو وجدت نفسها إلى الحائط لا تدري كيف وماذا تفعل أمام اصرار القيادة الفلسطينية على انجاز هذه الخطوات وقبل نهاية العام, ومن جهة أخرى أمام موقف إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما المؤيد للمصالحة الفلسطينية.

لقد أصيبت حكومة نتنياهو بالحرج الشديد أمام الرأي العام الإسرائيلي ولم تستطع أن تكظم غيظها بالنسبة للجانب الفلسطيني, وحسمت أمرها لتصعيد الموقف بكل الاتجاهات ولكن وفق التوقيتات الملائمة وفي إطار حدث فارق من شأنه قلب الأمور لصالحها عالميا ومحليا.

لقد استغلت الحكومة الإسرائيلية حادث اختطاف المجندين الثلاثة في الضفة الغربية منتصف يونيو/حزيران الماضي, واتجهت نحو التصعيد الأمني في الضفة الغربية لمواجهة السلطة الفلسطينية والضغط عليها للعودة عن قرارها بإتمام ملف المصالحة الفلسطينية وعدم التوجه بطلب الانضمام لعضوية هيئات تابعة للأمم المتحدة, ثم اتجهت نحو التصعيد العسكري بشن الحرب “الجرف الصامد” في قطاع غزة لمواجهة حماس وفصائل العمل المسلح والقضاء على الصواريخ القادمة من غزة وإلى الأبد, وأُعلن في اسرائيل أنها حملة عسكرية حاسمة وطويلة ولا تنتهي بوقت ما لم تحقق أهدافها, وقد انزلقت الأمور إلى الحرب المفتوحة والقاسية حيث عمدت المقاومة في غزة إلى ضرب العمق الإسرائيلي بصواريخ بعيدة المدى ما شكّل عاملا مهما في سير العملية العسكرية دفع بالحكومة الإسرائيلية إلى توسيع الحرب إلى نطاق أكبر للقضاء على منصات الصواريخ والأنفاق ومخازن السلاح وأعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية الدخول إلى المعركة البرية واسعة ومحدودة النطاق في القطاع من أجل اتمام تلك المهمة.

إن قرار الحكومة الإسرائيلية دخول الحرب جعلها تضع أهدافا مصيرية لحملة عسكرية حاسمة وقاسية بحسب تصريحات قادة الجيش الإسرائيلي, وقد اتخذت هذه الأهداف مسارين اثنين: أولا/ المسار السياسي : هدفت من خلاله اسرائيل إلى ضرب التوافق الوطني الفلسطيني وإعاقة تطبيق المصالحة بين فتح وحماس والتي يُنظر لها تهديدا استراتيجيا لإسرائيل, وكذلك الحيلولة دون قيام القيادة الفلسطينية بتقديم طلب الانضمام إلى هيئات دولية هامة, والعمل على إعادة السلطة إلى طاولة المفاوضات وبدون أي شروط. وثانيا/ المسار العسكري: هدفت من خلاله اسرائيل إلى تحقيق:

  1. تقليص التهديدات والمخاطر التي يتعرض لها الأمن القومي الإسرائيلي ومصدرها غزة.

  2. القضاء على الفصائل المسلحة في غزة ولا سيما حماس وبشكل نهائي.

  3. تدمير البنية التحتية للفصائل المسلحة والتي تشمل شبكة الأنفاق ومنصات الصواريخ ومخازن الأسلحة.

  4. ترميم قوة الردع الإسرائيلي في مواجهة التسلح في غزة والعمل على تحجيم الإمكانات التسليحية لفصائل المقاومة.

  5. نزع السلاح من غزة وبشكل نهائي كهدف استراتيجي قدمته الحكومة الإسرائيلية إلى القاهرة في التفاوض وحشدت له التأييد الدولي والأممي ووضعته رسميا على طاولة مجلس الأمن الدولي لاستصدار القرار بذلك, حيث أبلغت اسرائيل أنه لا سلام في المنطقة بدون نزع السلاح من غزة.

وعلى الرغم من خيار الحرب الذي اتخذته اسرائيل وضراوة المواجهة مع فصائل المقاومة في غزة, إلا أن الحكومة الإسرائيلية قد حددت لها نطاقا زمنيا ومكانيا للحيلولة دون إطالة أمدها وهذا جاء في إشارة رئيس الحكومة نتنياهو : “عملية الجرف الصامد ستستمر حتى تحقيق أهدافها (…) وهذا قد يستغرق وقتا”. وأضاف قائلا أنها ستتواصل حتى بعد افتتاح السنة الدراسية الجديدة في “إسرائيل”. ولكن الحكومة في اسرائيل ليست معنية بإطالة مدة معاناة السكان الإسرائيليين جراء الحرب وتعرض المدن الإسرائيلية للقصف الصاروخي الذي مصدره غزة, ومن جهة أخرى لا ترغب في تمديد الحرب إلى آماد غير محددة للحيلولة دون انتفاض الشارع العربي جراء الجرائم الإسرائيلية التي تستهدف سكان قطاع غزة من المدنيين والأطفال والنساء.

كاتب فلسطيني وباحث متخصص في الشؤون السياسية والدولية

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here