الجزائر على شفا جرف هار

ismaeel alqasimi alhusni1

 

منذ عام 1992  و بعد الانقلاب المشؤوم في الجزائر، و الذي أسهم فيه كثير من النخب السياسية و الفكرية و الإعلامية، و على رأسها تلكم التي باتت ضحية خيارها المغفل (التيار الاسلماوي)  و التي توهمت في لحظة غباء سياسي يبدو انه متأصل، إمكانية استغلال المؤسسة العسكرية لتنحية رئيس الجمهورية، الشاذلي بن جديد ( 1929-2012 )، و الحال أن القيادة العسكرية كما تبين لاحقا هي من استغفلت تلكم النخب و استغلت نداءاتها الغير مسؤولة، ثم قلبت الطاولة في وجه الجميع، و أدخلت الجزائر نفقا مظلما، تجاوز كل حدود العقل، لتستباح الدماء والأعراض و الأموال، و تحت ظل المآسي المروعة، و على جثث عشرات الآلاف من  الضحايا، تم وضع ماكينة نهب المال العام، ذات طاقة في انتاج الفساد خارقة، لتصبح الجزائر متصدرة قائمة الدول الأكثر فسادا في العالم؛ و توالى العبث بمصلحة وطن يوصف بالقارة، و تضييع فرص على شعب إلى عهد قريب يوصف بالشعب الثائر و أب المعجزات، فمن اغتيال رئيس الدولة محمد بوضياف (1919-1992)، إلى إقالة مفضوحة للرئيس اليامين زروال 1999 و انتهاء باستيراد رئيس جمهورية، ثبت في صحيفته القضائية، و باعترافه المسجل صورة  و صوتا، سرقته لمبلغ مالي يزيد من ميزانية دولة الصومال بكلها و كلكلها آنذاك.

الجرائم التي تعرض لها الشعب الجزائري، بتواطؤ معظم قيادات التيارات السياسية الكبرى، باستثناء السيد عبد الحميد مهري (1926-2012) أمين عام حزب جبهة التحرير الوطني، الذي تعرض إلى انقلاب نتيجة موقفه، وصف من قبل فاعليه العصابة بأنه انقلاب ابيض؛ كل تلكم الجرائم ضد الإنسانية بالغة البشاعة، من السيارات المفخخة و المجازر التي لم تستثني سنا و لا جنسا، إلى ترويع المواطنين خاصة أهل البوادي و الريف، كان القصد منه ضرب الفلاحة والتربية الحيوانية في مقتل و هو الذي حدث بالفعل، كل ذلك و غيره من تفاصيل لا يتسع المقال لذكرها، رسخ في نفسية المجتمع استعدادا لتقبل أي شيء سوى البقاء في جحيم الحرب الأهلية الهمجية،  و كان هذا من أهم انجازات السلطة الجزائرية و شركاءها، فدارت ماكينة الفساد لتنتج قضايا تهز عالم المال، فان كان الفساد بين عامي 1980-2000 وحدة حسابه آلاف الدولارات   و في أخطرها كحال رئيس الجمهورية الحالي بضع مئات ملايين، فالماكينة الحديثة جدا، أصبح الكلام بعشرات المليارات من ألدولارات كانت فاتحته بعد وقف الحرب، بشاب مجرم يقبع اليوم في سجن ببريطانيا، ما خلت ليلة إلا و هو في ضيافة فخامته، و لا تنقل الأخير لبلد أجنبي إلا كان تحت إبطه، و استمر الشاب هكذا ليبني إمبراطورية أسطورة في عامين، و دون سابق إنذار يُكشف للشعب نهب 17 مليار دولار، الغرابة ليست في ضخامة المبلغ الذي يساوي ميزانية دولة كتونس لعامين ذات العشرة مليون مواطن، لنتخيل فقط حجم الفاجعة، تحت مرآى المخابرات     و تزكية و مباركة من رئاسة الجمهورية المؤتمنة أساسا على الخزينة العامة، و تواطأ حقير مع كل رؤساء الأحزاب،  و لن أستثني هنا كثيرا من الإعلاميين و الصحفيين، لكن الماكينة طورت منتوجها من رجال الأعمال المزورين، لتضع ختمها الرسمي على الفاعل المفعول به، فمن وزير التجهيز و تهيئة الإقليم السابق، الذي تشرفت صفحات جريدة “لوكنار اونشينيه” الفرنسية بنشر قائمة ممتلكاته  و شركاته خارج الجزائر، مرورا بوزير تيار اسلماوي أثبتت التحقيقات المنشورة اختلاسه لمبلغ يراوح 10 مليار دولار، تحت عنوان برّاق طبل له خدمه و مرتزقة السلطة يقال له: مشروع القرن”، و القائمة كذلكم طويلة لا يتسع المقال لذكر أبطال العالم في الفساد و نهب مال الشعب،  و الغريب في منافستهم المهزلة هذه، جميعهم نال المرتبة الأولى، و لعل الأخير    و ليس الآخر وزير الطاقة السابق الذي صدرت بحقه مذكرة اعتقال دولية، و الذي قُدر المبلغ الذي اختلسه بـ 19 مليار دولار، ما يعدل نصف ميزانية حكومة هذا الشعب المسكين.

لست هنا أذيع سرا و لا أكشف جديدا، فقد باتت هذه الحقائق معلومة لدى العامة، طبعا ليس بفضل الصحافة و رقابتها، و لا بفضل شفافية و كفاءة المؤسسات المعنية، و إنما نتيجة صراع أجنحة السلطة الجزائرية، و تناحرها حول مساحات النفوذ و معادن المال؛ عند هذه المحطة أتوقف و هي مناط الحركة للسلطة الحاكمة، و الفطريات من الأحزاب و الشخصيات، التي تسترزق في ظلالها.

على إثر التغييرات في الحكومة، و خاصة التعديلات التي مست الأجهزة الأمنية و العسكرية، تدفقت قرائح المحللين بطروحات كان أهمها، محاولة إقناع الرأي العام، بأن هناك جناحين قويين في السلطة احدهما وطني و هو تبع الرئيس، و ثانيهما سيد الفساد و صانعه، و يخلصون إلى نتيجة مفادها عودة تحكم الرئيس و بقوة في زمام الأمور، و عزمه النافذ على إصلاح كل الأوضاع؛ ولا أدري هل هذا التحليل المتداول في الصحافة الوطنية، أغباء صاحبه أوصله لرسم هذه  اللوحة السريالية المضحكة، أم هو استغباء للمواطن الجزائري و استخفاف بعقله، ناتج كما سبقت الإشارة له، لاستقرار وعي نفسي عنوانه: لا حديث عن الفساد إذا كان يقابله المجازر.

تنقلت بنفسي إلى العاصمة لاستيضاح الأمر، ذلك و كما هو معلوم، من مهازل العقل السلطوي    و الحزبي في الجزائر، أن حدود هذا الوطن “القارة” تنتهي بحدود العاصمة، و الشعب الجزائري كله مختزل في سكانها، و غيرهم مما (لغير العاقل) تبقّى يُحسبون من البدون درجة ثالثة،          و التقيت هناك بمن يُحسب من الدائرة الأولى قربا لصناع القرار، و هي خلطة بين المدني         و العسكري بشقه الأمني و المالي، و خلاصة توصيف الحركة التي تمت، تغيير مواقع و استبدال بيادق و لا شيء غير ذلك لأنه أساسا لا يوجد أجنحة و خيارات و برامج سياسية، و لا مقام لمشاريع مجتمع متضاربة، هي نفس الخلاصة التي أفادني بها قبل شهور  وزير الاتصال السابق و ناطق باسم الحكومة، إذ أجمل الصورة بانعدام الدولة و بانعدام رجالها؛ و لا أنكر هنا القول بكلل مرارة، إذا كان هذا تفصيل المشهد في الجزائر و واقعه، فالعشرية من القرن الماضي أنهكت الجزائر قتلا و جرائم، و العشرية الأولى من هذا القرن، أفلست خزائنها و شردت أدمغتها، و لا أتصور هذه العشرية إلا أنها على شفا جرف هار ما لم يتدارك عاجلا رجال الجزائر الوضع…… نسأل الله السلامة.

اسماعيل القاسمي الحسني- فلاح جزائري

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. لا يسعني إلّا أن أقول لكم شكرا على هذه الجرأة في الكتابة لما أدليتم به من حقائق جدّ مهمة وبطريقة فيها الكثير من التهكّم و الإستفزاز ….كان الله في عونكم

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here