الجزائر: سلطة العرش و النعش

د. نورالدين ثنيو

       بدعة سياسية يريد أن يكرسها الحكم السلطوي العربي  و هي  أن يدير و يبَّدر النظام الجمهوري بطريقة الحكم الملكي، و هذا لعمري مفارق لروح العصر و منطق التاريخ و مناقض تماما للعقل في ابسط أبجدياته. و لعلّ المظهر المروّع لهذه المفارقة أن يأتي النظام عن طريق انتخابات مزورة و يتمادي في تنظيم استحقاقات انتخابية ليس لتداول الحكم مع المعارضة، بل لتوكيد و تكريس نفس النظام في عملية ترمي إلى توحيد الحاكم مع نظامه و تفصيل متواصل للدستور على مقاسه و شروطه. تلك هي البدعة السياسية التي أوصلت العديد من الدول العربية و الإفريقية إلى حافة انهيار كبير للدولة و المجتمع معاً، لأن النظام السلطوي أراد أن يُمَاهي بين النظام الملكي الذي لا يحتاج إلى انتخابات ، لأنه قائم على العائلة الحاكمة بالوراثة، و بين النظام الجمهوري الذي يفترض فيه أن يمر الحاكم عبر انتخابات نزيهة و ديمقراطية.

      الحقيقة أن تداخل بين الحاكم و بين النظام الجمهوري و انصهار الأول في الثاني أو العكس، لا يمكن أن يستقيم في الفكر السياسي المعاصر و لا في الممارسة ، فلا يمكن لتراث الأمة أن يتماهى مع الشخص الفرد و أبداً ينصهر التاريخ مع الحاكم، كما أنه يستحيل أن يُقْرَن اسم الشخص الحاكم في النظام الجمهوري مع مقومات الدولة و أجهزتها. فأصل النظام الجمهوري هو الجمهور نفسه، و أن السلطة موجودة في كنفه، و من ثم يجب أن لا يعاند الحاكم في استحواذه للسلطة و احتكارها لنفسه و لحاشيته، لأن سرعان ما تفصح الحقيقة عن نفسها و تعود الأمور إلى نصابها، أي السلطة للجماهير، عبر حِرَاكات و أساليب شعبية و مدنية تؤكد فيها قوى غير سياسية على قوتها التغيرية.

      الحراك الذي يجري اليوم في الجزائر، يؤكد بأكثر من معنى، فساد المفارقة التي يريد أن يفرضها النظام السلطوي والقاضية بضبط النظام الجمهوري على منظومة الحكم الملكي. فقد التمس الحراك الشعبي، و ليس الشَّعبوي، الأسلوب المسالم للتعبير عن رفضه لتأبيد الحكم في الرجل الواحد، كما تبنى الطريق السلمي ، بدل العنف، من أجل تصحيح مسار السلطة في الجزائر و السعي بها إلى إرساء معالم الدولة التامة التي لا تزول بزوال الرجال و الجماعات . الحراك في ذاته، ينطوي في ماهيته على تجاوز الأمر الواقع المفروض من قبل النظام، كما أنه يسعى إلى تخطي مرحلة الربيع العربي التي شهدت العنف و الإرهاب و انهيار دول الحكّام. فالحراك الذي يدور رحاه اليوم في الجزائر يستمد قوته من حالة السلم و المسالمة التي صارت “عقيدة” لا يمكن التنكر لها. و كل عقيدة يعتقنها شعب عرمرم تصبح قوة مادية قادرة فعلا على التغيير .

      و هكذا، فإن ما يجترحه الحراك الشعبي في هذه اللحظة التاريخية الرائعة هو تأسيس سابقة سياسية جديدة ، يجب أن تنتصر فيها إرادة الشعب على سلطة النظام، أي سلطة السلم على سلطة التزييف و احتكار العنف و إعدام متواصل لصوت و حكم المعارضة. و لعلّ أعظم نتائج هذا الحراك أن يدخل التاريخ بمعناه النبيل الذي يجب أن يؤسس لما بعده  ليس على مستقبل الجزائر كدولة و مجتمع بل على الصعيد العربي و الأفريقي خاصة في البلدان التي أخفقت فيها السُّلط الحاكمة في تحقيق الدولة التامة التي تتنزه على الأشخاص الطبيعية و الجماعات الضاغطة. دخول الحراك السلمي إلى التاريخ يعني من جملة ما يعني إبقاء إرادة الشعب يقظة عبر ممثليه الحقيقيين في الهيئات المنتخبة ، على اعتبار أن التأسيس للسلطة السياسية جاء فعلا عبر انتصار الجماهير في حراكها السلمي ، و ليس كما كان يحدث في الأنظمة السلطوية التي كانت هي التي تقوم بفعل الإنقلاب، أو تطلب الخروج إلى الشارع و ترتب نتائجه وفق مصالحها الخاصة.

     فالحراكُ يشْعِر الجماهير بقوة حضورها في الساحات و الميادين العامة، أي المجالات التي تصنع الحدث العمومي ليتراكم، في نهاية المطاف، في تراث الدولة و مؤسساتها. فالحراك، على ما يجري اليوم في الجزائر، يجب أن يحاط بكل العناية اللازمة لتأسيس واقعته الشرعية، ليس بفعل السلطة و إنما بفعل الشعب، و هو في الميدان و الساحات و الجادات العامة. إن الشعب ، لحظة العولمة و الزمن الفائق، تحوّل إلى جماهير لها قوة الحضور في كافة مناطق العالم و ليس فقط في البلد المعني و حسب. و لا تعوزنا الشواهد لكي ندلل على ذلك : أن كثير من عواصم العالم و مدنه تشهد حشوداً من الجزائريين يعارضون “العهدة الخامسة ” للرئيس/ الكَفَن ، و يهتفون بصوت مسموع و واضح إلى العالم كله، أن الشعب يريد أن يزيل دولة الحزب الحاكم، و إحلال مكانها دولة الجمهورية  الجزائرية الديمقراطية الشعبية، في عهدها السلمي  الجديد و ليس الجمهورية التي تمخضت عن ثورة تحريرية مسلحة، حيث عادت فيها السلطة إلى الجيش و استمات فيها إلى حد الانهيار في عهد آخر رئيس ” ثوري”.

    الحقيقة، أن ما يُحسب لهذا الحراك، أنه يتم في مواجهة، الحق فيها واضح و بديهي، بين إرادة شعب و بين سلطة تريد أن تفرض رئيس/ كَفَن ، يجمع العالم كله، و بلا استثناء، أنه ليس عاجزا عن الحكم فحسب بل لا يليق بدولة تنتمي إلى المجتمع الدولي و عضوة في هيئة الأمم المتحدة أن تفعل ذلك، فالإهانة تطال الجميع و ليس الجزائر فقط. و من هنا شرعية الحراك و معقوليته، واضح و بيّن منذ البداية، كل شعوب العالم تستنكره و تندد به. فلا يمكن أن نجمع بين حكم العَرْش و حكم النَّعْش، لأن الحكم للأحياء فقط و ليس للأموات.  فالحراك الذي يستمد قوته من نواته الحيوية السلمية، يؤمن شرعيته التي تعني سلطة الشعب حقيقة و ليس مجازا، لأنها استوفت شرطها الداخلي و الخارجي معا، أي أنها حازت على استفتاء في الجزائر و في العالم أيضا. و لعلّنا لا نجانب الصواب عندما نُصَرّح ، أن أعظم انجاز لهذا الحراك هو الإطاحة ليس بسلطة الحكم فحسب، بل الحذر من أن يطرق أو ينتاب النظام أي خلل ذهني أو بنيوي، على ما حدث في الجزائر، حيث أدى مرض “الرئيس″ إلى ضعضعة مؤسسات الدولة و أجهزتها و عطّل النظام عن الاشتغال بكامل قواه . فأي بوادر و إرهاصات لمرض الرئيس و جنونه و طيشه يجب أن يسارع إلى تنحيته بالأساليب التي يوفرها النظام الديمقراطي في آخر تطوراته التقنية. فقد حكم ” الرئيس″ طوال عقدين من الزمن، نصفه في العرش و النصف الآخر في النعش. و أراد بذلك أن يحدث بدعة سياسية في الحكم تشفع له الحكم في هذه الدنيا حتى و لو هو في النعش، بعد أن قايض الله في الأمر و شيَّد له “مسجده الأعظم “.

كاتب و أكاديمي جزائري

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. تمنيت لو أن الأستاذ المحترم لم يُقحم المسجد الأعظم في مقاله هذا، لأن المسجد الأعظم سيبقى لكل الجزائريين، وللأجيال الصاعدة، ولكل المسلمين والمؤمنين في العالم……مع إحترامي يطبيعة الحال لرأي الكاتب.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here