الجزائر: “رسالة الغفران”

الدكتور نورالدين ثنيو

“أطلب منكم، و أنا  بَشَر غير مُنَزّه عن الخطإ المُسَامحة و المعْذِرة و الصَّفح عن كل تقصير ارتكَبْتُه في حقّكم بكلمة أو فعل”. بهذه العبارة ختم الرئيس الجزائري رسالته إلى الشعب الجزائري، عبارة يلتمس بها المعذرة والغفران و كل ما بدا منه، طوال عهداته الأربع، من تقصير و ضعف و تجاوزات في تدبير شأن الجزائريين و الجزائريات. الحقيقة أن محتوى الرسالة لا تشفع له إطلاقا أن يلتمس الصفح و التكفير عن ذنوبه و خطاياه حيال الجزائر و الجزائريين لأن غافر الذنوب هو الله يوم الحساب و العقاب، لكن الرئيس يؤمن فعلا أن في هذه الدنيا يوجد من له القدرة على مسح الذنوب و الصفح عن المنكرات والأخطاء، و حاول  أن يحكم و في النعش، بعد ما صار الرئيس الكفن.

في مقال سابق، ورد تحت عنوان ” الجيش و الشعب ، المواجهة السارة”، أشرنا إلى إن اللحظة الراهنة التي تمر بها الجزائر، بعد ما استعاد الشعب سلطته، تلح على أن يبادر الجيش إلى التَّحَول من حكم الجنرالات إلى الحكم المؤسسة العسكرية، و الأمر مواتي جدّا   بعد ما صارت المواجه إلى  الطرفين الأساسين الذي يعنيهما مصير الجزائر. هناك الجهة التي أخطئت في حق الجزائر و الجزائريين، جانفي/ يناير 1992، عندما أقدم الجيش على الإنقلاب على أول انتخابات ديمقراطية في تاريخ الجزائر، و ما أسفر عن هذا الحدث المدلهم من تداعيات مأساوية مروعة ، أخطرها و أفزعها تنصيب بوتفليقة  كرئيس قسري على الجزائر. و هناك الجهة الثانية و هي الشعب التي تضررت من حكم الجيش و انصرفت إلى حالها تدبر أمرها بعيداً عن سلطة الجيش.

وعليه، و في هذه اللحظة التاريخية التي تكثف مصير الجزائر و الجزائريين، يقرأ  الشعب “رسالة الغفران” على أنها تعبير عن قوة سلمية الحراك في استدراج من أخطئوا في حق الشعب إلى الامتثال أمامه لطلب العفو و الصفح و التكفير عمّا بدا منهم. فقد صدرت الرسالة من أعلى مسئول في الجيش الجزائر، وزير الدفاع في الدولة يريد أن يتحلّل من آثام الحكم و الإجرام في حق الدولة و المجتمع ، يلتمس طي صفحة الفساد العارم و الإدارة الفاسدة و الحكم الطاغي، كل ذلك من الشعب في لحظة استعادة سلطته. و هذه أول خطوات المواجهة السارة ، عندما ينزل الجيش من كبريائه الصّلف و مكابرته الوهمية و خيالئه الأسطوري، عندما يتعرى من كل ذلك يصبح بالإمكان أن ينشد الجميع الطريق الصائب إلى إرساء معالم الدولة الجزائرية ذات النظام الديمقراطي، السبيل الأفضل و الأضمن إلى تجديد هياكل و مفاصل الدولة و المجتمع و ثقافتهما.

تكشف “رسالة الغفران” أن السيد الرئيس لم يكن يؤمن بالقانون و لا بالمؤسسات الدستورية و لا بما  هو متعارف من أصول المعاملات العامة، ما دام هناك جهة في هذه الدنيا تستطيع أن تمحو الخطيئة و تصفح عن الذنب مهم عظم، و تَقْدِر على تطهير الإثم مهما كبر . فعندما اعتلى العرش بتزكية من الجيش و ترتيب منه ، خرج الرئيس عن طوق معاملات البشر  و تعالى عنه ليتركه و شأنه  مع قوانين الدنيا التي تفترض وجود الجرائم و الجنح و المخالفات و ما يعادلها من عقوبات و جزاءات، أما السيد الرئيس فله شيوخ الطرق و الزوايا و آل المرابطية و الشَّوَّافين و الشَّوَّافات و قرّاء الطالع و أوراق الميسر التي تصفح عن ما بدا منه ، و بإمكانه أن يبني أرقى الزوايا و المساجد يقايض بها الله بما يسمح له من الانفلات من الحساب و العقاب. و قد لاحظ الجميع  الطريقة التي فلت منها وزير الطاقة السابق شكيب خليل من وجه العدالة، و أقتصر الأمر أن أحاله السيد الرئيس على شيوخ الزوايا لكي تمسح له و تقرأ عليه ما يطهّره  في الدنيا و الآخرة، و يستعيد حياته من جديد كيوم ولدته أمه. نعم هذا ما يؤمن به السيد الرئيس.

“رسالة الغُفران”  هي بمثابة تغريدة البجع الأخيرة ، عندما يريد أن يستأذن بالرحيل الأبدي. غير أن صاحبها أخطأ العنوان ، لأن الشعب يقرر مصيره في هذه الدنيا أما مسألة الغفران و الصفح و المعذرة فهي لله فقط، و هذا ما يؤمن به الإنسان العادي و البسيط الذي يُعقل حديثه في أدنى عبارته . و الشعب عندما تلقى الرسالة فلم يفهم منها إلا جانبها المتعلق بالجيش الذي ينزع كل ما كان يتدثر به و يخاتل به الشعب و يرافقه من أجل النجاة و الخلاص. تلك هي حقيقة ما يجري في الساحات و الميادين العامة حيث تطرح قضايا الدولة و المجتمع بمصطلحات السياسة و الإقتصاد و الإجتماع الإنساني و لا تضمر أي معاني أخرى غير معاني الحق و القانون .

انخراط الجيش في مسار جديد يُحَدّده هذه المرة الشعب، هو تغيير موقف قيادة أركان الجيش من خطابها المتغطرس الذي عرفت به منذ حكم السيد الرئيس ، عندما اعتبرت في بدء الحراك أن وراءه شباب مغرر بهم، إلى اعتبار أن ما يجري في الميادين و الساحات العامة ثورة سلمية تنم عن رفعة الشعب و حرصه على أمن و سلامة البلد. فالتعامل مع الحراك بما يستلزمه من خطاب صريح و واضح ويُقدِّر الجهة المخاطبة، يساهم في اختزال الطريق و الوصول الآمن إلى ما يصبو إليه الجميع و خاصة مؤسسات الدولة الجزائرية في عهد الديمقراطية و الشخصية الاعتبارية المنزهة عن الأغراض و الأهواء. فلحظة التَّحلل من الغطرسة و العنجهية و الكف عن الإثم و طلب الصفح و الغفران عمّا فات يختصر الطريق عن العدالة الانتقالية ، الشرط اللازب لأي محاولة انفراج أو  سعي  إلى تخطي المأزق .

في مثل هذا الوضع الذي أفرزه الحراك : الجيش أمام الشعب أو الشعب مع الجيش، يكون الفاعلان الأساسيان قد اجترحا معاً الحل السياسي و التدبير العقلاني حتى بتخطي و تجاوز الدستور، لأن السيد الرئيس لم يحفل كثيرا بالقانون الأساسي للدولة عندما تنكر له عام 2016، و أعفى الشعب من الاستفتاء عليه، و حَصَره فقط في الهيئات المدجَّنة  مثل البرلمان و المجلس الدستوري، مما جَعَل الدستور مجرد ترتيب مؤقت يوفر إمكانية  لرجل/ شبح يحكم البلد. و اليوم بعد ” استقالته” و اعترافه بخطيئته الكبرى حيال الشعب ، فإن مسألة المخرج و الإنفراج تؤول أساس  إلى الاعتبار السياسي، بينما يبقى الاعتبار الدستوري مجرد خطوات إجرائية تساعد و تدل على الجوانب العملية و التنظيمية التي تؤمن عدم الارتجال و تؤكد على وجود بقايا النظام و السلطة و الأعراف .

أخيرا، و هنا بيت القصيد، أن استعداد الجيش إلى تقديم نفسه على أن الطرف القادر على تأمين الإنتقال إلى بناء دولة المؤسسات على خلفية أن السلطة للشعب و يمارس بها سيادته، سوف تسفر المواجهة على انتصار عظيم للشعب دونما هزيمة للجيش، لأن مقاييس التاريخ تختلف عن أحكام السياسة الآنية . فقوة الحراك السلمي في ماهيته، من البداية و السياق إلى النهاية هي التي تنزل الفاعلين التاريخيين منازلهم الحقيقية.

 كاتب أكاديمي جزائري

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. – تحية و شكر جزيل للأخ الكاتب، كالعادة، تحليل قيم واضح و متميز..
    ـ إلى الأخ بلال القل
    “ان موقف بوتفليقة هذا موقف عظيم لا يفهمه كثير من الخلق” يبدو أن هذا الموقف لا يفهمه إلا أنت و القلة مثلك، أما الأكثرية، فتعلم و تفهم أن ورقة تحمل كلمة (آسف)، لا تستدرك عشرين سنة من عمر الناس و الوطن، و لا تعيد مئات المليارات من الدولارات الضائعة إلى خزانة الشعب،و فوق هذا و ذاك،وضع مصير الشعب و الدولة كرهينة في فخ، إحتار الدستوريون وغيرهم كيف الفكاك منه.. الرئيس بوتفليقة مرفوع عنه “القلم” منذ 2013، قبل هذا التاريخ، له ما له و عليه ما عليه…،.مثله مثل سابقيه ثمّ لاحقيه…، وجب علينا إحترامه كشخصية وطنية، و إن بحثنا تجربته، فلإستخلاص الدروس بعيدا عن أي تشنيع أو شماتة، و أشهد أن هذا ما تفضل به الكاتب مشكورا، قول الحقائق كما هي و تشخيص المرض لمعرفة الأسباب و المسببات ثمّ إقتراح العلاج و الوقاية، هذا دور أهل الفكر و الثقافة في كل مجتمع، لذا وجب إحترامهم و الأخذ بآرائهم و ليس تخوينهم و رميهم بكل النعوت ..، و هذا الإعتبار و الإحترام لم ألمسهما ، مع الأسف، في تعليقك يا أخي بلال .

  2. بوتفليقة عندما طلب السماح والمغفرة من الشعب ليس معناه ان الشعب هو الله او انه يعتقد ان هناك من يحسابه مثل الله.ان موقف بوتفليقة هذا موقف عظيم لا يفهمه كثير من الخلق خاصة الذين يدعون العلم والمعرفة والثقافة الواسعة ولكنهم في الحقيقة فاقدون لقيم الحق والحرية والعدالة فاين كنتم سيدي الدكتور المحترم طوال عشرين عاما بل اين كنتم من مجازر التسعينات بل اين انتم من عشرات الالاف من المفقودين وانتم تعلمون تماما من هو المسؤول عن كل هذا ولكنكم تملكون الفصاحة والبيان والثقافة ولكن ابدا لا تملكون الشجاعة لقول كلمة الحق.انه لمن المحزن لا بل من العار ان نشمت برجل قدم الكثير لبلده فاصاب حينا واخطا احيانا لكنه لم يكن خاءنا ولا جبانا ولا متجبرا في الارض وانا شخصيا اسامحه في الدنيا والاخرة عن كل تقصير في حقي من كل قلبي ودعاءي له اطال الله في عمرك.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here