الجزائر: الحراك استمد استمراريته من “سلمية قوته الناعمة”

د. محمد شرقي

”القوة الناعمة ” هي عكس “القوة الصلبة” التي تستعمل الخشونة لتحقيق أهدافها كالحروب والنزاعات والضغوطات والتهديد والوعيد ..أما القوة الناعمة فهي تلك “الطاقة” الهادئة التي يرتاح لها الإنسان فتجلبه إليها، كالابتسامة و التحية ، والبشاشة ، و النصيحة ،و المحبة والمودة والحنان..كل هذه الصفات الحميدة تجعل الإنسان شخصا وقورا وسط مجتمعه . يوصي بها كل من يرغب في النجاح.

أما القوة الناعمة بالنسبة للدول فهي “كما  صاغها أبوها الروحي جوزيف ناي أستاذ بجامعة هارفارد عرفها : بأن الحرب ليست هي القدر الوحيد ،بل أن كسب المعارك أيضا يتم بالسلام ،هو أهم وأقوى من الحرب. وصفا قدرة الدول على الجذب والضم دون الإكراه أو استخدام القوة كوسيلة للإقناع، وكيفة تمكين الدول الحديثة من استخدام الجذب الإيجابي والإقناع لتحقيق التأثير العالمي، بما يتسق مع أهداف السياسة الخارجية للدولة”.

وعلى ضوء هذا ما قام به هذا العالم ،أصدرت مؤسسة بورتلاند للاتصالات مؤشر القوة الناعمة العالمي صنفت 30 دولة قوية غربية تتصدر المشهد الدولي في جميع المجالات ،وكما هو معروف فان الدول العربية والإفريقية لم تصنف لعدم امتلاكها على وسائل التشخيص، من بينها الجزائر كحكومة غير مصنفة تماما وغير موجودة لا في قائمة مؤشر القوة الناعمة ،ولا حتى ضمن المؤشرات الأخرى ، كالتعليم والصحة وحرية الإعلام والاستثمار والمال والإعمال..

لكن فجأة نهض الشعب الجزائري ثائرا دون سابق إنذار يوم 22 فبراير 2019من “نومه العميق” ضد “السحر”  البوتفليقي” الذي ابتلى به لعشريتين ،حتى أنه وجد نفسه  خارج كل تصنيف دولي ؟؟؟ في الوقت الذي كانت فيه الجزائري في سبعينيات القرن الماضي تلقب في المحافل الدولية “قبلة الثوار” .

وبفضل ديناميكية هذا الحراك الشعبي السلمي المتواصل كسر كل قيود الأوهام، وأخذ زمام الأمور بنفسه مطالبا باختيار قادته ومسؤوليه بعيدا عن التعيينات الفوقية وتزوير الانتخابات التي عودوه عليها .

فقد أبان الحراك السلمي الجزائري على سر استمراريته من خلال توظيف سلميته كقوة ناعمة كانت مغيبة سابقا في يومياته ،حتى أن وسائل الإعلام “المغرضة” كانت تعرف الشخصية الجزائرية على انها “فوضوية ” تميل “للخشونة و غير “متحضرة”وسريعة الانفجار ووووو.

لكن الفرد الجزائري أبان عن وجهه الحقيقي بعيدا عن الكليشيهات النمطية الإعلامية الغربية فعرف بقوته الناعمة التي أبهرت العالم حتى أنه رشح لدخول كتاب قينس بخروج أكبر مسيرة عالمية كل أسبوع تقدر بنحو ما بين20 الى 25 مليون شخص عبر الوطن دون تسجيل أدنى حادث.

1 – فللجمعة (ال39) لم يحتك الحراكيون بقوات الأمن، ولم يحدث أي تصادم معهم ،على العكس وزعت عليهم الورود والحلوى ولم يقتل أي شخص .

2 – لم تقع أي انحرافات ولا أي حوادث “بلطجية” أثناء المسيرات المليونية عبر ال 48 مدينة كبرى في الجزائر.

3 -تنظيف الشوارع مباشرة بعد انتهاء المسيرات من طرف متطوعين في مشهد حضاري تشارك فيه النساء والرجال على حد السواء اغلبهم من الشباب .

4 – تبدأ المسيرات الاحتجاجية الأسبوعية بعد صلاة الجمعة حسب توقيت كل مدينة عبر الوطن وتنتهي نصف ساعة قبل صلاة المغرب.

5 – التكفل بنقل كل من يشارك في المسيرات  يقطن بعيدا عن مسكنه.

6 -توزيع المشروبات والمأكولات مجانا على المشاركين في المسيرات.

7 – ترفع الشعارات والمطالب موحدة عبر كافة مدن الوطن مفادها رحيل كل أفراد “العصابة البوتفليقة” التي نهبت البلاد وتسليم السلطة لممثلي الحراك او لا انتخابات في ظل بقاء بقايا البوتفليقية .

تأتي كل هذه القوة الناعمة في “غياب” قيادة  توجه الحراك السلمي الشعبي فهي غير معروفة حتى ألان فصار ينظم نفسه بنفسه بفضل  تحرره من قبضة سياسة التحكم في الشعوب  ” كالاستغباء والاستعباد” التي كانت قد تقوده نحو المجهول، مثلا  بترشح ” أفراد البوتفليقية ” رئيسا على الجزائريين للمرة الخامسة لقيادة البلاد وهو مشلول منذ 7  سنوات ؟ و هي الشرارة التي أفاضت الكأس.

لقد أعجب العالم المنصف للحق بالتنظيم والش    جاعة التي تحلى بها الشعب الجزائري في هذا الحراك الذي كانت كلمة سره سلمية سلمية.فصار الجزائري محل اهتمام عالمي عبر كبريات الفضائيات الإعلامية وحتى محل نقاش أكاديمي في مراكز البحث والإستراتيجية.

ان الشعب الجزائري بهذه الهبة الشعبية مرشح ان يلتحق بالدول الإقليمية في غضون العشر سنوات القادمة في حالة عدم الالتفاف “الامبريالي “على ثورته التي وشحها بعنوان سلمية سلمية منذ اندلاعها.

أستاذ جامعي الجزائر

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

4 تعليقات

  1. موجة العنف بدأت تظهر مؤخرا فديو لرجل يحمل كلاش ويهدد المقاطعين للانتخابات و فديو اخر لامرأة مع ابنها الصغير تحمل صورة مترشح تعرضت للسب والشتم والبزق من طرف المقاطعين للانتخابات ان كل يوم يمر تبدأ تظهر أعراض العنف ربي يستر ،اتدكر ان في بداية التسعينات كنا حينها مراهقين كانت هناك مسيرات وكنا نراها وكأنها لعبة ولم نكن ننتظر انها ستتطور و تتحول الى القتل العشوائي .

  2. الناس الذين يدعون المعرفة لماذا لا تكونوا منصفين ؟ هل بوتفليقة وجد البلاد كما هي الان؟ اعطوا رجل حقه ياهاؤلاء

  3. الحراك الذي لا يقدم مرشحين للانتخابات ، ولا يترك غيره يقدم مرشحين ، هو ليس بحراك ، بل مجموعات من العصابات ، تريد تخريب الجزائر و تدميرها و إحراقها. فهؤلاء الذين ما يزالون يحتلون الشوارع باسم الحراك ، هم أتباع وذيول العصابات المسجونة ، يريدون إخراجهم من السجن باي طريقة كانت . وقد قلت في مقالك: [ 6 -توزيع المشروبات والمأكولات مجانا على المشاركين في المسيرات.]، وهذا دليل قاطع على أن المال الفاسد هو الذي يدعم و يمول هؤلاء الأتباع ، بل يقدم لهم أموالا طائلة ليستمروا في خرابهم و دمارهم . فالحراك قد انتهى منذ إلغاء العهدة الخامسة ، والقبض على العصابات التي كانت تعيث فسادا و خرابا في أرض الشهداء. وأما الذين ما يزالون يحتلون الشوارع باسم الحراك وباسم النقابات ، فهم ينفذون أوامر اسيادهم القابعين في السجون ويتقاضون أموالا مقابل ذلك . فالرجاء ايها الأستاذ المحترم و القدير عدم تغطية الشمس بالغربال. وشكرا جزيلا.

  4. إن سلمية الحراك الشعبي في الجزائر ، هي عمل مشترك بين الشعب وجيشه . كذلك موقع الجزائر ، الذي يجعل من تهديد أمنها تهديدا أمن أوربا .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here