الجزائر: الجيش و الشعب .. المواجهة السارة؟

الدكتور نورالدين ثنيو

تلاحق و توافد الأحداث في الجزائر في الآونة الأخيرة أفضى إلى ظهور  وضعية، نعتقد أنها من صميم و صلب تاريخ الجزائر لما بعد انقلاب  الجيش جانفي 1992، على أول تجربة ديمقراطية في الجزائر. فقد ألحق الجيش هزيمة ساحقة بالشعب و أجبره أن يزكي ممثلي السلطة القائمة في كافة الاستحقاقات الانتخابية بالقدر الذي يضمن دائما الأغلبية حزب السلطة و من نصبتهم في المعارضة. ومنذ ذلك الحين، أُخرج الشعب من معادلة الحكم بشكل “رسمي” و لم يعد إلا كتلة مهملة، لا يظهر اسمه إلا في نصوص الدستور و الخطابات الرسمية التي يتوجه بها الرئيس إلى “السكان”.

الوضعية التي نقصدها هي إن التاريخ يمسك مؤسسة الجيش في منعرج حاسم و محفوف بالمخاطر، ويضعها أمام الشعب في مواجهة يجب أن تتمخض عن انفراج حتمي، يرسم أفق  جزائري جديد. فالطرفان : الجيش و الشعب هما الفاعلان الحقيقيان في مسألة الخروج المشرف لكليهما ، فالاثنان لهما موعد مع التاريخ، عنوانه الكبير هذه المرة ، انتصار عظيم يحققه الشعب عبر حراكه على السلطة العسكرية التي مثلت النواة الصلبة لنظام الحكم، بدون سيادة الشعب و إرادته. فالمواجهة ليست من نوع التحدي الذي يجب أن يطيح الواحد بالآخر، بل للمصالحة الكبرى التي يحقق فيها الاثنان معا، موقعهما في الساحة السياسة الجديدة التي يشرأب فيها الجميع إلى إرساء ملامح دولة تستمد سيادتها من الشعب و ليس من نظام الدولة العميقة على ما جرى طوال ثلاثة عقود من الزمن السياسي الجزائري الرديء.

   فالمشهد الجديد الذي رتبته الأقدار، يضع الجيش في مواجهة مع الشعب ليس بما لاكته الألسن حتى الابتذال، أي زمن  حكم العسكر. لا بل، أن وضعية الجيش أمام الشعب هو من نوع المثول أمام التاريخ بحرفه الكبير من أجل إعادة الحق إلى القانون و الشرعية إلى مؤسسات الدولة و السيادة إلى الشعب. و الذي يقوم بذلك ليست السلطة السياسية، بل الشعب الذي استعاد إرادة السليبة و هو يحقق انتصاراته المتلاحقة في ميادين و ساحات و شوارع التي صارت كنف الإرادة و فضاء الديمقراطية و مصدر السلطة.

نزول الملايين إلى الميادين و التمسك بها كمرجع لسلطة الشعب، يعني من جملة ما يعني أننا تخلصنا من أساطير و أوهام تدثرث بها السلطة طوال ثلاث عقود التي تلت انقلاب جانفي/ يناير 1992، منها على سبيل المثال لا الحصر ، تزييف الإنتخابات كقاعدة أصولية يستند إليها حزب الإدارة كإجراء عادي و طبيعي جدّا فرضته على “الرعية ” كقدر محتوم يجب التكيف معه و إدراجه ضمن الثقافة اليومية. كذلك تقديم صورة وهمية ، مجرد شبح يحكم في البلاد لقرابة العقدين من زمن الجزائر الفاسد، فضلا على الإحالة إلى نص دستوري (2016) فصّل على مقاس رئيس مقعد ، بإمكانه أن يحكم و هو في كفن.

وهكذا، أفضت تداعيات الإنقلاب البغيض في حياة الأمة الجزائرية إلى حصر اللعبة المَصِرية بين الشعب و الجيش، أي بين الفَاعِلَيْن الأسَاسييْن : الذي اغتصب الإرادة الشعبية عبر الإنقلاب، و بين الذي استعادها في حراكه الراهن. و المواجهة تتم رأسا لرأس و بلا وسيط، أو هكذا يجب أن تتم. و بعد هذا، نحاول أن نَرْصُد العدة التي يتمتع بها كل طرف حتى نقف على ما يمكن أن يفعل كل واحد منهما و نُقَيِّم إمكانية الخروج من هذه الوضعية.

في شأن الجيش، يجب أن يتحوّل إلى مؤسسة، تتمتع بوضع statut  يُجَرِّدها من الطابع الشخصي و يُخَلِّصها من الخطاب التمجيدي و التبجيلي الذي أحاطت به نفسها منذ الإستقلال. في كل دول العالم ، يؤول قطاع الجيش إلى مؤسسة ضمن المرافق المدنية للدولة، و لا يمكنه إطلاقا أن ينفرد إلى الأبد بِسِلكه العسكري في كنف دولة مدنية. فالحالة العسكرية هي مرحلة لتزول و ليست لتبقى ، لا بل، أي مؤشر على وجود حكم العسكر يعني صراحة غياب الديمقراطية و التدبير الراشد، و أن اقتصاد البلد يصب في نهاية المطاف خارج البلد.

 وقوف الجيش اليوم أمام الشعب هو من نوع الإعتراف و الندم أمامه كإجراء يصفح و يعفو عمّا سلف، و هذا ليس انتقاصا أبدا من القيمة المعتبرة للجيش، بقدر ما أنه قدرة عظيمة على انجاز أعظم جهاد داخلي، أي على نفسه، على من أغتصب السلطة من الشعب. فقد حدث أن الجيوش حققت انتصاراتها على أعدائها في حروب و معارك عسكرية ، لكن قلّما حدث أن اضطلعت المؤسسة العسكرية بعملية تطهير جهازها مما علق به من جرائم فظيعة و أعمال منكرة، يجب التخلص منها كشرط لازب لاستعادة مكانتها ضمن أجهزة الدولة في عصرها المدني. فعلى الجيش أن يخرج من مُكَابراته و كِبريائه المفرط الذي يتعارض تماما مع طبيعة الدولة المدنية، و ينخرط  مع الشعب بشكل سلس، في سيرورة أعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة و مرافقها كشخصية اعتبارية تَنِد عن الإغراض الشخصية و دوائر  المال والأعمال المتنفذة فيها.

 أما في شأن الشعب الطرف الثاني في معادلة الخروج من الوضعية الراهنة، فإن أكبر حافز له هو موعده مع التاريخ الكبير، و الذي قلّما يتوفر لغيره في هذا الزمن الصعب. فالشعب عانى ويلات الإنقلاب و مضاعفاته السياسية و الاقتصادية و الإجتماعية، و تفاعل معها بشكل بطولي إلى حد حقق انتصاره العظيم عندما دلَّل عبر الشواهد الحية و الوقائع الفعلية و الطرق الواقعية أن نصوص الدستور و خطابات السلطة ليست من واقع حال المجتمع الجزائري، حيث كان يتطور طردا ضد السلطة. فقد كانت السلطة حالة و الشعب حالة أخرى، لكنه كان يبلور وعيه السياسي ضدًّا على النظام القائم، و من ثم فهو لم يخسر كثيرا على صعيد الوعي بقيمة الحرية و أهمية الديمقراطية. و حال سنحت الفرصة التاريخية وثب إلى الميادين لكي يؤكد صراحة على أنه أهل للمرحلة التي تخلفت عنها السلطة ممثلة خاصة في قوتها العسكرية.

المواجهة بين الشعب و الجيش، تجري في لحظة فارقة من تاريخ الجزائر السياسي الذي لم يُكتب منه فصولا ذات بال، تصلح في مقررات التعليم. واليوم، نحضر للحظة قوية جدّا لكي يكتب الجزائريون صفحات ناصعة من هذا التاريخ لأن معطياته موجودة و محققة و مدغمة في  الشعب، المرجع الأخير للسيادة و صاحب السلطة الفعلية. إن مهمة الخروج من حالة الاحتقان و التنفيس عنها يضطلع بها الشعب فقط لأنه في لحظة توأمة مع التاريخ، وهو صانعه الأول، لأنه ليس من طبيعته أن تحال عليه الهزائم و الإخفاقات ، كما تحال على رجال السياسة و الجيش. و لعلّ أعظم انتصار حققه الشعب في الميادين هو إرباك النظام القائم و نسفه من الداخل بكشف عيوبه و أخطائه و مخاتلاته، بحيث تعرىّ عن كل ما كان يتستر عليه و يخفيه عن الشعب. و هو الآن يخوض مقاومة سلمية و يصرُّ عليها كأنجع وسيلة لإسقاط نظام حكم فاسد لم تعرفه الجزائر طوال عهودها التاريخية.

كاتب وأكاديمي جزائري

Print Friendly, PDF & Email

5 تعليقات

  1. إلى متشائم.
    و الله يا أخي كنت أظن أنّي الوحيد المتشائم، و أخفيت ذلك حتى لا أصيب الأحرار بالعدوى …
    و رأيي في الزّواف قديما و دورهم حديثا و قد سميتهم الزّواف الجدد (Néo-zouaves)، في مجتمعنا، هو نفس ما عبرت عنه أنت ….
    لكن إسمح لي أن أخفف شيئا من تشائمي ….، فأنا لا أشاطرك الرأي عندما تقول أن ” الذين يقفون وراء الحراك هم الزّوّاف” لا يا أخي، من خرج للشارع هم (متشائمون) مثلي و مثلك،
    فئات الشعب المختلفة اليائسة المطحونة، قد يحاول أن يركب الموجة زواف و غير زواف …، لكن هذا لا يمسّ شعرة من نُبل و شرعية حِراك ملايين الجزائريين الأحرار ..

  2. الثورة الجزائرية نجحت بالتحام الشعب مع جيش التحرير والثورة السلمية على الاستبداد حتمية انتصارها يكون بالتحامها مع الجيش ابناء هذا الشعب. مقال عالج الموضوع بشكل جيد بالتوفيق انشاء الله في مواضيع اخرى.

  3. لك كل الشكر و التقدير يا سيادة الدكتور المحترم على مقالك الموضوعي الواقعي. بينما مشكلة الجزائر العظيمة عظمة شهداء نوفمبر الخالدين ، لا تكمن في الجيش و الشعب و النظام ، فالمشكلة تكمن رأسا في [ الزّوّاف]، الذين أرادوا إبادة الشعب الجزائري صحبة الاستعمار الفرنسي ، طيلة الفترة الاستعمارية ، ولما عجزوا عن ذلك ، وجاء الاستقلال بفضل التضحيات الجسام ، راحوا يواصلون الإبادة المعنوية للشعب الجزائري تحت أقنعة جهنمية لا يتفطن لها إلا من اكتوى بنارها . فالزّوّاف هم المتحكمون في مفاصل الدولة نيابة عن الاستعمار الذي فوضهم بذلك ، فهم يتفنّنون في إذلال الشعب الجزائري بالتفقير و التجهيل وحرمانه من هويته التي هي روح كيانه. فكل ما جاء في المقال صحيح مئة بالمئة ، لكنه ثانوي مقارنة بما يمارسه الزّوّاف . وستكشف لنا الأيام أن الذين يقفون وراء الحراك هم الزّوّاف ، وسيعلنون عن مطالب خطيرة تقسم ظهر الجزائر إلى أجزاء و أشلاء ، وحينها سنندب حظنا ، لأننا كنا غافلين مغفلين سذجا إلى حد البلاهة . فاستقلال الجزائر لا يزال بعيدا ما دام هؤلاء الزّوّاف يتحكمون في مصيرنا و رقابنا . فالرجاء أن تنتبهوا أيها المفكرون إلى ما يدبره هؤلاء الأشرار . فاللهم فاشهد فإنني قد بلّغت .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here