الجزائر: أهو مجرد فساد.. أم جريمة اقتصادية ومالية كبرى؟ مقاربة للفهم وللترشيد

الأستاذ علي بن فليس

إن ما يُطلق عليه باحتشام “الفساد”، كنت قد سميته، منذ خمس سنوات: “الجريمة الاقتصادية والمالية الكبرى”. وما فتئت أندد به إلى يومنا هذا.

تضمن برنامجي السياسي، ومنذ رئاسيات 2014، تضمن استراتيجية شاملة ومتجانسة للوقاية من هذه الآفة ومكافحتها. ومنذ ذلك الحين، تبنى، بصفة منتظمة، المؤتمر التأسيسي للحزب، وكذا اجتماعات لجنته المركزية لائحة خاصة بمكافحة هذه الجريمة الاقتصادية والمالية الكبرى التي تسببت في دمار شامل عاد بالوبال على الاقتصاد الوطني. كما تسببت بشكل كبير في تبديد لا يوصف لمبالغ مالية تجاوزت 1200 مليار دولار من المداخيل التي تحصل عليها البلد خلال عشرية عرف فيها بحبوحة مالية عززها ارتفاع غير مسبوق لأسعار النفط. وهي الجريمة التي ركعّت اقتصادا وطنيا كان يتطلع إلى مستقبل زاهر بفضل هذه البحبوحة المالية سواء فيما يتعلق بالإقلاع الاقتصادي للبلد أو برفاهية شعبه. فعملية النهب الضارية التي هي بمثابة نهب معمم لموارد البلد لم تستفحل بهذا الحجم الممنهج والمنظم إلا بتواطؤ تحالفات قوية تم ربطها في مستويات سياسية عليا للدولة وإداراته العمومية. ولم يكن لعملية النهب هاته أن تنجح إلا في ظل غياب العقاب وإضفاء الحصانة المطلقة. وفي هذا الإطار، يتعين التذكير أن التشريع الجزائي تمّ تعديله لإعادة تكييف الفساد من جناية إلى جنحة ومراجعة العقوبات المقررة بالتخفيض. وفي نفس السياق، تمّ تحييد المبلّغِين عن جرائم الفساد ووضع إيداع الدعاوى في يد مجالس الإدارة للمؤسسات حصريا.

حوّل النظام السياسي الذي تسلط على البلد لعقدين كاملين من الزمن الاقتصاد الوطني إلى دمار شامل. وأصبح بقاؤه مرهونا بطبع النقود من دون مقابل، أي استحضار علاج أكثر خطورة من الداء الذي يُفترض معالجته.

لقد أصبح الشعب الجزائري والاقتصاد الوطني وسمعة البلد على الصعيد الدولي الضحايا الثلاث للجريمة الاقتصادية والمالية الكبرى. فالشعب الجزائري تمّ تفقيره والاقتصاد الوطني جُرّد من وسائل معتبرة للتطوير. كما شُوِّهت صورة الجزائر في المحافل الدولية بترتيبها واعتبارها من بين البلدان الأكثر فسادا على وجه المعمورة.

لما كانت الجريمة الاقتصادية والمالية الكبرى تعتبر جريمة في حق الشعب والأمة، فإنه لا يمكن التسامح معها بأي حال من الأحوال. ويجب متابعة ومعاقبة المتسببين فيها وحلفائهم السياسيين. ويجب، أيضا، أن يكون عقابهم في نفس مستوى خطورة الجرائم التي ارتكبوها.

يقوم القضاء، الآن، بتكسير جُدُر الحصانة والانفلات من العقاب التي اختبأت وراءه الجريمة الاقتصادية والمالية الكبرى منذ زمن.

بالنظر إلى الوضع شديد الحساسية الذي يعيشه بلدنا، يجب أن يُحاط هذا المسعى باحترازات عدة وضرورية. كما يجب، أولا وقبل شيء، أن يدور في جو يسوده الهدوء والصفاء بهدف الطمأنينة بدلا من القلق والتهويل. ويجب عليه، كذلك، أن يتجنب تغذية الحرب النفسية الحقيقية التي بدأت تحيط به من خلال تساؤلات تنصب على خلفياته وأهدافه الحقيقية. كما يجب على هذا المسعى، في الأخير، أن يُقنِع بأن أخلقة الفضاء السياسي والاقتصادي هي المكمّل الضروري لإعادة تأسيس دولة الحق والقانون.

وتقديرا لكل هذا، فإنه من الضروري أن يلعب القضاء دوره. ولكن من المهم جدا أن يمر دون ترك أدنى شك في حياده، وألا يكون له أي موجّه سوى أولوية القانون ومساواة الجميع أمامه. فبصارمة مسعاه يمكن له إسكات الشكوك في القمع والانتقام، والعمل بصورة لا تُظهر في تصرفاته بأنه تمييزي أو انتقامي.

بنفس الطريقة، فمن المهم أن يأخذ القضاء مجراه ومبتغاه. ولكن من المهم أكثر أن يكون مسعاه معروفا ومفهوما.

عرف بلدنا عدة حملات “للأيدي النظيفة” كانت لها آثار صادمة. وإنه من الضرورة القصوى أن يقتنع الرأي العام بأن المسعى الحالي للقضاء لا علاقة له إطلاقا بالعمليات السابقة وأنه جزء لا يتجزأ من ورشة التغيير الواسعة التي يسعى الشعب الجزائري لفتحها.

في الختام، وضمن العملية الجارية لأخلقة الحياة السياسية والاقتصادية، يمكن القول، أن الشفافية يجب أن تكون ضرورة ملحّة في حدود ما يسمح به القانون. فبالشفافية وحدها يمكنها إزالة الشكوك وطرد المخاوف وإزالة إرهاصات بقايا الحرب النفسية وعدم السماح لها بالالتفاف على هذا المسعى أو توقيفه في منتصف الطريق.

(*) ـ رئيس حكومة أسبق، ورئيس حزب “طلائع الحريات” ـ الجزائر.

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. ____ نتمنى أن تصدر مواقف ترقى إلى مستوى حراك شعبي واع و فاهم . الحل لا بد أن يكون في نطاق دستوري مؤسساتي … نعم الفساد هو جريمة و الجريمة لا تسقط بالتقادم . الأولوية إذا هي لتغيير هادئ جدي لضمان الخيار الأفضل البعيد عن كل فعل و رد فعل متسرع . أرضية للمستقبل تحتاج دعائم صلبة تبني عليها للأبد .. ورشة كبيرة تنتظر . دولة القانون هي المخلّص من كل اشكال الفساد المالي و الأخلاقي .

  2. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القضاة ثلاثة قاضيان في النار، وقاض في الجنة، قاض قضى بالهوى فهو في النار، وقاض قضى بغير علم فهو في النار، وقاض قضى بالحق فهو في الجنة».

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here