الجزائر: أعداء الثورة المضادة يدعمون ثورة مضادة !!

دكتور محيي الدين عميمور

حكمت فرنسا الجزائر قرنا وثلث قرن ثم حاولت التحكم فيها سياسيا وعسكريا نحو سبع سنوات كانت مرحلة شارل دوغول أشدها شراسة، ثم انسحبت تاركة وراءها حصان طروادة وجموعا من الطلقاء، لكنها لم تنجح أبدا في فهم الشعب الجزائري، ولم يتوقف أحد للتساؤل عن السبب الذي جعل هذا البلد سرّا مغلقا حتى لبعض من ينتسبون له بشهادة الميلاد أو بشهادة الجنسية أو بالعيش فيه سنوات وسنوات، وهو اليوم حال بعض من يتصدرون الساحة الإعلامية، بدون رصيد حقيقي من النضال الوطني بمفهومه الشامل، ويبدون كجراح لا يعرف أصول التشريح.

فقد اشتعل الشارع الجزائري في فبراير الماضي بشكل لم يسبق له مثيل، لا في الجزائر ولا في غيرها، وكان من العبث أن ينكر الباحث الجادّ أن هناك من كان يعمل خلال السنوات الماضية لإعداد تحرك شعبي يستفيد من تجربة أكتوبر 1988 ويتلافى أخطاءها.

ولن يكون انتقاصا من روعة الحراك الشعبي قبول فكرة عود الثقاب الذي يقوم بدور مستصغر الشرر، لكن أي مصدر للنار لا يمكن أن يُشعل أوراها ما لم تكن الأرض مهيئة لذلك، وهو ما حدث فعلا، فقد تصاعد الغضب الشعبي إلى حدوده القصوى نتيجة للوضعية السياسية التي كانت تعيشها البلاد منذ الإصابة المرضية الحادة للرئيس عبد العزيز بو تفليقة، وبلغ السيل الزُبى بحماقة الإعلان عن تقدم الرئيس لعهدة خامسة، وراحت جوقة النفاق تمارس التضليل الغبيّ فتستعمل صورا ضخمة للرئيس المحتجب ترفعها في اللقاءات الجماهيرية كنائب الفاعل.

وأصبحت الجزائر كلها غابة مبللة بالسوائل سريعة الالتهاب، ووجدت الشرارات الأولى طريقه للجذوع والأغصان، وراحت الجماهير تهتف ضد العهدة الخامسة، مطمئنة إلى ما لاحظه الجميع من عدم تعرض الأمن بأي شكل من الأشكال للتظاهرات، وهو ما شجع الذين كانوا متخوفين في البداية من ردود فعل قمعية كتلك التي عرفتها الجزائر في الثمانينيات.

وبينما تقوقعت أحزاب الموالاة بدافع عقدة النقص التي أصيبت بها من جراء الدعوات الحمقاء للعهدة الخامسة تصورت عناصر المعارضة أن الفرصة أصبحت سانحة لانتزاع المواقع القيادية التي حرمت منها، لكن الجماهير طردتها من كل التجمعات، فراحت تحاول الالتفاف حول الحراك برفع شعاراته ومطالبة المؤسسة العسكرية بالتدخل لإجبار الرئيس على التنحي عبر تطبيق المادة 102 من الدستور، وأضافت إلى هذا المطلب إنشاء هيئة رئاسية تقود البلاد على غرار ما حدث في 1992.

وكانت المؤسسة العسكرية، وبناء على ما توفر لديها من معلومات أمنية، متحفظة في البداية إلى درجة استعمال تعبيرات من نوع  “المغرر بهم” في التحذير من مغبة الانزلاق، لكن الدراسة الدقيقة لما حدث أكدت بأن الأمور أفلتت من يد من كانوا يتصورون أنهم قادرون على التحكم في حجم النيران واتجاهها، وهكذا ارتبطت المؤسسة بالحراك الشعبي وتعهدت بحمايته من كل التجاوزات المحتملة، سواء من أجهزة الأمن أو من داخل الحراك نفسه.

ويستقيل رئيس الجمهورية لكنه يرتكب خطيئة ترك البلاد فريسة لقنابل موقوتة، حيث أقال الحكومة قبل الاستقالة، لكنه، وهو المؤهل الوحيد لتشكيل الحكومة الجديدة، لم يقم باختيار شخصيات يمكن أن تحقق أكبر توافق ممكن، وهو ما كنتُ ناديت به شخصيا، ولم تكن الحكومة الجديدة برئاسة نور الدين بدوي مؤهلة لتحقيق الانتقال السلس للسلطة، خصوصا وأن رئيس المجلس الدستوري كان قد استقطب حجما كبيرا من العداء لأنه أعلن ولاءه للرئيس، وبالإضافة إلى أن المؤهل لرئاسة الدولة في وضعية الشغور، عبد القادر بن صالح، ليس ممن يمكن أن يتفق المجموع الوطني، عدلا أو ظلما، على الترحيب به.

وفعلت القنابل الموقوتة فعلتها.

وتطورت الشعارات المرفوعة في الشارع على النحو الذي سبق أن أشرت له في أحاديث سابقة، وسيطر عليها شعار “يتنحّاوْ قع” (فليرحلوا جميعا) والذي أثار حماس الجميع، وازداد لهيبه فلم تعد القضية محصورة في الباءات الثلاثة (بن صالح – بلعيز – بدوي ) بفعل من كانوا يريدون الوصول إلى وضعية فراغ هيكلي شامل يشمل الحكومة والبرلمان بما يفرض على المؤسسة العسكرية التخلي عن فكرة إجراء انتخابات رئاسية، واعتماد مطالب التوجهات الفرانكولائكية والنزعة البربرية بتكوين مجلس دستوري يضع بين قوسين كل ما أنجزته الجزائر منذ 1962، وما عاشته من تجارب وما عاشته من نتائج، بل ويدين كل مرحلة الاستقلال التي عاشت فيها تلك التوجهات على هامش الإنجازات بدون أن يمنعها ذلك من العيش على حسابها، رافعة شعار “الدعم الناقد” (soutien critique )

وتفشل المعارضة في فرض إرادتها، خصوصا وقد اتضح أن القضية كلها هي فرار من الانتخابات الرئاسية، حيث لم يبرز من بين صفوفها من يجمع عليه جل رفاقه، بالإضافة إلى ارتفاع أصوت منكرة تقول بوضوح إن عزل كل الباءات لن يغير من الأمر شيئا، وأن على المؤسسة العسكرية أن تعمل على تكوين هيئة رئاسية تتولى تسيير شؤون البلاد.

وراحت أصوات أخرى تقدم مفهوما للديموقراطية لم يسمع به أحد في العالم أجمع، مضمونه أن صندوق الاقتراع هو تمكين للأغلبية من سحق الأقلية، وذلك بدلا من مناداتها بنفس الضمانات التي تكفل حقوق الأقليات في العالم كله، ومن هنا أصبح واضحا أن هناك من يريد استنساخ تجربة التسعينيات المأساوية، حيث تسلطت أقلية إيديولوجية بدعم من المخابرات الفرنسية على رقاب الأغلبية الشعبية، وهو ما كان طريقا نحو مجازر التسعينيات البشرية والاقتصادية والاجتماعية.

وكان تحقيق ذلك اليوم يعني بكل بساطة الخروج، لا عن نص الدستور فحسب، بل عن أي قراءة سياسية تأويلية لتلك النصوص، وهو ما رفضت المؤسسة العسكرية قبوله لأنها تعرف تكلفته، وهنا تم تكوين حشود راحت تتهم رئيس الأركان بالخيانة، وتدعو القوات المسلحة صراحة للانقلاب على قيادتها.

وبدأت الجموع عبر ولايات الوطن تحس بأن هناك من يحاول أكل الشوك بفمها، فبدأت في التنصل تدريجيا من المساهمة الفاعلة في التظاهرات، التي بدأت تتركز في شوارع وميادين معينة في العاصمة على وجه الخصوص، يتجمع فيها كل جمعة منذ الصباح الباكر عناصر مكلفة بمهمة تأطير الجموع وتلقينها هتافات معينة، وذلك تزامنا مع إعداد لافتات ورايات تغرق سماء الحشود لتعطي الشعور بسيادة توجهات معينة، حتى ولو لم تكن تعكس بالضرورة إرادة الجماهير، وبحيث كاد يتعرض للإيذاء كل من حاول مناقشة بعض المتظاهرين في موضوعية هتافاته، وهو ما حدث مع السفير مصطفى بو طورة وآخرين.

وبينما هجر كثيرون من مواطني العاصمة الاشتراك في التظاهرات، عُرِف أن جموعا تنقل إليها من ولايات مجاورة لخلق تضخم مفتعل في حجم التظاهرات ولخلق الشعور، عبر هتافات معينة، بأن هذه هي إرادة الشعب الجزائري.

وعندما لوحظ أن هناك من بين من يتم استحضارهم من حاولوا استفزاز قوات الأمن صدرت أوامر بمنع دخول طوابير الحافلات المكتظة إلى العاصمة يوم الجمعة، ويوم الجمعة وحده، وهنا قامت القيامة، وراح من كان ينددون بالدستور وبنصوصه السيئة والعاجزة ينادون بتطبيق المادة 55 منه، التي تنص على حرية المواطن في التحرك حيث يريد، ومتناسين ادعاءاتهم بأن الجزائر تعيش وضعية استثنائية تتطلب مواقف استثنائية.

وتأكد وجود إرادة الاستفزاز عند بعض المتظاهرين المُجنّدين، وهو استفزاز لم يستهدف رجال الأمن وحدهم وإنما بقية المتظاهرين الذين رفضوا ترديد هتافات لها طابعها الخاص أو السير تحت رايات لا تمثل الإجماع الوطني.

وبعد دعوات هادئة وضمنية تحض على الالتزام بالخط الوطني اضطر رئيس أركان القوات المسلحة إلى توجيه تحذير حاد لكل من يخرج عن إرادة الوحدة الوطنية برفع شعارات لا علاقة لها بالوحدة الوطنية.

وبرغم من أن قايد صالح لم يُحدد الراية المعنية فلم يكن سرّا أن المقصود هو راية الصهيوني “جاك بينيت” التي يروج لها أنصار النزعة البربرية، والراية التي تحمل الشهادة، والتي تصور كثيرون أنها راية “داعش”، وكذلك أي راية أخرى يمكن أن تعني توجها جهويا أو عقائديا.

وهنا ارتفعت صرخات السخط تهاجم الفريق وتتهمه بالخيانة، ولم يُنكر ذلك بكل أسف رفقاء كان المتوقع منهم، بحكم الثقافة والوعي، دعوة الجماهير للاكتفاء بالراية الوطنية، ومنهم من تصرف بما يوحي أنه ينفذ عملية توزيع للأدوار، ليست أقل سوءا ممن أعدوا أعلام الفرقة ورايات الفتنة.

خلال هذه المرحلة دعا رئيس الدولة لحوار عام للخروج من وضعية الأزمة، وأعطى الجميع ظهورهم لهذه الدعوة التي أعترفُ بأنها لم تكن موفقة، وتوقفت لقاءات المعارضة التي بدأت تأخذ وضعية مضحكة، وحاول الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي التقدم بمبادرة لكن منطلقها في رسالته الأولى لم يكن موفقا، وعاود الكرة ولكنه، في نظري، ارتكب خطأ جوهريا بتجاهله التام لمنطق الدولة القائمة، والتي تلتزم حرفيا بنصوص الدستور.

وكما كان متوقعا، فشل موعد 4 يوليو في تحقيق إقامة الانتخابات الرئاسية، وواصل بن صالح رئاسته للدولة طبقا للقراءة السياسية لنص الدستور، برغم الأصوات التي ارتفعت بعدم شرعية ذلك، لكنها خفتت لأنها لم تستطع تقديم البديل الذي يضمن الاستقرار في انتظار اختيار الرئيس الجديد.

ويتم تحرك حَمل اسم المنتدى الوطني للحوار، قاطعته التوجهات الفرانكولائكية والتجمعات البربرية (التي أصبحت ترفع علم بينيت جهارا نهارا لتحدي المطالبات بالتزام الراية الوطنية) والتي حملت اسم “البديل الديموقراطي” من منطلق أن الغرب متعاطف جدا مع كلمة “الديموقراطية”، وستلقى منه كل الدعم والمؤازرة، وهو ما اتضح بجلاء من موقف وسائل الإعلام الفرنسية والمفرنسة.

ويفشل المنتدى، الذي قيل أن سلطات في الدولة سهّلت انعقاده، والذي قامت بعض القيادات الإسلامية فيه وله بدور “المحلل”.

وأجمع كل هؤلاء، ومن بينهم من لا يستطيع ضمان أصوات أسرته أو عناصر حيّه في أي انتخابات، على إقصاء ما يطلق عليه “أحزاب الموالاة”، والمقصود الرئيسي بذلك هو حزب جبهة التحرير الوطني، والذي يشكل، برغم سوء قياداته، الحجم الأكبر من الناخبين، وذلك بحجة أنه كان يروج للرئيس المستقيل، وهو أمر صحيح بالنسبة لقيادات المرحلة الذين اختارهم بو تفليقة ولكنه لا ينطبق على كل من ارتبط بجبهة التحرير طوال أكثر من نصف قرن.

وبدا واضحا فشل التيارات الدينية في اكتساب أي مصداقية في ممارسة العمل السياسي، حيث تزامنت الحماقة مع إقصاء شخصيات ذات مستوىً واعٍ مثل عبد القادر بو خمخم، وإعطاء الفرصة لأشخاص كانوا كغثاء السيل.

ويبرز إعلاميا تكوين حمل اسم المنتدى الوطني للتغيير، لم يكن سمع به أحد حتى اليوم، يدّعي أنه يضم أكثر من سبعين جمعية من عناصر المجتمع المدني، وينفي أي صلة له بسلطات الدولة، يقترح قائمة للقيام بدور حوار وطني تضم 13 اسما، كان من بينها أسماء لم يُستشر أصحابها في الأمر، وكان واضحا أن ذكرها كان محاولة لانتحال مصداقية وطنية للقائمة، وكان من تلك الأسماء الدكتور طالب ومولود حمروش، وكان من الأسماء من لا وجود لهم إطلاقا على ساحة الفعاليات السياسية.

وفجأة تطفو على السطح قائمة ستة أسماء، يقودها “كريم يونس”، رئيس المجلس الوطني السابق الذي تضامن مع علي بن فليس ضد بو تفليقة في الانتخابات الرئاسية عام 2004 وخسر بذلك موقعه البرلماني، وتردد اسمه مؤخرا بنوع من الاستياء عندما أدلى بتصريح، لم يكن له مبرر في التوقيت أو التوجه، مضمونه أن المرأة الجزائرية مؤهلة لرئاسة الجمهورية.

وعلى الفور فوجئ الجميع باستقبال رئيس الدولة للمجموعة السداسية (وللتذكير، فقد ارتبط قيام ثورة نوفمبر بستة أسماء تاريخية) ويخرج رئيس المجموعة بتصريح متلفز كان فيه بعيدا عن التوفيق والإقناع، وبدا للمراقب البسيط أن التصريح يستجدي مباركة الشارع، وهو يكرر أن المجموعة طرحت على رئيس الدولة مطالبات بإطلاق سراح سجناء الحراك (وبدون إضافة تعبير …ممن لم يثبت استفزازهم للأمن) وبإلغاء الأوامر بحظر تنقل المتظاهرين من ولايات الجوار (وواضح أن هذا استجداء لتأييد توجهات من يُسمّى البديل الديموقراطي)

وكالعادة، تعددت التصريحات، وكان منها تصريح لخبيرٍ اقتصادي كرر نفس المطالبات وبأسلوب بعيد عن المطلوب في التعامل مع رئاسة الدولة (قال، لم أذهب لرؤية الرئيس أو لمبنى الرئاسة)

وكان من أخطر التصريحات ما جاء على لسان كريم يونس، الذي بدأ بإشارة ضمنية إلى انتمائه لمنطقة القبائل، كانت خارج السياق وإن فُهمت مراميها ، ثم بضرورة العمل على إنشاء جمهورية جديدة وضمان كذا وكذا من المطالب الجماهيرية، وهو أمر خارج عن صلاحيات لجنة تقول أن مهمتها هي تنسيق العمل لإقامة حوار بين كل الأطراف الفاعلين، والمفهوم أن المهمة هو العمل لتنظيم الانتخابات الرئاسية.

وفي اليوم التالي، والذي كان الجمعة 23 من جمعات الحراك، يتعرض أحدُ الستة والخبير الاقتصادي “لالماس” لغضب مجموعات من المتظاهرين المتشنجين في وسط العاصمة الجزائرية، لم ينجح في إقناعهم بمنطقية تعامل اللجنة مع الأحداث، وكان واضحا أن المتظاهرين كانوا جزءا من المجموعات المكلفة بمواصلة الصخب والضجيج.

ويصبح اسم اللجنة هو “الهيئة الوطنية للوساطة وللجوار” وتضاف أسماء جديدة للقائمة المقترحة، وكان من الأسماء المقترحة من كانت مواقفهم في الأسابيع السابقة مثار استنكار لكل من يؤمنون بالديموقراطية ويرفضون التوجهات العنصرية والاختيارات الانتقائية والتناقض مع دستور البلاد.

وأثارت بعض الأسماء الُمضافة سخرية البعض بينما أثار اختفاء أسماء أخرى، لها أهميتها الوطنية والفكرية، سخريةً أكثر صخبا.

وبدا الأمر في النهاية كمحاولة جديدة من التوجهات اللائكية وأنصار النزعة البربرية وخصوم حركية الإنجاز الوطني لمرحلة الاستقلال وأعداء الانتماء العربي الإسلامي للجزائر،  للارتزاق من الحراك الشعبي الذي فترت حرارته لأن الجماهير أدركت بأن هناك من يحول سرقة انتصارها الذي اهتز له العالم.

ولن أتحدث عن الدور الفرنسي، فأنا لا أملك أدلة على تغلغله باستثناء الإحساس الشخصي الذي لا يكفي عند التحليل السياسي.

لكن الغريب، ونتيجة للتقصير الإعلامي الجزائري، هو تحمس خصوم الثورة المضادة في الوطن العربي لأنصار الثورة المضادة في الجزائر، لمجرد أن هؤلاء يُعادون المؤسسة العسكرية، وأولئك لا يدركون بأن هذه المؤسسة في الجزائر هي الضمان الحقيقي للديموقرطية والرافض لمنطق الانقلاب العسكري وللتناقض مع الانتماء الحضاري لبلد الشهداء.

ويبقى أنه، وخلال هذه المرحلة، يتواصل العمل الحكومي بشكل منتظم، وتُعطي العناية الإلهية لرئيس الدولة فرصتين، مكنته من ترسيخ الشعور بأن الدولة الجزائرية قائمة بكل مكوناتها، لأنها دولة احترمت دستورها والقوانين التي تسيّر شؤونها.

كانت الفرصة الأولى دورة الكرة الإفريقية ودور السلطات الجزائرية في تمثيل الجزائر ورعاية أبنائها، بما في ذلك حضور رئيس الدولة شخصيا، رغم مرضه، المباراة النهائية التي غاب عنها الرئيس المصري.

وكانت الفرصة الثانية هي مشاركة رئيس الدولة في تشييع جنازة رئيس الجمهورية التونسي، حيث أحس الجميع هنا بالامتنان للفتة الأشقاء هناك في إعطاء كلمة التأبين الأولى للرئيس الجزائري.

ويأتي هنا عنصر تركته عامدا للنهاية.

فكثيرون يظنون، وبعد الظن فقط هو الإثم، أن كل ما يحدث على الساحة من تحركات سياسية، هو مخطط بالغ الذكاء أرادت به السلطات الحاكمة فضح هزال الطبقة السياسية على اختلاف توجهاتها، معارضة وموالاة، وتأكيد ضعف المجتمع المدني، بكل مكوناته، وإثبات ما يردده كثيرون من أن نظام الرئيس بو تفليقة، والذي كان مدعوما من أجهزة أمنية ومافيا مالية سياسية، نجح في تصحير الجزائر وإضعاف شخصياتها الوطنية، خصوصا تلك التي كانت انسحبت في بداية عهدة الرئيس المستقيل، وبأن أي محاولة للخروج عن العنصر الوحيد الذي يضمن النجاة الآمنة من الفوضى الحالية هو التمسك بالدستور، وبكل نصوصه.

والقصة لم تتم فصولا.

مفكر ووزير اعلامم جزائري سابق

Print Friendly, PDF & Email

22 تعليقات

  1. ____ الغريب أن ينقلب وزير ضد من إستوزره و جعله من ضمن الحسبان و الكسبان !!! .. و العجيب أن يحظى ناكر الفضل بثقة البديل الموعود !!!

  2. الإحساس الذي يشعر به كل قارئ لمعظم التعليقات التي تناقش ما يورده الحديث ، وبغض النظر عن تلك التي لا تتعرض للنقاط التي يثيرها المقال بل تدور حوله لتسريب رسائل معينة، هو أن الجزائري لا يحاول إطلاقا وقوف وقفة نقد ذاتي لما رسخ في يقينه عبر السنوات الماضية بتأثير ولاءات عاطفية أو جروح سياسية ، وبغض النظر عن أي مستجدات تنفي ما يراه أو تفند بعض عناصره، ولعل أوضح مثال لذلك هو أنني لا أعرف زعيما سياسيا وقف يوما ليعترف بأنه أخطأ في هذا وذاك من المنطلقات ، ربما باستثناء خالد الذكر !! سعيد سعدي الذي اعترفَ علنا بأنه أخطأ في تقييمه للشعب الجزائري (حيث اكتشف أن الشعب أكثر سوءا مما كان يراه)
    وكمثال يرتبط بهذه الأحاديث، التي لم أزعم يوما أنها مما لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، لاحظ الجميع أن هناك من يركز على إدانة مرحلة الاستقلال بشكل مطلق ، في حين أن هذا الحكم ليس أكثر سوءا من الادعاء بأن الجزائر كانت طوال نحو 60 سنة جنة الله في أرضه، ولم يكن سرا أن أولئك الرفقاء سجناء منطق يريد أن يثبت بأن كل الذين وقفوا ضد نظام الحكم في سنواته الأولى كانوا على حق مطلق، والأكثر سوءا أن يصدر هذا من منطلقات جهوية أو عنصرية، لأن هذا مما لا يمكن إخفاؤه ، وهو بالتالي يُنقص من مصداقية ما يقال ، بل ويلغي المصداقية أساسا.
    ببساطة، من سيروا البلاد ومن اختلفوا معهم هم بشر ، يصيبون ويخطئون ، وهذا ينطبق على بو تفليقة كما ينطبق على بو رقعة ، وينطبق على بن بله كما ينطبق على الدا حسين، وينطبق على بو مدين كما ينطبق على طاهر زبيري ، وإن كنت أتحفظ عند المقارنة بين قايد صالح وخالد نزار.
    لكن البقاء أسرى للماضي سيغلق أمامنا باب المستقبل لأنه يُسمم الحاضر ، وفيما يتعلق بي شخصيا فقد قلت وكررت بأنني على استعداد لأراجع كل رأي يثبت لي ، بالدليل ، خطأه ، ويبقى أن الحوار النزيه هو باب الخروج من كل الأزمات

  3. شكرا جزيلا دكتور ، انا محظوظ بمقالاتك الممتعة ، التي اسافر عبرها لكل مدن و احياء و دهاليز الجزائر .

  4. اولا أ شكرالدكتورالمحترم على إفادتنا بأرائه من خلال ما كتب منذ بداية الازمة ونتمنا ان نتدوم إنشاءالله.
    ثانيا اعتقد ان الجملة الشهيرة “يتنحاو قع” يمكن ان تشمل ايضا جميع الا حزاب و الشخصيات المسمات بالمعارضة و التي اعتدنا رأيتها او فرضت علينامنذ التسعينات الى اليوم ولم تقدم اي منفعة للبلاد والعباد ، سوى السير متوازية مع النظام لأغراض شخصية.
    وثالثا تبقى هذه الأزمة السياسية الحالية بقدر ما هي صعبة بقدر ما هي امتحان لنا نحن الجزائريون بكل مشاربنا ، هل نحن في المستوى ؟ هل نحن اذكياء و عندنا من الصبر ما يلزم لنحل الأزمة ؟ آه . العالم يشاهد وينتظر .
    وأخيرا نتمني و بتوفيق من الله عز وجل ان تظهر مجموعة 22 جديدة من اجل غد أفضل ، جزائر لكل الجزائرين

  5. لكم المواقع ولنا الواقع ، أطحنا بجزأ من العصابة وأفشلنا انتخابات 4 جويلية و سنسقط كل مؤامؤة تقودها بقية العصابة وسنحاسب كل من عمل تحت إمرة بوتفليقة لعلمهم أنه مدان من طرف مجلس المحاسبة …

  6. كل أزمة عندها مفتاح لفهمها إلا أزمات الجزائريين فيما بينهم ما تعرف رأسها من أرجلها ؛ بين خبث و دهاء المؤسسة العسكرية و ضعف وهزال المعارضة ضعنا نحن ؛و ستثبت الإيام أن الكثير ممن يسمون أنفسهم معارضة هم في الحقيقة من رجال المخابرات و دورهم يتمثل في بث الفوضى و إضعاف و تشتيت كل تجمعاتها
    هذا ما وقع خلال التسعينيات إختلطت خيوط اللعبة و تشابكت و لم نعد نفهم من هو معارضة و من هو حكومة و من يقتل من و من هو الإسلامي من المخابراتي من عميل الغرب و من الموالي للشعب و من عدوه ، والأن تعيد هذه المؤسسة خلط الأوراق من جديد
    الأن لا بد من فرز كل واحد لمعرفة صدقه ليكون ممثل للشعب في غياب المعارضة الثقيلة كالجبهة الإسلامية لا بد أن نبحث ؛ لكن تأكد يا أستاذ عميمور أن الأسماء موجودة و منها علي بن واري وزير سابق و خبير إقتصادي ورئيس شركات عدة في سويسرة و هناك بن بيتور دكتور دولة في العلوم السياسية و خبير إقتصادي من جامعات كندية؛ هناك أسماء أخرى؛ إدا ما فيهش ؛ فأنا هنا ؛ ولوني أمركم لأنسينكم جرائم سطالين ووحشية هتلر و أعيد لكم كاريزما بومدين ؛ كما قلت لك المرة الماضية ؛ كل من تحرش بالحكم أردت به شراً ؛ فأما عملاء فرنسا لو تناهى لأسماعي أنهم فكروا فقط في الولاء لغير الجزائر لن أتردد في إرسالهم لحبس المنسيين و هو سجن للأشغال الشاقة وأما في مجال الإقتصاد فإن لي ما يجعل الجزائر أقوى من ألمانيا

  7. البطل الحقيقي للمرحلة الحالية في الجزائر هو قايد صالح
    كلما سمعت خطابا له الا و ازددت احتراما للرجل
    هو الحامي الحقيقي للجزائر من كل ذي مصلحة لا يقارن بالسيسي او حميداتي
    رجل موزون . ينقصه فن الخطابة لكن ذلك لا يقلل من شانه شيئا
    الغوغاء لا تحب مثل هؤلاء الاشخاص
    عادة العرب انهم لا يثنون على رجل الا بعد موته خشية ان تسوء عاقبته اتمنى ان يظل قايد صالح على زهده في الاستفراد بالجزائر.
    بطل الثورة التونسية كان ايضا جنرالا و اظنه العماري لم ينل ما يستحقه من تكريم
    هو من ضمن استقرار تونس و لو كان جنرال مثلهما في ليبيا لما وقع ما وقع .

    الاجتماعات مستمرة و الاخصائيون مجتمعون ليل نهار حول الحالة الجزائرية في اجتماعات لا يعلن عنها
    لن تترك فرنسا الجزائر تفلت من قبضتها دون قتال
    و اخشى من اغتيال القايد صالح ان كان فعلا يقف ضد مخططاتها
    انه النفط انها المليارات انه نفط خارج الخليج الملتهب
    اقرت القوى العظمى ان الجزائر من نصيب فرنسا و لن تترككم بسلام

  8. الا يجد في السياسة والاقتصاد أمثال بلماضي في الرياضة .
    كلنا رأى التلاحم والإصرار إلى درجة البكاء .
    الشعب الجزائري قادر على التحدي وقد يصنع ثورة في القرن 21 يكفي أن يجد من يقوده أو يتبنى طموحاته .

  9. في رايي الشخصي أن الجدير بقيادة الجزائر أن يكون من الجيش لأنه الجهاز الوحيد المنظم في أجهزة الدولة الجزائرية نحن جربنا رئيس مدني لمدة 20سنة وكلنا يعرف الكارثة التي ألحقها بنا لماذا لا نجرب رئيس عسكري؟لماذا لا نقلد روسيا فوضعيتها في التسعينيات تشبه وضعيتنا فكان يحكمها رئيس مدني السكير بوريس اليتسن الذي بدد أموال وخيرات الشعب الروسي على الاوليغارشيا وأصبحت روسيا ضعيفة يحكمها أصحاب المال الذين عاتوا فيها فسادا ،حتى جاء رجل عسكري الكولونيل فلاديمير بوتين وبفضل حنكته فكك كل الالغام التي نصبها الرئيس السابق وخرج بروسيا الى بر الامان وجعلها من اقوى دول العالم المتقدم .
    تتشابه العلة تجبرنا على التداوي بنفس الطريقة وهي انتخاب بوتين جزائري.

  10. شكرا يا سيد عميمور، انا اتفق معك في كثير مما جاء في مقالك لكن قولك” المؤسسة العسكرية هي الضمان الحقيقي للديمقراطية “اضحكني: لحد الآن لا توجد ديمقراطية في بلادنا، كيف يضمنون شيئا لا وجود له : فعلا انه من السهل ضمان لا شيء، اما في يخص المستقبل فنرى ما سيفعلون، لا يمكن ان نحكم عليهم مسبقا. ولا مؤاخذة، ودمتم بخير

  11. والله مقال يزيح الغمة كما يقال ،، فعلا هذه الا زمة اظهرت باننا نعاني من تصحر سياسي فضيع ،، المطلوب من قدماء المناضلين في جبهة التحرير الوطني من الذين لم تلطخ اسماءهم بعهد الفساد ان يتحركوا للمساهمة في ايجاد مخرج ، امثال الدكتور عميمور وغيره ممن تزخر بهم الساحة الوطنية ،، اما انتظار شيئ ممن يطلقون على انفسهم معارضة بمختلف توجهاتها اسلامية وغير اسلامية ، فقد رأينا وسمعنا ، وحسبنا ما رأ ينا وسمعنا .

  12. هناك من يريد للجزائر الانزلاق في ما لاتحاد عقباه .يجب علي المسؤلين و الغيورين علي الوطن التجنيد في وجههم الله يحفظ الجزائر من كل سوء و بلا .

  13. تشكر يا سيادة الدكتور على التلخيص الممتاز لمسيرة الحراك وما صاحبه من تفاعلات إجابية و أخرى سلبية. ومن الأمور السلبية الأخيرة : اللجنة السداسية التي ظهرت غريبة وعجيبة ، وكأن أيادي من فترة 1992م هي التي شكلتها ودفعت بها إلى الواجهة ، وخير دليل تصريحات بعض أعضائها . فهذه اللجنة ، في رأيي ، هي لجنة جهوية بامتياز ، تمثل استمرار السياسات السابقة ، التي مارست الإقصاء و التهميش، على أغلبية الشعب الجزائري المتسامح إلى حد نكران الذات. فهذه اللجنة ، في رأيي دائما ، لن تنجح في مهامها ، لأنها تحمل فيروسات فنائها . فالشعب الجزائري قادر كل المقدرة على الخروج من أزمته التي أوقعه فيها الحاقدون عليه ، إذا سمح له بذلك ، ووجد مؤطرين مخلصين له في السر و العلن . فهو شعب معجرات.

  14. ____ و فيه أطراف رأت في الحراك فرصة العمر . لا أسميها لأن لا علاقة لها بالشأن العام الشعبي و الرسمي . طول عمرها بعيدة عن ’’ الغاشي ’’ و طول عمرها كانت ’’ مونولوجية ’’ في حوار خلوي مع النفس ، و رغم ذلك شفناهم رايحين إلى الحوار الوطني .. و معاهم شروط !!!
    .

  15. منذ 22 فبراير خرج الملايين من الجزائريين بطريقة سلمية إلى الشوارع في جميع كبريات مدن البلاد، للمطالبة بتغيير جذري للنظام وإقامة دولة القانون عن طريق المرور بفترة انتقالية بقيادة رجال ونساء لا ينتمون إلى نظام فاسد للغاية خلال العشرين سنة الماضية”.
    “هذا الطلب المشروع، تم الرد عليه عن طريق اتخاذ إجراءات تُقيّد المظاهرات والقيام باعتقالات تعسفية وتدابير للإلهاء بهدف كسر الحراك .. الذي لا يزال يعبر عن نفسه بنفس القدر من العزيمة والإصرار منذ 5 أشهر”.
    “مبادرة الحوار المعلن عنها مؤخرًا والتي تمت صياغتها بطريقة مستعجلة داخل مخابر السلطة القائمة، تم رفضها من طرف الجزائريين”.
    “بالنسبة لي، فأنا أعتقد أن السبيل الوحيد للخروج من حالة الانسداد التي تعيشها البلاد، يمُرّ من خلال حوار مباشر وصريح ونزيه بين أصحاب السلطة الفعلية والممثلين عن الحراك الشعبي”
    رشيد بن يلس – مجاهد و قائد للبحرية الوطنية ووزير سابق في الثمانينات
    الحمد لله ان هناك من هو مخلصا للشعب و لا يسعي لزرع الشكوك و التفرقة في وسط الشعب من اجل انقاذ النظام على حساب مصالح الشعب و الوطن

  16. ____ يوجد مثل شايع لدى بعض الناس بما فيهم بعض الأكاديميين يقول / ’’ الأغبياء يجيدون الحساب ’’ .. أعتقد أن الحراك كذب هذا المثل بدليل أن كثير من الطامعين (؟) في قطعة من الطورطة (!=) طلعت حساباتهم خاطئة .. و لا حمّص و لا فول .

  17. على النخبة في الجزائر ان تتحمل مسؤوليتها. في زمن الرجال كانو يضحون بحياتهم من اجل الوطن. و الان يأبون التضحية بسمعتهم بعبارة اخرى خايفين يتحرقو. شتان بين هؤلاء و اولائك. قال البطل بن مهيدي القو الثورة الى الشارع. و اليوم انتشلو الثورة من الشارع و اطروها.

  18. ____ مقالة و لا أصدق ( بفتح الدال ) تلخص مسار الحراك و الظروف و الأسباب المؤداة إليه قبل انطلاقته ثم إندلاعه إلى اليوم ، مقال تحليلي نقدي يصلح كمرجع فيما بعد لإعداد دراسات و رسائل جامعية عن موضوع الحراك داخليا و خارجيا .. جزاك الله خيرا دكتورنا الفاضل محيي الدين عميمور على هذه الأمانة و الموضوعية و على خاصة هذه الرؤية من زاوية عارف لا يجادلها عاقل .
    .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here