الثائر  “جيفارا” يعود من خلال فيلم “يوميات الدراجة النارية” 

 

 

 

 

علي المسعود

“يوميات الدراجة النارية” الفيلم السينمائي المبني على مذكرات الثائر الاممي (آرنستو تشي جيفارا)، وللحديث عن جيفارا الذي لم يكن مجرد رجل ثورة سياسية حقق في وقت من الأوقات إنجازات ثورية وسياسية عظيمة على المستوى الأممي، ولكنه كان نموذجا يصعب تكراره لرجل نظر إلى مبادئه ونضاله ضد الامبريالية و النظام الرأسمالي العالمي، و نضاله من أجل بناء مجتمع اشتراكي عادل.  وهو الذي ترك غير آسف كل مغريات السلطة والمال والجاه في سبيل تحقيق عالم من العدالة والاشتراكية. إنها شخصية تجاوزت التاريخ وأصبحت شخصية أممية و تصلح لأن تكون شاهدا على عصر مضى. ومن هذا المنطلق أصبحت شخصية تشي جيفارا شخصية جذابة وحيوية ذات مادة دسمة وخطيرة أيضا لأي قراءه فنية وسينمائية حتى بعد مرور أكثر من اربعين سنة على مقتله،  سحرت شخصية الثائر والمناضل تشي جيفارا الملايين سواء. ممن عرفوه او عايشوا الفترة التي شهدت نضالاته  او حتى الجيل التالي من الشباب والشباب  الذي قرأوا عنه واعتبروه نموذجا لسيرة وحياة الثائر جيفارا. ولد إرنستو تشي غيفارا يوم 14 يونيو 1928 في روساريو في الأرجنتين، من أم اسمها سيليا دي لاسيرنا وأب اسمه إرنستو غيفارا لينش ، وهو الأكبر بين خمسة أطفال في عائلة من أصول إيرلندية وإسبانية باسكية. نشأ جيفارا في أسرة ذات ميول يسارية، فحين كان صبياَ كان والده مؤيداً قوياً للجمهوريين من الحرب الأهلية الإسبانية، وغالباً ما استضاف العديد من اللقاءات بين قدامى المحاربين في منزله. وبالرغم من المعاناة من نوبات الربو الحادة التي عانى منها جيفارا طوال حياته، إلا أنه برع كرياضي وتمتع بالسباحة ولعب كرة القدم والجولف والرماية، فلم تعرف شخصيته الكلل ولا الملل، خلال فترة المراهقة وطوال حياته كان جيفارا متحمساً للشعر،وخصوصا للشاعر بابلو نيرودا وجون كيتس وأنطونيوماتشادو وفيديريكو غارسيا لوركا وغبريالا ميسترال وقيصر باييخو ووالت ويتمان ، كان منزل جيفارا يحتوى على أكثر من ثلاثة آلاف كتاباً، مما سمح له أن يكون قارئاً متحمساً وانتقائياً، حيث اهتم بالقراءة عن كارل ماركس وويليام فوكنر وأندريه جيد واميليو سالغارى وجول فيرن، إضافة إلى ذلك، كان جيفارا يقرأ أعمال جواهر لال نهرو وفرانز كافكا وألبير كامو وفلاديمير لينين وجان بول سارتر. عندما كبر جيفارا أصبح يهتم بالقراءة لكتاب أمريكا اللاتينية مثل هوراسيو كيروغا وسيرو أليغريا وخورخي إيكازا وروبين داريو وميغيل استورياس.

جيفارا كان محباً للحياة، وكان فناناً أيضاً، كاتباً موهوباً وشاعراً وقارئاً نهماً، كل هذه الهوايات والمواهب كونت شخصية جيفارا التي تستعصي على التكرار، شخصية متقدة الذكاء حادة الإدراك، وهب نفسه للمظلومين والدفاع عنهم، تألم للمرضى، وأحس بحاجة الفقراء، باختصار كرس حياته في محاربة الظلم وتحرير العالم من الطبقية، يوميات تشي جيفارا والتي كتبها بخط يده ، يطبعها سحر خاص بعد أن  تحولت الى فيلم سينمائي وبعنوان ( يوميات دراجة نارية) ، الفيلم الذي يتناول شخصية ملأت القرن العشرين وفاضت أطيافها على الألفية الثالثة، مثال إنساني وكفاحي مضيء لكل الأزمنة. عندما تنتهي من مشاهدة الفيلم، فسوف تتعرف على البداية الحقيقية لهذا الثائر والأيقونة في القرن العشرين. وقد يكون قراءة اليوميات ومن ثم مشاهدة الفيلم، سبيلاً لمعرفة المكون الأساسي لروح الثوري جيفارا ، بمناسبة مرور 40 عاما على اغتياله يعود جيفارا في فيلم (يوميات على دراجة نارية).

الفيلم  من إنتاج عدة دول مشتركة (الأرجنتين- الولايات المتحدة- المملكة المتحدة- ألمانيا – فرنسا – البرازيل – بيرو – تشيلي)، ومن إخراج المخرج البرازيلي والتر ساليس وبطولة الممثل المكسيكي “غييل غارسيا بيرنال” والممثل الأرجنتيني” رودريغو دي لاسيرنا”، وتدعونا معها كاميرا المخرج البرازيلي ( والتر ساليس ) لنبحر مع الشابين في لقطة واسعة فنتحرك معهما الى العمق على طريق غير متناه، وحيث شهوة المعرفة تدفعنا بصحبتهما الى سبر أغوار المجهول، من بيونس ايرس – الأرجنتين مطلع كانون الثاني من العام 1952 كانت بداية الرحلة مرورا بشيلي، بيرو، ثم كولومبيا، وصولا الى فنزويلا ، الفيلم هو توثيق الى تلك الرحلة التي قام بها المناضل الثوري تشي جيفارا حول أمريكا اللاتينية برفقة صديقه “ألبيرتوغرانادو” وهو مأخوذ من مذكراته الخاصة التي كتبها بنفسه.

هذه اليوميات كانت ارملته تحتفظ بها وسلمتها للنشر منذ بضع سنين ،في هذه الرحلة التي قطع خلالها مع صديقه ألبرتو غرانادو وعلى دراجة نارية 4500 كليومتر، كانت هي  البوابة التي دخل منها الطبيب الأرجنتيني الشاب جيفارا إلى فضاء أميركا اللاتينية.في الفيلم  يظهر الصديقان وهما يطوفان عبر العذاب البشري الذي يصادفانه في طريقهما وكيف تتشكل شخصيتهما وتصاغ من جديد بهذه الرؤية . الفيلم ينتهي في الفترة التي سبقت تحول جيفارا الى ثائر يؤمن بأطروحة ماو القائلة بأن القوة السياسية تبدأ من نهاية ماسورة البندقية. بعد أن دخل جيفارا جامعة بوينس آيرس عام 1948 لدراسة الطب، أخذ إجازة لمدة سنة للشروع في رحلة يعبر فيها أمريكا الجنوبية على الدراجة النارية مع صديقه ألبيرتو غرانادو،  في أكتوبر 1952م يرسم إرنستو جيفارا وصديقه ألبيرتو جرانادو خطة للقيام بجولة تشكل أمريكا اللاتينية بواسطة دراجة ألبيرتو النارية.

نُشرت المغامرات التي مروا بها في هذه الرحلة في كتاب لجيفارا بعنوان” يوميات دراجة نارية”، وفي كتاب آخر لألبيرتو جرانادا بعنوان” السفر مع جيفارا: صناعة ثائر”. في ذلك الوقت لم يعرف العالم شيئا عن جيفارا الثائر الأسطوري، الذي أصبح أيقونة، ورمزا للكفاح ضد الظلم. ولذلك فقد كانت مهمة كاتب السيناريو أن يحصر كتابة السيناريو على المادة المدونة في تلك المذكرات، بعيدا عما جرى، فيما بعد لشخصية جيفارا من صيت، وشهرة ، وقد صرح “خوزيه ريفيرا “عن الصعوبة التي واجهته أيضأ، في كتابة السيناريو قائلا: ((كيف يمكن للمرء أن يجعل من أسطورة تشي جيفارا، عملا بشريا؟ وكيف يقوم المرء، بتشريف الذكرى، ثم لا يخل في نفس الوقت، بمصداقية التاريخ؟ وكيف يعطي المرء رفيق جيفارا في تلك الرحلة، وزنا مساويا، فجيفارا لم يكن يتميز على رفيقه ذلك بشيء بارز آنذاك؟)).

 بيونس ايرس خلفنا وما ذهب معها هو هذه الحياة البائسة؛ المحاضرات غير الملهمة، الأوراق، وامتحانات الطب …كل أمريكا اللاتينية أمامنا، ومن الان فصاعدا سنثق فقط بهذه الدراجة”. بهذه الكلمات المكثفة والمعبرة، استهل طالب كلية الطب” ارنستو جيفارا ” رسائله المفتوحة الى أمه في الفيلم الأرجنتيني (يوميات دراجة نارية) الذي يرصد مرحلة مبكرة ومحددة من حياته السابقة. تتلخص قصة الفيلم في أن كل من آرنستو جيفارا، وألبرتو غرانادو، وهما أرجنتينيان، خرجا في رحلة أبتدأت من بيونس آيرس، عبر قارة أمريكا الجنوبية. آرنستو جيفارا، الذي كان عمره وقتها 23 عاما، يدرس الطب، في حين كان ألبرتو الذي يبلغ من العمر 29 عاما، متخصصا في الكيمياء الحيوية.

تتابع كاميرا المخرج، هذين الشابين وهما يكشفان عبر الرحلة التى قاما بها على ظهر تلك الدراجة النارية القديمة، التضاريس البشرية ، والإجتماعية، الغنية، والمركبة، للقارة. استمرت تلك الرحلة لمدة ثمانية أشهر، عبر فيها الراكبان الإرجنتين من الشرق إلى الغرب، وسارا شمالا عبر شيلي المطلة، على المحيط الهادي، إلى أن دخلا بيرو، واقاما قليلا في عاصمتها “ليما”، ثم توجها شمالا حتى انتهيا في كراكاس بفنزويلا حيث افترقا هناك بعودة جيفارا مرة ثانية إلى الإرجنتين.

لم تتمكن تلك الدراجة العتيقة، من إكمال المشوار كله، فقد تعطلت بهم عدة مرات، وتم إصلاحها أكثر من مرة في القرى الواقعة على الطريق، غير أنها توقفت بهم نهائيا في بيرو، فتخليا عنها. ومن ثم، لم يعد أمامها سوى أن يكملا الرحلة عن طريق استيقاف الشاحنات العابرة التي تكرم عليهم سائقوها بالركوب معهم. يطرح الفيلم، مسألة الجانب البشري، في حياة كل عظيم، بما فرح وحزن وآسى  وحب فوضى وطيش شباب وغيرها من حالات الضعف البشري. وتلمسا وجع الفقراء حين تغيب العدالة الاجتماعية، الحرية وتصبح المعاناة، الجهل، الفقر، القهر، المرض… تنويعات على نغمة البؤس التي سمع صداها جيفارا وصديقه أينما ذهبا؛ فلامست القلب كما أيقظت السؤال والدهشة فيهما، حيث سقطت الحدود الجغرافية أمام الأسى الذي وحد كل تلك الوجوه على امتداد محطات رحلتهما الباقية، فمن والدة العامل التشيلي وجسدها يقاوم من اجل ان يعيش بكرامة في غياب الدواء والمال، الى الزوجين الشيوعيين وقد هربا من الشرطة ورحلتهما المضنية للبحث عن عمل في أحد المناجم، علاوة على المعاملة القاسية واللاإنسانية من قبل المسؤول عن المنجم، مما دفع جيفارا للخروج عن هدوئه فشتمه وألقى بحجر عليه، ومن المشردين في أرضهم، الى ظلم الأغنياء ومالكي المستعمرات، الى آلم جيفارا وهو يتأمل آثار حضارة الانكي في بيرو متسائلا كيف يمكن لحضارة كانت متقدمة كهذه، ان يمحوها ملح بارود المستعمر ؟. وكذالك التنهيدة (الحياة …ألم)!، والتي هي خلاصة تجربة تلك الشابة المريضة في مستشفى سان باولو للمجذومين في البيرو، وهي تبثها الى الدكتور جيفارا الذي تطوع هو ورفيقه عدة أسابيع للخدمة في هذا المستشفى، حيث يُعزل فيه المرضى من جميع دول أمريكا اللاتينية.

 في هذه المحطة المهمة والمليئة بالمشاعر الإنسانية الجياشة والعميقة، بين جيفارا والمرضى الذين منح لهم الأمل بالحياة من جديد، بدت صورة المستقبل الان واضحة تماما في ذهنه، فتحدث للمرة الأولى إليهم أثناء الاحتفال بعيد ميلاده عن الحلم بوحدة أمريكا اللاتينية، ووحدة أعراقها الهجينة، شكّل هذا الخطاب البداية الحقيقية لنشاطه الثوري حيث غيرت هذه الرحلة رؤيته الى العالم. أن تلك الرحلة المبكرة، التي لم تكن أكثر من مجرد مغامرة شبابية، هي التي أحدثت التحول في بينة وعي” آرنستو تشي جيفارا”، وكذالك “ألبرتو غرانادو”.جيفارا المولود لأسرة من الطبقة الوسطى، في بوينس آيرس، وقد كان طالبا يدرس الطب، أمامه مستقبل مهني مضمون. كما أن كلا من جيفارا، وألبرتوا قد كانا يسبران، في حقيقة الأمر أغوار نفسيهما، كلما توغلا في مجاهيل القارة اللاتينية، انفتحت أعينهما على حقيقة تلك القارة، واذهلهما فقر الريف، وحالة الأهالي الفقراء، من الرعاة، ومن عمال المناجم، بملابسهم الرثة، ووجوههم المسودة، وسحابة الحزن، والكآبة، التي كانت تظلل كل شيء، مما أعطى الفيلم طعما خاصا. ،كذالك  التباين في شخصيتي جيفارا وألبرتو كان واضحا. فجيفارا، وهو الأصغر

 سنا، كان رزينا وجادا، وهادئا، وربما خجولا، أيضا، في حين كان ألبرتو، مرحا، ومهزارا، وكثير الكلام، والضحك. ومع ذلك فقد كان الرابط بينهما عميقا، لا تشوش عليه المنازعات التي لا تنفك تنشب بينهما. وقد تناول الفيلم، إلى المغامرات العاطفية التي دخلا فيها في تلك الرحلة التي امتدت لآلاف الأميال حين توقف جيفارا مع صديقة ألبرتو في إحدى القرى، عند مياكانيكي دراجات نارية. أسترعت وسامة جيفارا، ذي الثلاثة والعشرين ربيعا، إنتباه زوجة ذلك الميكانيكي. وحين ضمت الجميع حانة القرية، في المساء، سعت زوجة الميكانيكي، إلى مراقصة جيفارا. وذلك بعد أن غرق زوجها في السكر، وسقط نائما على حافة خشب الحانة. غير أن الزوج صحا فجأة، وحدث اضطراب انكشفت به نية الإثنين في الخروج معا. فثارت ثائرة الزوج السكران، وحدث هرج ومرج، انتهى بهروب جيفارا، وصاحبه، من داخل الحانة، وأخذت كل من كان بالحانة يركض خلفهم، ولم ينقذهما سوى القفز فوق دراجتهما، والإندفاع بها خارج القرية، تلاحقهم الأحجار، والزجاجات الفارغة.

طيلة الرحلة، كان جيفارا يترك ملابسه للفقراء الذين يلاقيهم، ويعطي قليل النقود الذي كان معه، لأولئك الفقراء. ويبدو أن جيفارا حين فارق ألبرتو في فنزويلا، عائدا بالطائرة إلى الأرجنتين، قد غادرها بوعي جديد. غير أن الفلم لم يشر، لا من قريب، ولا من بعيد إلى حقبة جيفارا الثائر، وإنما تركها بعيدا، لكيلا لا تؤثر على تلك المذكرات التي كتبها جيفارا وهو في مقتبل العمر، حيث لم يكن يدري، وقتها، ما كانت تخبئه له الأقدار، من صيت ومجد . الكاميرا المتنقلة وحدها ، قد تستوعب أكثر حيثيات دروب هذه الرحلة التي حفلت بكثير من الأحداث التي كانت  مشوبة بالبهجة والفكاهة والسخرية والحب والحلم والبوهيمية والسعي لإعادة اكتشاف هذا العالم .هناك كذلك ، الجوع والحرمان وقسوة الطبيعة والبشر.ثم مظاهر الصعلكة والتهور والتمرد على القوانين والمواضعات الاجتماعية …، ومواجهة الأمراض الفتاكة ولسعات الحشرات …، بقدر نوبات الربو المميتة عند جيفارا .

لكنه عالج وصديقه ألبيرتو أكثر من 3000 مريض بالجذام، يحكي في مقطع من رسالة لأمه  عن تلك التجربة قائلا: ((ودعنا مرضى مستشفى ليما بشكل رائع مما بعث فينا الحماسة للاستمرار في الرحلة، اغرورقت عيون بعضهم بالدموع حين قالوا وداعا. نبع تقديرهم من حقيقة أننا لم نرتد قط ثيابا فضفاضة فوق ملابسنا للوقاية ولا قفازات وصافحنا أيديهم كما نصافح أي شخص آخر، لأننا جلسنا معهم وتكلمنا معهم حول كل شيء، لأننا لعبنا كرة القدم معهم. ربما بدا كل شيء كتبجح دون هدف، غير أن الدفعة النفسية النشطة التي قدمتها هذه الأعمال لهؤلاء المساكين – معاملتهم كبشر عاديين لا كحيوانات كما اعتادوا أن يعاملوا– كانت بلا حدود والمخاطرة بالنسبة لنا غير واردة)

 تنتهي الرحلة في فنزويلا المحطة الأخيرة ( كما كان مخطط لها). افترق  الرفيقان في فنزويلا ، حيث تفرغ  ” غرانادو ” لأبحاثه في مرض ( الجذام ) ، فيما استقل “جيفارا ” الطائرة عائدا الى الأرجنتين للأكمال دراسته للطب. لم تغادر ثلاثية الجوع والفقر والمرض قلب ولا عقل جيفارا، عاد إلى الأرجنتين محملاً بآلام الفقراء، مشغولاً بمرضاهم وجياعهم، حينها لم يجد من الثورة مفر، إنها الثورة تنادي، لقد حان الوقت لطي الطب جانباً، والسير في دروب السياسة الموحشة، إنه الحل الوحيد لرفع الظلم الواقع على الفقراء، الظلم الذي رآه في عيون الفقراء والمزارعين البسطاء جعله يشعر بأن هناك خطأ ما في هذه المنظومة، لم يغادر مخيلة جيفارا مشهد الفلاح البسيط الذي يعمل في أراضي الأثرياء بدمه قبل عرقه، حينها استنتج جيفارا بأن الحل يكمن في ثورة، ثورة تقضي على هذا التفاوت الطبقي المهول. دون جيفارا ملاحظاته طوال الرحلة في مذاكرته التي أسماها فيما بعد ” يوميات دراجة نارية” والتي أصبحت أحد أكثر الكتب مبيعاً في العالم. في النهاية، أشار الفلم كتابة، إلى أن ألبرتو حارب في كوبا، مع كاسترو، وجيفارا، إلى أن انتصرت الثورة الكوبية، عام 1959. ولا يزال ألبرتو، يعيش في كوبا، مع زوجته وأطفاله، وقد بلغ الآن من العمر الواحدة والثمانين. أما جيفارا فقد غادر كوبا عقب انتصار الثورة الكوبية، وانضم إلى ثوار أمريكا اللاتينية، وبقى في أحراشها، حتى اغتالته الـ “سي آي آيه”، في بوليفيا، عام 1967. فرضت قوة القصة والرغبة في تقديمها بأكبر درجة ممكنة من الواقعية الاستعانة بممثلين محليين في كل منطقة يتم التصوير فيها، وهكذا جاء الممثلون من الأرجنتين وتشيلي وبيرو. الاستثناء جاء مع الممثل الرئيسي الذي يقوم بدور جيفارا إذ قام المخرج البرازيلي” ساليس ” باختيار الممثل المكسيكي الموهوب “غيل غارسيا بيرنال ” والذي أبدى حماسا شديدا لتقديم هذه الشخصية الاسطورية على الشاشة، بعدها ظهرت الحاجة لايجاد ممثل مفعم بالنشاط والحيوية لتأدية دور البرتو، ووقع الاختيار على “رودريغو دولاسيرنا ” ممثل المسرح الأرجنتيني المميز، والذي يمثل فيلم

 “مذكرات الدراجة النارية” أول ظهور له على الشاشة.  ولغرض إنتاج الفيلم والوقوف على ادق التفاصيل  اضطر طاقم العمل بالسفر  الى العاصمة الكوبية هافانا للالتقاء بأسرة جيفارا وللقاء البرتو غرانادو الذي ناهز 81 من عمره الآن والذي لا يزال يتدفق حيوية ونشاط  ،ولكي يتم تحويل المذكرات الى فيلم استعان  المخرج” بجوزيه ريفيرا”،  وهو كاتب مسرحيات شاب فاز بعدد من الجوائز، وقد بدأ بالتعاون مع المخرج في قراءة كل السير الذاتية المتوافرة لجيفارا، وقد احتاج ريفيرا لعامين ليتمكن من تقديم نصه النهائي ليضمن تقديم تصور متواز ومتساو عن الشخصيتين الرئيسيتين في الفيلم “جيفارا والبرتو”. استقى ريفيرا الكثير من المعلومات من مذكرات جيفارا ومن الوصف الذي قدمه غرينادو لرحلتهما معا. وقد ساهمت هذه الحال المباشرة التي تميز بها نص غرينادو وظرافته الواضحة فيه، بشكل واضح وكبير في اعادة ترتيب وسرد الحوادث ولاعطاء فكرة عن شخصية هذا الرجل الذي يتمتع بهيبة كبيرة. أعتبر النقاد الفيلم نموذجا جديدا للفيلم الملتزم الذي يتضمن غنائية وجماليات بصرية ، الفيلم حائز علي عدة جوائز, منها جائزة أفضل أغنية أصلية في أوسكار2004, وثلاث جوائز أخري في مهرجان كان، وجائزة الأكاديمية البريطانية كأفضل فيلم غير ناطق باللغة الإنجليزية. ولابد من الاشادة في حيادية المخرج “ساليس” وفاءه لروح النص الأصلي للمذكرات وابتعاده عن إسقاطات دعائية لهذا أو ذاك،

المملكة المتحدة

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. شكرا لمتابعتك وأسعدني رأيك وقراءة المقالة بشكل راقي وجميل ، محبتي لك

  2. روعة سردية متكاملة تضاهي متعة مشاهدة الفيلم الطويل بجزيئه بل وتتجاوزها ربما وأستغرب ضعف الاقبال على قراءة مثل هذا المقال المعبر والمعرفي وغيره في صفحة الثقافة فيما تعج مقالات السياسة باللايكات والتعليقات وهذا محزن حقا…كما أن خوض الكاتب القدير بالتفاصيل يدل على براعة ونفس طويل وشغف فريد بالنقد السينمائي …

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here