التيه.. والجنون وتوجسات الأمل والضياع.. وأنـــا

باب ولد سيد أحمد لعلي

ضعيفُ أنا وهائمٌ جدا دون تبصّرٍّ على وجهي ، و”هندُ” التي كانت تمنحني كوبا من شجوَها المتمعن والناصحِ صارت غارقة أكثر في بكائها وتنبؤاتها الجنونية وتحاولُ الهروب من واقع تخافه وتريد أن تصيّره على حسب ما ترى وتشتهي ، لكن لا أحد لها سامع ولا أحد يلقي لها بال ، غيري فقط لأني شبه مجنون مثلها ، فعندما يضيق صدري وتهوي بيّ المتاهات في متاهاتها ولم أعد أذكر نفسي من شدة ضغطها على نفسها ، أجيئ إليها كما الطفل الذي أتعبه الدوران وأنهكه التعب يبحث عن حضن أمٍ حنون ليستريح به لحظة عله ينسى كل معاناته ، أريد قبسا من أحاديثها الجنونية وكلامها الذي يخرجُ عن إطار زمننا البسيط وواقعنا العنيف وهمومنا المتشابكة التي تبحرُ كثيرا عكس التيار من جهلنها وإغفالنا .

حدثتها سلاما ؟ قالت لا يريدُ السلام إلى العقلاء ولا يتجنبه إلا المجانين والغاوين ، فقلتُ لا أقصد السّلام ، بل هي تحيةٌ لك ، فقالت كما ترى حالي هذا والجميع يتحدثُ عني والجميع يسخرُ مني وأنا في نظرهم مجنونة وهم عني مبتعدون لكن هل يقدرون على الهرب من واقعٍ هم له صانعون ويصيُروه إلى حيث زوالهم وهم يبحثون في ذلك عن مصالح لهم شخصية ، فقلتُ لها لا أفهمُ كثيرا مما تعنين رغم أني راغبُ في سماع كل ما تقولين.

قالت لي ووجهها بالحزن ملبدٌ وعينيها تتقطرُ منهما سُحبُ غابرة لا تعرف مداها ، وأنا أفكرُ في عالم المجد الذي تكسّر برهة لأسباب تعود لذواتنا أكثر من أي شيء آخر أن الريح التي تسكن الأفق صارت قاب قوسين أو أدنى من أهدابها ، وأن السماء الصافي صار النظر إليها يُشعرها بالقلق والدوران ،وأن الحياة لم تعد تعني لها شيء في ظلّ كل هذه المتغيرات ، فكرتُ مليّا ونظرتُ إليها نظرات تحيُّرٍ واندهاش فأخذ تحديقي بعينيها الحزينتين يأخذني إلى حيث عالمها المنكسر في كفّ الزمان ، وصرتُ في ذلك العالم تائه أبحثُ عن مدايّ المترامي في أروقة الماضي وعلى مشارف الزمن العاتي لعلني أستشعرُ بقلق ألم ما تستشعرُ به دون جدوى ، فقلبُ المرأة كحضن الوطن كبيرٌ ونظرات عاطفتها تبصرُ ما لا يُبصره عوام العالمين ، لكن التحديق بعينيها يوحي بأن الزمن متوقف وأن العالم متغيرٌ في ذات الوقت الذي يقف فيه الزمن وأننا خارج بوتقته تبحرُ بنا سفن النسيان وتعبرُ شواطئ أحلامنا إلى اللامنتهى وإلى الذي لا نرجوا ولا نبصرُ دون أن نحرك ساكنا.

معها حق فأنا الغبيّ قد لا أصل مداها الذي ترى من خلاله الأشياء ليس لأني فاقدٌ للشعور مثلها تماما ، بل لأن غارق في نفسي أتعاطى جرعات من الواقع المرّ الذي تعودتُ على مرارته كثيرا حتى أصبحتُ أعتقد أن لا شيء في الوجود أحلى منه ، كان الله في عوني ، وكان الله لها ، فعندما يثورُ في قلبِ أحدهم ألم جرح قديم مندثر وينظر بعيون أخرى للعالم فيجده على عكس ما كان يتصور ، تصيبه نوبات قوية من الاضطرابات والانكسارات والتوجسات التي تسعى إلى أن ترمي بصاحبها بدرك الموت في حضن حياته .

فقلتُ بعد كل ذلك وبعد أن استعدتُ قليلا من وعي الزائف الذي عجز أن تفهُم أي شيء دون حديثها الشجيّ ونظرات عيونها الحزينة : أختي ، أعلمُ أن دربي بالهموم شائكٌ وأن نظراتي لا تبصرُ أبدا بنظراتها عتو الزمن وأعلمُ أن حديثك الشجيّ الذي يلتحف بأنوثة منكسرة في عزّها ينبعُ من حق ، وأن عيونك ترى ما لا أرى ، لكن ما عسايّ أفعلُ وأنا من أنا كما ترين ؟…

قالت : كلهم لا يقدرون على فعل شيء مثلك ما داموا مني يسخرون وما دام الزمن يسخرُ منهم وهم يظنون أنهم على شيء مثلك تماما ، فلا تتعب نفسك بالسؤال عما يجبُ أن تعمل ؟ فلن تقدر عليه فلا يغيّرُ العالم في زمن قياسي إلا الأنبياء وقد انتهت الرسالات وانقطع الوحيّ والسماء لم تعد تخبر الأرض بشيء من خبرها ، ازدادت حيرتي حيرة ودهشتي دهشةً وانهالت عليّ السماء ، كيف لها أن تقلق وتحاول الهروب من الناس ومما يفعلون هكذا وتصبرُ كل ما يقولون وسخرياتهم على شيء ليس لأحد أن يفعل فيه شيء ولا يقدرُ عليه؟ وماذا تريد فقط هي؟

وبادرتُ بكل ذلك ، فقالت نديمي بالجنون ، هناك أشخاص لا يرغبون في حصول هذا وهم من يسخرون مني وهم المتنفذون في هؤلاء البشر وهم من يسوسهم كما القطيع ومسار الزمن لا يتغيرُ هكذا ولا يكفي الجنون والهروب والحكمة والرؤى ، بل لا بد من العمل والعمل الصادق ….

لم أفهم شيئا وغادرتها قبل أن يخرج قلبي من صدري وأفقد نفسي التي جاءت بي من عمق شرودها إلى عمق تخيّلها وجنونها ، فأنا فعلا لا أملكُ شيئا وليس لدي ما أفعله سوى أن أتألم وأكتب عبرات من ذلك الألم وأنشرها عساها تجد أحد العقلاء فيلقي عليها نظرة استحسان ويتمعن في معنى حروفها عساه يفهمُ ما لم استطع فهمه …

ربما كان عليّ قبل الذهاب إلى تلك الخلوة الغامضة أن أدرك ان الإنسان أكرمه الله بنعمة النسيان وأن أنسى كل شيء مثير ولا أقدرُ فيه على شيء ، وربما كان عليّ أيضا أن أعي أن التغاضي من أمارات العيش السعيد ، لكن أنا هكذا دوما والشمسُ التي غابت يوما ما في مرض المجد واضمحلاله لا تعيدها الدموع أبدا وأن الجنون والهروب من علامات الحكمة الزائدة ، وأن الأمة العظيمة كالبحر لا تغيض مياه عظمتها أبدا كالبحر تماما فما خفوتها إلى جزرٌ وما عودتها إلا مدٌ.

كاتب موريتاني

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here