أ. د جمال الشلبي: التوظيف السياسي للدين لإيران وتركيا: بأي اتجاه؟

 

أ. د جمال الشلبي

في الشرق الأوسط، حيث يختلط الدين بالتاريخ والجغرافيا، والمقدس بالمدنس، لم يعد “التوظيف السياسي” للدين ( كل الأديان) مقتصراً على علاقة الحاكم بالمحكوم في إطار الصراع على السلطة أو المحافظة عليها في الفضاء الداخلي وحسب، بل أصبح جزءاً مهماً من سياسات واستراتيجيات الدول إزاء الدول المنافسة لها أو المتصارعة معها في الفضاء العام الدولي. وبعيداً عن الصراع العربي الإسرائيلي الذي يأخذ طابع الصراع بين ” الإسلام واليهودية” منذ عام 1948 وإلى الآن، هناك صراع سياسي قاتل وشرس داخل “العائلة الدينية” الواحدة كالصراع بين إيران الشيعية من جهة، والسعودية وتركيا السنية من جهة أخرى بدرجات متعددة، وفي سياقات زمنية ومكانية مختلفة.

فـ “التوظيف السياسي” للدين الإسلامي، على سبيل  المثال، ليس مرتبط بإيران وتركيا فقط، إذ أن التاريخ القديم والحديث والمعاصر يُخبرنا بأن جُل الإمبراطوريات والدول في الشرق والغرب استخدمت الدين ومفاهيمه مثل: الحق والتفويض الألهي، وخليفة الله في الأرض، وأمير المؤمنين، وخادم الحرمين…وغيرها، كـ “ورقة سياسية” لتحقيق مأرب ذات معزي سياسي أو سلطوي؛ هذا الأمر كان وسيبقى تحت مسميات وتبريرات أخرى مستقبلاً.

بالنسبة لإيران، فهي لا تستخدم الدين بل هي ذاتها قائمة عليه منذ إنطلاق ثورتها        ” الخمينية” عام 1979 وإلى الآن، ساعية إلى 

تصدير الثورة” من أجل بناء دولة إسلامية “عالمية” تمثل “إنموذجاً” لبقية الدول العربية والإسلامية. وقد استخدمت إيران بفاعلية “الأقليات الشيعية” في العالم العربي الذي يُطلق عليه “السني” من أجل تحقيق هدفها الأسمى في بناء هذه الدولة الإسلامية بـ “نكهة فارسية” دون أن تُعلن عن ذلك مباشرة، خاصة وأن هذه الأقليات لم تجد في أوطانها إلا الحرمان من الحقوق الأساسية، والشك في ولائاتها، والسجن والنفي في الكثير من الأحيان، أو على الأقل هكذا تعتقد أو تروج هذه الأقليات بقوة وبقناعة.

وهكذا، استطاعت إيران أن تحقق أهدافها –  أو على الأقل – تسير لها بفضل التخطيط الاستراتيجي البعيد المدى لاعادة أمجاد

 “كسرى فارس” بامتلاكها “الحلم” من ناحيةً، وبفضل استثمارها “الحالة المأسوية” التي تعيشها الأقليات العربية ” الشيعية” في البلاد العربية “السنية” بالمجمل مثل: السعودية، واليمن، والبحرين، والكويت، ولبنان،. ..وغيرها، وبفضل استخدامها “للمنطق الديني” القائم على ” ولاية الفقيه“، وضرورة الخضوع لتوجهاته وقرارته من جانب الجميع مهما كان الثمن.

 بالنسبة “لتركيا  العلمانية” بزعامة السيد  

رجب طيب أردوغان فهي دولة علمانية من حيث المبدأ منذ عام 1923، بيد أن إغلاق “أبواب أوروبا” في وجهها طيلة ما يقارب النصف قرن الماضي، وعدم وجود أمل لتحقيق انضماها “للنادي المسيحي” الأوروبي دفع أردوغان لبناء استراتيجيته السياسية باتجاهين:

الأول: التوجه نحو الشرق بدل الغرب وخاصة العربي والإسلامي منه.

والثاني: الاتكأ على مرجعية دينية مثل “الخلافة الإسلامية” التي كان تقود قاطرتها      ” السلطانة العثمانية” مدة لا تقل عن 4 قرون 1517-1924.

وقد حققت “تركيا الأردوغانية” أهدافها من حيث استغلال المشاعر الدينية لصالح مشروعها السياسي بالعودة  لمفهوم” الخلافة” ذات المضمون الديني لدى الكثير من أبناء الشعوب العربية والإسلامية، ولدى العديد من المنظمات والتيارات الإسلامية المؤيدة لهذه الفكرة، ولا سيما جماعة الأخوان المسلمين صاحبة الشعار المشهور” الله غايتنا والرسول زعيمنا والقرآن دستورنا والجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا”؛ ما يعكس استغلال ديني كامل ومتكامل من المرسل ” تركيا الأردوغانية” والمستقبل ” الجماعات الدينية” المختلفة، واتباعها المنتشرين في ثنايا المجتمعات العربية والإسلامية المتعثرة!

ومن هنا، نجد أن ما يسمى” الربيع العربي” الذي عرفه العالم العربي عام 2011 كان “فرصة حقيقة” لتركيا الأردوغانية، المدعومة من  التيارات الإسلامية العربية ذات المرجعية الدينية في البحث عن السيطرة على العالم العربي. وقد تحققت هذه الرغبة في “لحظات ما” عير سيطرة حزب النهضة في تونس، والأخوان المسلمين في مصر، وحزب الاصلاح الإسلامي في اليمن، والأخوان المسلمين في ليبيا، وسعي الأخوان المسلمين للسيطرة على سورية بدعم خارجي وخاصة تركي.

سياسياً: ماذا يعني كل ذلك؟

  • هذا يعني أن “التوظيف الديني” لتحقيق أهداف سياسية ليس فقط في إطار السياسية الداخلية بل وفي إطار السياسة الخارجية للدول أيضاً، كما يحصل الآن مع إيران وتركيا في تحقيق “أهدافهم القومية” تحت شعارات دينية فضفاضة، تداعب القلوب والعواطف أكثر مما تلامس العقل، والمنطق، والواقع .

  • استطاعت إيران وتركيا توظيف الدين في ظل “الفراغ السياسي” الذي يعيشه العالم العربي في معظم المجالات، مما سهل عملية الولوج إلى شعوب ومجتمعات عبر الشعارات الدينية من جانب هاتين الدولتين الجارتين له.

  • استدعاء”الرموز الدينية” لتحقيق المشاريع السياسية التاريخية الكبرى لهاتين الدولتين؛ من “إمبراطورية فارس” إلى” السلطانة العثمانية” الإسلاميتين!!

  • فشل الأنظمة العربية الخارجة من رحم الاستعمار للتو في بدايات ومنتصف القرن العشرين الفائت، الدينية منها أو العلمانية، من بناء “دول حديثة” قائمة على العقل، والقانون والمؤسسات، والعقيدة الوطنية القادرة على مواجهة الدعايات السياسية بـ “ثوب ديني” كما هو الحال لجمهورية إيران الإسلامية الباحثه عن “مجد فارس” بالمستقبل، وتركيا الأردوغانية الحالمة بـ “السلطانية العثمانية” كحل ممكن ومتاح لقادم الأيام!!

ويبقى السؤال: أليس من حق الدول ان تبحث عن مصالحها وقوتها عبر كل الوسائل بما فيها الدين؟ أليست “الغاية تبرر الوسيلة” كما قال نيكولا ميكافيلي بالقرن 16 كتبرير “لمنطق السياسة” الواقعية والدائمة؟!! أم أن قدر القيادات العربية وأنظمتها أن تعيش الماضي الديني في الحاضر السياسي دون أن تدرك تحولات الواقع السياسي والدولي ؟

أستاذ العلوم السياسية

الجامعة الهاشمية

jamshalabi@yahoo.com

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. لكم التقدير والاحترام على ماتفضلتم وهذا واقع لأن النظام العربي لايمتلك من إمرة شيء ولاكن الشعوب اين من

  2. أصبح واضحا للعيان وبشكل مباشر أن الدين عامل أساسي في العلاقات الدولية. الاتحاد الاوروبي ناد مسيحي لن يقبل تركيا العلمانية النظام لكن مجتمعها مسل بامتياز. أمريكا العلمانية النظام لكن مجتمعها مسيجي بامتياز. من حق تركيا أن تعود لأصولها لأنها ليست علمانية وإنما العلمانية فرضت عليها كما فرضت علىالعديد من الانظمة العربية في العراق وسورية والجزائر… الاسلام يجب أن يعود للحلبة الدولية للقوف في وجه المشروع الامبريالي الاستعماري اليهودي. المهم أن يكون لهذا المشروع استراتيجية تحررية تنموية نهضوية تعيد للأمةالاسلامية دورها ومكانتها بعد أن عمل الاستعمار الصليبي على تفكيكها وإضعافها إلى مستويات لا تطاق

  3. اخي الدكتور جمال هناك ثلاثة مشاريع استعمارية جديدة تتمدد في الجسم العربي في غطاء ديني عقدي – الاول المشروع الصهيوني الذي احتل فلسطين و الذي يدعو الى العودة الى ارض الميعاد والثاني المشروع الفارسي الايراني الشيعي والذي بدأ يوسع نفوذه في المنطقة العربية – العراق سوريا لبنان اليمن والبحرين وغزة وضم ثلاثة جزر عربية هي طنب الصغرى وطنب الكبرى و ابو موسى والمشروع الثالث هو التركي العثماني والذي يحتل الشمال السوري اضافة الى لواء الاسكندرونا السوري المحتل ويفرض نفوذه في ليبيا تونس هذه المشاريع ظاهرة للعيان بشكل واضح وذلك في غياب وجود مشروع عربي موحد يلجم هذه المشاريع الاحتلالية للجسم العربي لهذا ففي ظل غياب المشروع العربي يصبح هناك فراغ من حق الاخرين املاء هذا الفراغ لتحقيق مصالحهم الاحتلالية والتوسعية تحت ذرائع دينية – فالدين افضل وسيلة لتجيش العواطف و لتحقيق اهداف ماوراء الاكمة – ستستمر هذه المشاريع في التمدد في الجسم العربي الى ان يفيق العرب من سباتهم الشتوي الطويل ويؤمنوا بان لا خلاص لهم الا بوحدة الصف العربي والعمل معا فالقطرية والعمل الفردي لن يستطيعا توقيف هذا التوغل الاحتلالي الجديد للعالم العربي ونهب ثرواته

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here