التهديد النووي لإيران

عبد الستار قاسم

عدد من الدول التي تعادي إيران نووية وهي بالتحديد الولايات المتحدة والكيان الصهيوني وبريطانيا. هناك دول أخرى تعادي إيران مثل السعودية والبحرين لكنها غير نووية. وهذه الدول النووية هي التي تلاحق إيران في برنامجها النووي وتعلن باستمرار أنها لن تسمح لإيران بامتلاك السلاح النووي. وهي ترى من حقها امتلاك السلاح النووي لكن ليس من حق آخرين بخاصة إذا لم يكونوا تحت الهيمنة الاستعمارية الغربية. وفي هذا ما يؤشر على الانحطاط الأخلاقي العالمي من حيث شعار “يجوز لي ولا يجوز لغيري”، ومن حيث الغطرسة واعتبار الحق للقوة. هذا عالم يعيدنا إلى فلسفة ثراسيماكيوس اليوناني الذي قال قبل حوالي خمسة وعشرين قرنا إن الحق للقوة. وقد قرأ الفيلسوف في حينه العالم بواقعه وليس برومانسية الفيلسوف الذي يحاول القفز عن الواقع لعالم التأمل.

الولايات المتحدة تهدد باستعمال السلاح النووي ضد إيران من حيث أنها تتحدث أحيانا عن مسح طهران عن الخريطة. ومن المعروف أن الصهاينة يملكون السلاح النووي لكنهم لا يعترفون بذلك ولا يلوحون باستعماله. وبريطانيا تملك سلاحا نوويا لكنها حتى الآن لم تستعمله للترهيب، ولم تتحدث عن إمكانية استخدامه. ومهما يكن، تبقى إيران في مواجهة دول نووية لا نستطيع الجزم بأن معاييرها تحول دون استعمال هذا السلاح.

من المستبعد أن تستعمل الولايات المتحدة السلاح النووي ضد إيران لأنها لم تتخلص بعد من صورتها البشعة التي صنعتها باستعمال السلاح النووي ضد اليابان. كل سنة يتذكر العالم بشاعة السلاح النووي وانحطاط الأخلاق الأمريكية التي ضحت بعشرات آلاف الناس من أجل أن تكسب الحرب. وسبق للولايات المتحدة أن خاضت حروبا قاسية في فياتنام ولم تستعمل القنبلة النووية. استسلمت أمريكا في فياتنام، وفضلت الهزيمة على استعمال السلاح النووي. والتورط الأمريكي في فياتنام كان أكثر عمقا مما نتوقعه من تدخل أمريكي ضد إيران. التدخل الأمريكي في فياتنام كان بريا، وكان لأمريكا مئات آلاف الجنود هناك، لكنها لم تحرك ترسانتها النووية دفاعا عن جنودها وتحقيقا لنصر عسكري. أمريكا لن تدخل برا إلى إيران، وإن حصلت حرب فإنها ستكتفي بالقصف الصاروخي والهجمات الجوية. هي ستلحق دمارا كبيرا في المنشآت الإيرانية، ولن يكون هدفها تحقيق نصر بري واحتلال أرض وإنما تدمير المنشآت النووية والصاروخية وهو الهدف الصهيوني. وأمريكا تدرك أنها ستصاب بخسائر كبيرة بخاصة أنها أقامت معسكرات وقواعد حربية تشكل هدفا سهلا للصواريخ الإيرانية. وقد باتت أمريكا غير مستهينة بالقدرة الإيرانية بعدما أبدت إيران شجاعة في إسقاط الطائرة المسيرة الأمريكية والسيطرة على السفينة البريطانية. والمحللون العسكريون يرون أنه لو لم تكن يد إيران مليئة بالقوة لما أقدمت على استعمال القوة.

هذا فضلا عن المسرح الدولي الآن يختلف في تفاصيله عما كانت عليه الأمور مع نهاية الحرب العالمية الثانية. الظروف الدولية اختلفت الآن وأصبحت هناك موازين إعلامية جديدة، وأيضا منظمات عالمية تعني بحقوق الإنسان قوية وفاعلة.

وبالرغم من المحاذير على استعمال القنبلة النووية فإنه يتوجب على إيران أن تكون حذرة فلا أمان ولا اطمئنان من قبل دولة استعمارية جشعة مصاصة للدماء. بل من المفروض أن إيران قد اتخذت ما أمكن من الاحتياطات لمواجهة هجوم أمريكي نووي.

من المحتمل أن يأتي النووي من قبل الصهاينة إذا نشبت حرب تهدد وجود الكيان. ربما يكون لدى أمريكا شيء من الرادع الأخلاقي، لكن الصهاينة لا يملكون أي كوابح لانحطاطهم الأخلاقي، وقد يقدمون على مغامرة نووية بخاصة إذا أيقنوا أنهم على وشك الانهيار. قنابل الصهاينة النووية هي قنابل المنتحرين أو قنابل “علي وعلى أعدائي”، قنابل اليائسين الذين يدخلون مرحلة الموت. من الوارد جدا أن يقدم الصهاينة على إطلاق صواريخهم الحاملة للرؤوس النووية على عدد من المواقع الإيرانية، والتي قد تكون حقيقية أو مموهة لتحقيق ردع اللحظة الأخيرة.

لكنه ليس من الصعب على إيران وحلفائها من الرد بقوة على أي استعمال نووي. قنابل الصهاينة، وفق معرفتنا، تكتيكية وليست استراتيجية، وفاعليتها محدودة وليست كالقنابل الاستراتيجية الضخمة والمدمرة. ومن الممكن الرد على الاستعمال الصهيوني بكثافة الصواريخ التي يمكن أن تنطلق من إيران والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين. كيان الصهاينة صغير جغرافيا، وإمكانية اكتساحه كله بالصواريخ واردة جدا. هذا ومن الممكن تحقيق ردع للصهاينة إذا لوحت إيران ولو بغمز وليس بتصريح باستعمال أسلحة دمار شامل غير النووي. ليس معلوما عن ترسانة إيرانية نووية كيماوية أو بيولوجية، لكن من المتوقع أن تمتلك دولة تقع تحت التهديد المتواصل سلاحا رادعا لأعدائها ولو لم يكن بكفاءة النووي.

اكاديمي وكاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here