التكوين الروائي في “السقشخي”: بين الإدراك الفني و سيميائية النص للكاتب علي لفتة سعيد

سناء الحافي

إن السجن ليس فقط الجدران الأربع وليس الجلاد أو التعذيب، إنه بالدرجة الأولى خوف الإنسان ورعبه، وهذا بالضبط ما يريده الجلادون وما يجعل الإنسان سجينا دائما في عمق ذاته و فكره و كتاباته ..فالانسان يشعر بالهدوء في مواقف الخوف عندما يتخيل أسوء ما يمكن أن يحدث، ويقنع نفسه بأن حياته لن تنتهي.

لكن الخوف من الموت.. موتُ قد يمتدّ مدى الحياة، لكننا كثيراً ما نتشبث بالخوف عندما نريدُ أن نحتفظ بأقصى درجات الأمان.

ففي رواية الكاتب و الروائي الكبير علي لفتة سعيد ، كان لنا الخيار في تبني زاوية الرؤية التي قد تكون مدخلا مهمّا للمناخ الروائي ، و الخيط الرابط بين جميع مكونات سردية الرواية،  الأمر الذي يجعله محل التقاطعات والامتدادات، وحتى عندما يغيب، نشعر بوجوده في نسق الأحداث المقدمة من خلال الشخصيات الأخرى..

السقشخي  …العمل الروائي الذي يصلب فينا شعور الجهل و عدم الادراك ، يتربّص بالضعف و الهروب ليجعل منه بابا موصودا بعدم الاستسلام، من خلال سيميائية العالم التكويني و تسامي الكاتب عن التصنيف الطائفي و تطويع ألشخصيات لتكون أنموذجا توثق الحدث الأدبي بشكل مميز …  و دلالة على الحال الاجتماعية والثقافية المتردية لتأخذ تلك العقلنة الفنية مهمتها باتجاه آخر يعكس في مراياها المتعددة قاع المجتمع وسطحه بما هو نتاج للعلاقات المتحكمة والايديولوجية السائدة ساخراً / ناقما من شكلانية الفكر وتسطحه إذا لم أقل اضمحلاله وتشوهه في عقل نظام عقيم غير قادر على التمييز جيداً بين الاشياء ودلالاتها…

في هذه القراءة ، و قبل الولوج إلى مدركات النص و الغور في خبايا الشخصيات ، علينا أن نشير إلى عنصر مهم في التكوين الروائي للكاتب علي لفتة سعيد .. هذا المنحى القلق بين اعتبار الحداثة وموتها، أو ما سينتج عن ذلك، من تجليات متميزة ومتمايزة في استشراف المستقبل المظلم طالما أن الحاضر لم يزل بلا أفق أو بالأحرى بلا مشاريع تفضي إلى أفق واضح يأخذ بأسباب الحضارة الحديثة سوى تلمس تصورات جديدة للكتابة الروائية، ربما تساعد على خلخلة البنى النفسية القديمة ولو برؤى شكلانية تتبناها الرواية أو تبدعها على أمل أن يبقى لها اعتبارها.بعد ذلك لا غرابة بكسر الايهام الايدولوجي أو الاعتماد على حقائق آنية، محلية، وعابرة لانشاء رؤية تفكيكية غالباً لا تفضي إلى قول آخر سوى كينونتها الابداعية بغض النظر عن قيمتها التداولية …

أما المكان فقد كان له النصيب الأكبر في التأثير على الجو السردي ، و استثمار البيئة الاجتماعية و ظروفها القاتلة في عمق الكاتب لتصبح بذلك الملجأ و المرفأ ، قد اختار الكاتب المنطقة بعناية فائقة فهو قد عايشها بكل تفاصيلها وعايش الكثير من شخوص الرواية فهو لم يبخسهم حقهم ،قد يكون جزءا من شخصية ماجد خيالية ولكن ليس كل الشخصية فهي مزيج بين ذلك العراقي الذي امتهن اعظم مهنة وهي التدريس وبين شخصية الكاتب ، موظفاً العهر السياسي و سلطته في القمع و الاستبداد من خلال الوسائل التي اتبعها النظام في اذلال هذه النخبة من المجتمع حيث كان الاختيار اكثر من موفق ،وحتى يؤرخ الكاتب لما كان يجري في ذلك الزمن ،فقد اختار مكانا نائيا صغيرا يجمع كل الطيف العراقي متنوعا بتنوع المجتمع العراقي منوها ببلدته التي عشقها متحدثا عن تجربة ذاتية واختار مهنة مقدسة في الضمير الإنساني واختار شخصا اقربهم إلى نفسه فهذا التزاوج الذي حدث بين المكان والزمان اعطى للرواية بعدا واقعيا ملموسا عانى منه الكثير من العراقيين فمن غير المستغرب ان يعيش العراقي داخل سجنه الذي دخله بنفسه قسراُ!!!

فالإمتداد الزمكاني في الطبيعية السردية جوهر ” السقشخي ” …و انسجام الشخصيات من خلال المعاناة الواحدة  التي كانت كفيلة بأن تخلق دهشة للمتلقي في خضم الصراعات النفسية و السياسية و الاجتماعية ، بدءاُ من المرحلة الأولى وصولا إلى المرحلة الثانية في امريكا ،حين يكتشف ان لافرق بين ديكتاتور وديموقراطي فالكل مصاب بنفس الهواجس الامنية فالمحقق الامريكي لايفرق عن المحقق العراقي فالكل يريده ان يعترف وهو يعلم حقيقة انه بريء هكذا كانت المرحلة الثانية من حياته فهي مشابهة لما سبقتها وظل رهين محبسه لم يستطع ان يتحرر من خوفه ورائحة الدم والخوف تزكم انفه بالرغم من عثوره على مصنع الجمال متمثلا بزينب  ،ولاغرابة ان يكون السجان نفسه هو داخل سجنه ايضا فهو حين يحتمي بالصورة الكبيرة المعلقة خلفة فقد رهن نفسه مع صاحبها فهو في سجن ابدي لايمكنه الخروج والتحرر منه ،والمرحلة الثالثة هي مابعد الاحتلال الامريكي للعراق او كما يرغب البعض تسميته تحرير فالقضية مرهونة بوجهة نظر المتحدث ومعتقده والايديولوجية المؤمن بها  بقي الخوف والموت يسكن عقل الشخصية العراقية وبقيت رائحة الدم والموت كما هي …

و بين الانتقال من إرهاب السلطة إلى إرهاب المجتمع ..تبلورت المفارقات ، و تعددت الأحداث ، راسما المنحنى الفكري لضبط إيقاع الحبكة لتتوالى الاحداث عبر سرد رشيق وكلمة معبرة، بين سجن ورحيل  وهجرة، بين حب وعنف، بين فرح وألم  وخوف وتشرد، بين جهنم البلد وبين عالم امريكا المذهل، دون تجاهل الكاتب في نفس الوقت على تخفيف قتام الاحداث على القارئ فيطعمها بمشاهد الحب والعشق والايروسية المحببة، فتكون كقطرات المطر التي تسقي عطش ارض  عطشى بالنسبة للبطل والمتلقي في عالم الكبت والحرمان…

و أخيراً و ليس آخراً ..فالروائي العراقي علي سعيد لفتة تفوّق على المعاناة و على نبذ الذات و الخوف ، و انتصر إبداعا بخلق منجز أدبي روائي يستحق الإشادة به ، و يستحق أكثر من دراسة و تحليل ، لعلّنا بذلك نستطيع تقدير هذا العمل بعين النقد و رؤى ما تدعو له الحداثة الجديدة دون تعصّب فكري أو طائفي أو أدبي …

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here