التغيير القادم للمنطقة من السودان

د. محمد الشيخ بانن

     شكل تمدد البورجوازية الأوربية خارج حدودها القومية، في إثر التحولات الاقتصادية التي عرفتها، عامل أساس في عدم استقرار الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العديد من البلدان التي تعرضت للاستعمار المباشر. ذلك أن وصول حركات التحرير إلى سدة الحكم، واخفاقها في مأسسة السلطة، نتيجة شموليتها وتقليديتها، من ناحية و التفافها حول زعيم ملهم، من ناحية ثانية، وفشلها في إدارة الصراع السياسي الناشئ، من ناحية ثالثة. كلها عوامل أسهمت في عدم تبلور مؤسسات حديثة بثقافة سياسية ديموقراطية، مقابل سيادة أنماط شمولية، لا مكان لديها للمختلف. ما قاد إلى دخول الفاعلين في هذه الدول في مواجهات داخلية، كان العسكر سيدها بلا منازع، وإن اختلفت لبوسه؛ من قومية إلى دينية أو قبلية أو مناطقية.

     السودان المتنوع والمترامي الأطراف، لم يسلم منذ استقلاله سنة 1956، من لعنة الاقتتال الداخلي؛ حيث دخلت البلاد في حروب وانقلابات عسكرية؛ كان انقلاب الانقاذ سنة 1989 أطولها حكما وأشرسها قمعا لمعارضيه وأكثرها تفريطا في وحدة الوطن واستخفافا بتنوعه. ما أدى إلى انفصال الجنوب سنة 2011 ونشوب الحرب في دارفور وكوردوفان.إلخ. من جهة ودخول البلد في توترات سياسية واحيانا عسكرية مع جيرانه، من جهة ثانية.

    في إثر تدهور الأوضاع داخليا وما ترتب عن ذلك من أزمة اقتصادية حادة، استنهضت القوى الوطنية المرتكزات الجامعة، ودخلت في مواجهات سلمية مع نظام الإنقاذ الإسلاموي، استمرت لعقود من الزمن، توّجت بالحراك الثوري الراهن. الذي تميز عن كل الانتفاضات التي شهدتها دول عربية عديدة منذ 2011، بوجود حامل اجتماعي متعين، أساسه الذوات المستنيرة عقليا والفاعلة سياسيا بكيفية دينامية، وبرنامج سياسي جامع وقيادة نابعة من الجماهير. وهذه عناصر لا بد من وتوافرها في أي تغيير منشود.

 حامل الثورة: تجمعات المهنيين.

    ما يلفت الانتباه في الحراك الذي يعرفه السودان، هو قيادته من طرف تجمع المهنيين، الذي نجح في ضم معظم المهنيين السودانيين، بعدما اطلقته مجموعة من الاساتذة الجامعيين سنة 2012 في جامعة الخرطوم، ليشمل في سنة 2016 وما بعدها، المعلمون والمهندسون والمحامون والاطباء والصيادلة والاعلاميون والبيطريون والتشكيليون. إلخ، ويدخل في ملحمة ثورية سلمية، بعدما أسس تنظيماته خارج الأطر التقليدية القائمة، هدفها تنظيم بؤر الفعل الثوري وتوحيد وجهته. وهو ما تبدئ في ديسمبر 2018، من خلال قيادة التظاهرات المطالبة بتنحي عمر البشير، وإطلاق اعلان الحرية والتغيير في الأول من يناير 2019، الموقع من طرف العديد من المكونات الوطنية والمدنية والشبابية والنسائية. لتختتم المرحلة الأولى من هذه الثورة في تثبيت اعتصام مفتوح أمام مقرات قيادة الجيش في المدن، ابتداء من 06 أبريل 2019، ترتبت عنه لحظة فارقة، تمثلت في قيام المجلس العسكري يوم 11 أبريل 2019 بعزل عمر البشير واعتقاله إلى جانب بعض من رموز نظامه.

      لتبدأ المرحلة الثورية الثانية، في ثبات واقتدار، من طريق بناء ذوات الثورة في الميادين والأحياء، من جانب وتعميم هويتها الوطنية الإنسانية التقدمية الجامعة، من جانب ثاني، وبروز قيادتها، التي تحاور وتناور بعزم وإرادة ورؤية واضحة، من جانب ثالث. وما تقديم الوثيقة الدستورية، التي حددت بدقة ملامح المرحلة الانتقالية، ومستويات الحكم الاتحادي والاقليمي والمحلي، بخلفية مدنية ديموقراطية وتعددية، إلا دليل على وطنية هذا الفعل الثوري وشعبيته.

أما المرحلة الثالثة، فقد اتضحت نتائجها الهائلة، رغم محاولات إفشالها من طرف بقايا الانقاذ وأذنابه، من طريق الاتفاق الذي عقد بين قوى إعلان الحرية والتغيير والمجلس العسكري يوم 14 ماي 2019. والذي تمخض منه الاتفاق على فترة انتقالية لمدة ثلاث سنوات وتشكيل مجلس وزراء مدني من الكفاءات الوطنية، بصلاحيات تنفيذية وتشكيل مجلس تشريعي مدني قومي انتقالي من 300 شخص، يتم اختيار ثلثيه من قوى إعلان الحرية والتغيير وتعيين الثلث الأخر من طرف باقي القوى، التي لم تكن جزءا من نظام الانقاذ، وبالتشاور مع قوى الحرية والتغيير والمجلس السيادي الانتقالي. ولازالت مكاسب الثورة تتحقق وأفقها نظام وطني مدني جامع، في ظل تحصينها من الجماهير المعتصمة في الميادين.

لغة الثورة:

      للثورة السودانية الناشئة، لغتها الوطنية الجامعة وفنها الراقي، الذي أذهل الكثيرين، بعدما انبلج بملامحه التقدمية الرائعة، التي أذكت شوكة النضال، وعززت الصمود في إثر انخراط النساء والشباب بقوة في هذه الملحمة. ما كان يمر في الخيال أن هكذا فن تشكيلي معبر وغناء شعبي متنوع وشعر ملتزم بقضايا أهل الوطن، سيتقد في هذا الزمن، بعدما حكم الانقاذ الشمولي البلاد بالنار والحديد لعقود؛ منتهجا سياسة الافقار الاقتصادي والاذلال السياسي والاقصاء الثقافي.

     تلكم هوية الثورة التي تعبر عن الطموح السائد لدى أغلب مكونات المجتمع السوداني؛ طموح في الحرية والديموقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية وإدارة التنوع الثقافي والتعدد السياسي. إنه البديل القادم الذي يتأسس على أنقاض الكليانية البائدة.

ثورة في أعين الإقليم:

     ينظر الإقليم المكلوم، الذي يرزح جزء منه تحت أنظمة حكم تسلطية، فيما تنهش الصراعات الداخلية الجزء الأخر، بحيرة إلى ما يحصل في السودان. طرف يحاول اجهاض التحولات الناشئة واستبدالها بحكم عسكري جديد، وأطراف أخرى لازالت تتلكأ في الافصاح عن مواقفها، في إثر تبعيتها لهذا المحور أو ذاك. في المقابل، فإن مخرجات المرحلة تقتضي من دعاة الحرية وحقوق الإنسان، دعم هذه الثورة الإنسانية السلمية، لما سيكون لنجاحها من تداعيات ايجابية على متطلبات المعيش المشترك في دول المنطقة. كما يتطلب الأمر من الثوار ترتيب الأولويات وتلقف المشتركات الناشئة هنا وهناك؛ خاصة العداء الناشئ تجاه أدوات التطرف، التي اضحت تهدد الوجود الإنساني برمته.

   لا شك أن الفعل الثوري في السودان، سيحقق النصر، نتيجة ارتكازه على حامل اجتماعي متعين، له ذواته التنظيمية وحاضنته الاجتماعية وأفقه السياسي الجامع. وهذه محددات انفردت بها ثورة السودان، عن غيرها من الانتفاضات الفجائية التي عرفتها عدة بلدان عربية منذ 2011، ولم يتمخض منها إلا الغبار…غبار الاقتتال الداخلي، على أسس ماضوية تجاوزتها حركة التاريخ.

كاتب من المغرب

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. اهل السودان من الشعوب المثقفة والمستنيره والصبوره شعب قاريء ومسكين واذا قام فهو سكين

  2. التغيير القادم للمنطقة من السودان… ليش مايكون من سوريا والسعودية والامارات والمغرب والجزائر….الا الانظمة حليفتكم ماتجيبون ذكرها!

  3. جميل و سئ يفوق الوصف. نعم الحراك السودانى يختلف كما و نوعا عما جرى فى المنطقة و هو مصدر قوته و ضعفه فى نفس الوقت. على مر التاريخ الحديث كانت الصيحات تخرج من هذا البلد و لكن الآخرون كأن بهم صمم و ما زالوا و نعتقد أن السبب الرئيسي لان هذه الصيحات لم تخرج من أوروبا. نقول حرية سلام و عدالة و مدنية خيار الشعب و لا نسمع صدى. شكرا للكاتب

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here