التغنانت.. الجيل الرقمي… وقود حراك الشارع في الجزائر؟

 

عبدالله راقدي

   أثار  قرار الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة -الذي يتولى الحكم منذ 1999- بالترشح لعهدة رئاسية خامسة ردة فعل رافضة بدعوى أنه مريض وعاجز عن أداء مهام رئيس الجمهورية. ترجم هذا الرفض بكتابات ومظاهرات واعتصامات واسعة شملت معظم المدن الجزائرية، وشاركت فيها مختلف الشرائح والفئات المجتمعية.  فما هي أسباب الدعوة إلى المسيرات والإعتصامات والإضراب العام؟ وهل هي كفيلة بثني الرئيس عن الترشح؟ وهل ينم ترشيح الرئيس عن سوء تقدير لموقف الشعب من ذلك؟  وما هي تداعيات تغنانت ( كلمة جزائرية تعني تشبث كل برأيه) الطرفين على المشهد الجزائري ومن ثم أمنها واستقرارها؟ في البداية دعونا نبحث في ظروف ترشيح الرئيس لعهدة خامسة.

 العهدة الخامسة: التخريجة الأكثر بؤسا لنظام الحكم الحالي ؟

           ساد اعتقاد في الفترة الأخيرة لدى قطاع واسع من الشعب الجزائري مفاده أن النخبة الحاكمة واعية إلى الحد الذي يمنعها من ترشيح رئيس مريض وعاجز لعهدة خامسة، وأن الجزائريين غير مستعدين للتفريط في أمنهم واستقرارهم نتيجة مأساة عشرية الدم والدمار واستيعابهم لفوضى ما يسمى ” ثورات الربيع العربي”.  غير أن الذي حصل كان العكس، فقد تم ترشيحه دون تقدير لما يترتب عن ذلك من مخاطر التنازع والاختلاف بين الجزائريين. ويبدو أن مهندسي العهدة الخامسة لم ينتبهوا إلى التحولات التي مست المجتمع الجزائري من ذلك، تحول في مدركات وقناعات جيل واي generation y أو الجيل الرقمي ( وهي فئة عمرية من 1980-2000)،  جيل الوابweb  والهاتف النقال، جيل يظل يسأل لماذا؟  جيل نزَاع للفردانية، لا يقبل تأجيل استفادته من المتعة المادية والمعنوية، كما كان مع أجيال ما قبل الكومبيوتر والوابweb  والهاتف النقال، أجيال تنشئة الحكومة قبلت بالخبز وأجلت الاهتمام بالحرية. خلافا للجيل الحالي، لا يؤمن إلا بالملموس والآني  ( الحاضر)، وهما في تقديري  أمران غائبان في مرشح العهدة الخامسة  (لم يكلم شعبه منذ ماي 2013 )، وبقيت وعوده في التغيير وتمكين الشباب من الحكم دون تنفيذ، فهذا الجيل يعرف أن الذي لم يتحقق في عقدين، لا يمكن إنجازه خلال عام، إنه يتعامل وفق منطق المثل الجزائري: “أحييني اليوم و أقتلني غدوة”.

        تبعا لذلك، أقدر أنه الذين رشحوا الرئيس عليهم أن يدركوا أنهم بوعي أو بدونه, وفروا للمناهضين للعهدة الخامسة لاسيما ما استطيع تسميتهم ” ضحايا المرحلة البوتفليقية”  المزيد من الظروف التي تبرر لهم التحرك والضغط من أجل وقف الفوضى غير الخلاقة والمدمرة. فبفشلهم في الخروج بتسوية تسمح لهم بترشيح شخصية توافقية تحظى بالقبول والرضا وإصرارهم على ترشيح الرئيس لم يتركوا من آلية للتساوم والحل سوى الشارع والمظاهرات والإعتصامات، وأقدر أنه وبقدر فاعلية الشارع في التأثير فإن مخاطره مدمرة، إذ قد تدفع الجماهير في حال  تغنانت الطرفين إلى انزلاق الأوضاع ، مما يوفر أسباب لتدخل بعض القوى في الشأن الجزائري.

    حراك الشارع ومخاطر  التمادي في الإصرار ومن ثم الانزلاق

      برز تيار مناهض للعهدة الخامسة بمجرد أن بدأ الحديث عن وجود إمكانية لترشح الرئيس بوتفليقة، عبر عن نفسه أساسا في مواقع التواصل الاجتماعي وبعض المقالات، ككتابات الجنرال المتقاعد علي غديري في صحيفة الوطن الجزائرية، والتي دعا فيها الجيش للتدخل لوقف ما رآه انهيار الدولة، ثم بدأ الانتقال تدريجيا نحو الشارع عبر التظاهر والإعتصامات في الطرق والساحات، حصل ذلك في مدينة خراطة وخنشلة، وفي هذه  الأخيرة عرفت سابقة نزع وتمزيق صورة الرئيس بوتفليقة من على مبنى البلدية ( سلوك أرى أنه إهانة لرمز الدولة). ويبدو أن عملية التمزيق ساهمت في كسر حاجز الخوف وفي نفس الوقت بعثت برسائل أمل في إمكانية التأثير في مسار الانتخابات. انتشرت بسرعة أخبار الاحتجاجات الصحيحة والخاطئة (الإشاعة) عبر مواقع التواصل الاجتماعي.  وفي ذات السياق، بدأ التصعيد عبر الدعوة لتظاهرات 22 فيفري عبر كل مناطق الجزائر.  هكذا وبعد التعبئة عبر وسائط الواب شهدت كبريات المدن الجزائرية مثل العاصمة الجزائر، وهران، عنابة، تلمسان، باتنة، سطيف، سكيكدة، مسيرات حاشدة  شارك فيها عشرات الآلاف من المتظاهرين واتسمت في عمومها بالطابع السلمي. ويبدو وفقا لإستراتجية تصعيديه، نجح مهندسو الحراك في تنظيم  مظاهرات عارمة في 01مارس في معظم المدن الجزائرية، اعتبرت بمثابة انتصار لتحدي الرهان على الشارع، حضور كثيف  وتجمعات سلمية. يتجه الحراك بحسب ما هو متداول على صفحات وسائط التواصل إلى التظاهر بقوة  يوم الجمعة 8 مارس الذي يتصادف و عيد المرأة ويسعى لاتخاذ خطوات أكثر تصعيدية على غرار الإضراب العام.

           اتسعت رقعة الاحتجاجات لتشمل الطلبة والأساتذة الجامعيين والمحامين ونقابات التعليم، وانعكس تأثيرها على الأحزاب، شهد حزب FLN استقالات في صفوفه، ومن مداومة المرشح المستقل علي غديري استقال (الإعلامي حميدة العياشي، المحامية البارزة ليلى عسول والمحامي مقران آيت العربي). أيضا …. شهدت  كنفدرالية منتدى رؤساء المؤسسات وهي أقوى منظمة استقالة العديد من أعضائها، غير أن أهم تحول  في مسار رفض العهدة الخامسة في تقديري ويجب الانتباه إليه هو تأثيراته وتداعياته اللاحقة، يتعلق بإعلان منظمة المجاهدين انحيازها لمطالب الشعب، حيث دافعت في بيانها عن انشغالات الشباب وبررت بالقول أن الظروف التي ألمت بالمشروع الوطني هي التي أملت على المجتمع الجزائري واجب الخروج للشارع والمطالبة بالشعارات التي رددت. ويفسر على أنه محاكمة لمرحلة حكم بوتفليقة  ورفض لترشحه مجددا.

مآلات الحراك الشعبي بين عقلانية المواقف ومخاطر التدويل

       أكدت حركة الشارع حقيقة مفادها أن الشعب الجزائري يعشق الحرية والثورة، وأن سقف تطلعاته أعلى من قدرات حكامه، وأستطيع أن أقول أن “الشعب الجزائري يعرف كيف يثور بل هو ثائر بامتياز ولكن للأسف لم يتسن له أن يتعلم كيف يحكم” جوانب أدركها قادة الثورة أمثال بن بولعيد وبوضياف وبن مهيدي ورابح بيطاط، في شعبهم ونزعته للحرية، فقرروا تجاوز  احتفالية الأحزاب وإعلان الثورة بالعودة للشعب، قال في شأن ذلك بن مهيدي مقولته الخالدة “ارموا بالثورة في الشارع يحتضنها الشعب.”

         مع مرور الأيام توسعت دائرة المؤيدين أفقيا وعموديا لمطالب الحراك الشعبي، ولعل في تأييد منظمة المجاهدين وتصريح قائد الجيش الأخير غير المهدد يمكن اعتبارها مؤشرات إيجابية تساعد على انتصار صوت العقل المنحاز لمطالب الشعب الداعية لإيجاد تسوية تأخذ بعين الاعتبار عدم ترشح الرئيس بوتفليقة لعهدة خامسة وإحداث إصلاحات عميقة تكون في مستوى إمكانيات الجزائر الغنية جدا وتطلعات الجيل الرقمي. حينذاك فقط يمكنها أن تعي هذه اللحظة التاريخية بكفاءة عالية، بما يسمح بتبني خيار يسمح للجزائر بحجز مكان لها في عالم يحتكم للقوة، وتتفادى العودة في كل مرة إلى المربع الأول  كما حصل في إصلاحات 1989 وتبني خيار الإصلاحات السياسية وما أنجر عنها من مأساة ذهب ضحيتها أكثر من 200 ألف من الجزائر أكثر من 400مليار دولا خسائر، ثم مرحلة بوتفليقة منذ 1999 وتبنيه لمشروع إصلاح  بغية الوصول إلى حكم مدني غير سياسي ولا عسكري، ووصل في نهاية المطاف إلى ما يشبه الدولة العاجزة، وفي 2019 تشي الأحداث إذا لم يتم تداركها إلى تفاعلات متسارعة جدا وتفتح الباب لتدخلات خارجية نحن في غنى عنها، كما جاء في تصريح الخارجية الأمريكية التي دعت الحكومة الجزائرية إلى احترام حق الشعب في التظاهر،  وقالت إنها تراقب الوضع عن كثب. لا شك أن التدخلات تبدأ بتصريحات وإعلانات  وتنتهي بتدخلات مباشرة ودعم مباشر لمنظمات وجماعات، كما حصل في العراق, يوغوسلافيا, سوريا وأفغانستان.

وأخلص، إلى أن نزعة التغنانت في ترشيح الرئيس وهو مريض عاجز مسيء لسمعة الجزائر ومسفه لقيمة ومكانة الدولة عند الجزائريين لاسيما الجيل الرقمي، وهو تبعا لذلك دافع لتأجيج الصراع ومن ثم الفوضى المدمرة. لأجل ذلك، يجدر بالنخب الحاكمة الإسراع في إيجاد تسوية مرضية للشعب الجزائري تقطع الطريق عن الاستمرار في الاحتكام للشارع الذي يمكن أن يخرج عن التحكم والسيطرة في أي لحظة ويؤدي إلى تأجيج النزاع، وبعدها علينا أن نقرر كما فعلت الصين في تسعينيات القرن الماضي، و قطر  والإمارات، وروسيا العائدة، التي غدت ليس فقط مجتمعات مستقرة ومزدهرة بل مراكز تهندس فيها مصائر الشعوب والدول.

أستاذ العلاقات الدولية، جامعة باتنة .1. الجزائر.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here