“التعايش الدرزي – المسيحي في عهد الامارة الشهابية كتاب جديد لأنور الغريب”

نبيل المقدم

لاشك ان جهدا مميزا بذله انور الغريب في اصدار هذا الكتاب حتى خرج بهذه الحصيلة من المعلومات والوثائق والاستنتاجات عن مرحلة هامة من تاريخ لبنان لاتزال تتصارع الاراء حولها.عرفت انور منذ ايام الدراسة تلميذا مجتهدا ومتفوقا مغروما بالعلم والثقافة بعكس الكثيرين منا الذين الذين كانوا يتلهون عن الدراسة بامور اخرى كانت ومازالت تشغل بال كل المراهقين صبيانا وبناتا. حتى انه عندما نال شهادة الصيدلة لم يعتبر الامر نهاية المطاف بل محطة نحو فصل اخر  من فصول العلم والمعرفة.فاختار دارسة التاريخ ونال شهاد الماجستير بدرجة جيد

في كتابه “التعايش الدرزي المسيحي في عهد الامارة الشهابية” يحاول انور الغريب ان يبين لنا فرادة التركيبة الطائفية في لبنان والتي غالبا ما كانت تتحول الى نزاعات طائفية وخاصة في منطقة جبل لبنان بين المسيحيين والدروز. اهمية كتاب انور الغريب انه يحاول ان يكشف لنا التزييف الطائفي الذي طغى على تلك الحقبة التي يتحدث عنها في كتابه. وان يضعنا في المشهد الحقيقي لتلك الفترة. يقودك انور في كتابه الى تفاصيل تلك المرحلة وفق منهجية علمية غنية وموثقة ورصينة. لقد شهدت تلك المرحلة احداثا دموية  خطيرة ومن اجل وضع حد لهذه النزاعات ولدت صيغة التوازنات الطائفية والتي مازالت مستمرة حتى اليوم والتي يشير اليها انور في كتابه بوضوح.كما يشير الى دور القوى الاجنبية في قيام هذه التوازنات والتي اعتمدت على الزعامات الاقطاعية في من اجل تثبيت نفوذها في لبنان.حتى الان لم يبادر مؤرخو لبنان الى محاولة تأسيس مدرسة علمية محايدة ورصينة تدرس تاريخ لبنان بدقة وموضوعية وبطريقة محايدة وهذا ما ندعوهم الى القيام به بعد اطلاعهم على كتاب “انور” علهم في ذلك يسهمون في وضع حد للخطاب الطائفي في لبنان الذي يعلو ويهبط بحسب مقتضيات المشهد السياسي.

بالعودة الى الكتاب يخوض انور الغريب بالتفصيل بتاريخ سكان جبل لبنان فالنسبة اليه لايمكن البحث في تاريخ لبنان من دون البحث في تاريخ سكانه. فجبل لبنان هو نقطة التقاء سكان لبنان وخاصة المسيحيين والدروز. بالاضافة الى ذلك فان منطقة جبل لبنان شكلت نقطة انطلاق نحو تطوير جميع المرافق الحياتية في لبنان وخاصة الزراعية والصناعية والعمرانية. وهنا يخوض انور الغريب بالتفصيل في هذه المسالة ويلقي الضوء على سلبياتها وايجابياتها.

يقع الكتاب في ثلاثة فصول في الفصل الاول يتحدث الكاتب عن نزوح المسيحيين الى بلاد الشوف بحيث يسهب في سرد تفاصيل التوزع الطائفي لسكان المقاطعات التي شكلت الامارة المعنية في عهد الامير فخر الدين الثاني. بحيث يقول “كانت الامارة المعنية تكبر وتصغر حسب الظروف السياسية والاقليمية وتغير الولاة وقدرة الامراء المعنيين التوسع خارج النطاق الاساسي للأمارة المعنية وكانت امارة الدروز تضم الشوف والغرب والشحار والجرد والمتن وكسروان، اضافة الى جزين واقليم الخروب واقليم التفاح”.وهنا يتوقف الكاتب عند بعض النقاط الاساسية بحيث يقدم لنا العديد من النماذج الصالحة التي تثبت صحة ما جاء في كتابه حول هذا الموضوع ما يميز كتاب انور الغريب في هذا الفصل كثرة الابحاث والمراجع والتي وان دلت على شيئ فهي تدل على جديته في العمل وفي البحث في تاريخ لبنان الحديث.

اما في الفصل الثاني فيشير الكاتب الى انتشار الاديرة والكنائس والارساليات التبشيرية ومما يقوله الكاتب هنا” بعد استقرار الاوضاع للمسيحيين في بلاد الشوف والغرب واستياطانهم في اراضيها كان لابد ان يواكبها حركة دينية كنسية في ظل الحماية والتسامح الديني اللذين تمتمعت بهما الامارة المعنية”…. وان كنت لا اوافق الكاتب على استعمال عبارة استيطان وكنت افضل لو استعمل بدل منها عبارة كلمة “استقرار”. الا انه  لايسعنى الا ان انوه باسهابة في شرح الدور الايجابي الذي لعبته هذه الاديرة والكنائس والمدارس التابعة لها في نشر الثقافة والتعليم في منطقة جبل لبنان وايضا في مساعدة المحتاجين خلال المجاعات والحروب.بحيث يؤكد على الدور الايجابي الذي لعبته المسيحية في لبنان خلال عقود طويلة من الزمن.

اما في الفصل الثالث فيضيئ الكاتب على الدور المدني وليس الديني فقط الذي لعبته الكنيسة في تلك الحقبة من تاريخ من لبنان فيتحدث الكاتب عن دور الكنسية في عهد الامارة الشهابية ومما يقوله في هذا الفصل “حول الرهبان بنشاطهم وعملهم الدؤوب امارة جبل لبنان الى جنائن واستغلوا الاراضي الخصبة على انواعها وكانوا بجهدهم وعملهم يتوسعون ويزيدون من املاكهم وبعد ان كانوا شركاء للمقاطعجيين حكام المقاطعات اصبحت للأديرة شركاء من الفلاحين والسكان للعناية بارزاقها وزراعتها.وفي هذا الفصل ايضا لاينسى انور الغريب الاطلالة على الصراعات الحادة التي بين المسيحيين والدروز والتي رافقت تلك المرحلة وهو ان كان يغوص في تفاصيل المازق والاشكاليات التي صاحبت هذه الصراعات الا ان اطلالته على هذا المشهد لاتعتريها اي خلفيات سياسية او طائفية هي اطلالة علمية منهجية تحكي الواقع كما هو والهدف منها الاستثمار في الايجابيات والاتعاظ من السلبيات.

كتاب “التعايش الدرزي – المسيحي في عهد الامارة الشهابية” 1697 -1842″ لانور الغريب كتاب جديرة بالقراء والاهتمام وهو يشكل مرجعا موثقا لكل باحث ومهتم بتاريخ لبنان في عهد الامارة الشهابية وهو كتاب يوضح العلاقة بين المسيحيين والدروز في تلك المرحلة بعيد عن اي لبس او محاولة لتدوير الزوايا. فتاريخ لبنان لاتكتمل فصوله بدون دراسة تفاصيل الاحداث في تلك المرحلة.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here